|
نُقل عن المأمون: ما أعياني جواب أحد مثل ما أعياني جواب رجل من أهل
الكوفة، قدَّمه أهلها فشكا عاملهم، فقلت: كذبت، بل هو رجل عادل، فقال: صدق أمير
المؤمنين وكذبت أنا، قد خصصتنا به في هذه البلدة دون باقي البلاد خذه واستعمله على
بلد آخر يشملهم من عدله وإنصافه مثل الذي شملنا، فقلت: قم في غير حفظ الله، عزلته
عنكم.
كان المأمون بن هارون الرشيد يجلس للناس يوم الثلاثاء من كل أسبوع, فجاء رجل قد شمر
ثوبه، وتأبط نعله، فوقف على طرف البساط وقال: السلام عليكم، فردَّ المأمون السلام،
فقال الرجل: أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه، جلسته بإجماع الأمة أم بالغلبة
والقهر؟ قال: لا بهذا ولا بهذا، بل كان يتولى أمر المسلمين من عقد لي ولأخي، فلما
صار الأمر إليَّ علمت أني محتاج إلى إجماع كلمة المسلمين في المشرق والمغرب على
الرضا بي، ورأيت أني متى خليت الأمر اضطرب حبل الخلق، ومرج أمرهم, وتنازعوا،
وانقطعت السبل، فقمت حياطة للخلق إلى أن يجمعوا على رجل يرضون به فأسلم إليه الأمر،
فمتى اتفقوا على رجل خرجت له من الأمر. فقال صاحب النعل: السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته، وذهب.
رجل من عامة الخلق يقتحم مجلس من دانت له الدنيا من مشرق الأرض لمغربها، يقف على
بساط الخليفة، متأبطاً نعله، يسأله من أعطاه الحق في مجلسه؟ هذا لعمري الخط الفاصل
بين الحياة والموت، والذي ينبغي ألا يتجاوزه أحد أو حتى الاقتراب منه. ولكن في هذه
النادرة يظهر أن العلاقة لم تكن دوماً مشدودة شداً حاداً بين السلطان وعامة الخلق،
فقد كان هناك مساحات ممتدة متنوعة بينهما تثير الانتباه والدهشة. بل لعلها تتجاوز
وتخترق بصورة مباغتة الخطوط الحمراء للسلطة دون أن بترتب على ذلك أي نتائج مأساوية،
وإنما يتحول الموقف برمته لنادرة طريفة تنسج خطاباً مراوغاً يضمر السخرية العميقة
من صاحب السلطان على حدّ تعبير الدكتورة هالة أحمد فؤاد.
وهنا لا بد من استنطاق هذه العلاقة الشائكة بين الرجلين. صاحب النعل ترك عمله،
شمَّر ثوبه، تأبط نعله، وجاء مجلس السلطان يسأل. أيدرك هذا الرجل ما يفعل؟ أهو أحمق
بالفطرة أم أنه يخلط بين الهزل والجد؟ ألا يدرك ما يمكن أن يفعله السلطان لو غضب؟
وغضب السلطان لا تحمد عُقباه. أمن حقه كفرد مؤمن أن يستنطق السلطان ويسأله كيف يدير
شؤون البلاد والعباد؟ ماهي الأسباب الملحة التي أقلقته ودفعته لمواجهة السلطان بهذه
الجرأة المنفلتة من عقالها، هذا هو التهور بعينه، دخول حضرته هكذا دون أذن ولا
دستور؟
هي في مجملها أسباب تكشف عن احتياج الرعية الملح إلى الراعي، ولا تهدد جوهر
السلطان، بل تدعمه، وتؤكده، وتكرس له. أنظر إلى صاحب النعل حين سمع جواب المأمون
كيف سلم وانصرف. هل سكنت نفسه واطمأنت من قلقها على مصير الأمة؟ أكان جواب المأمون
شافياً كافياً، سد الذائع من كل وجه؟
ولا يعنينا في هذا الساق مدى صحة الرواية، وهل هي حقيقة أم من عمل الخيال؟ لأننا
نهتم بتحليل تلك العلاقة الملتبسة بين السلطان ورعيته، ولعل ما ينسج ملامح ذلك
الالتباس هو أمكانية التشارك في دوافع الاقتراب من المدار السلطوي لاذع المذاق،
والتورط في فضاءاته، مما يجعل الحضور داخل هذه الفضاءات مجازفة خطرة قد يترتب عليها
في كثير من الأحيان نتائج وخيمة تصل إلى حد التصفية الفعلية مادياً ومعنوياً.
وصدر هذا الكلام شبيه بشيء لا بأس بروايته في هذا الموضع، فقد خطب أبو جعفر المنصور
يوماً فقال: منذ أن وليت عليكم رفع الله عنكم الطاعون. فقام رجل في المجلس وقال:
لأن الله أكرم من أن يجمع علينا المنصور والطاعون. وألحَّ الذباب يوماً عليه في
مجلسه حتى أضجره. فقال لحاجبه: انظر من في الباب من العلماء. فقال: مُقاتل بن
سليمان. فأُدخل على المنصور، فسأله: لماذا خلق الله الذباب؟ وعاين مُقاتل تبرم
المنصور وضجره، فأجابه: لكي يُذلّ به الجبابرة.
تُقدّم لنا هذه المشاهد العامة أو الخلق أو-الرعاع-إن شئت ذلك، بوصفها حشداً قادراً
على الفعل، وهذا أحد تجليات المقاومة بالحيلة في مواجهة عسف السلطان وفرديته كما
أكد عليه جيمس سكوت في كتابه الخطير "المقاومة بالحيلة" وعنوانه الفرعي: "كيف يهمس
المحكوم من وراء ظهر الحاكم".
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |
| المزيد من مقالات العدد 66 |