|
قبل البدء:
"أقرأت يوما في الحكايات القديمة، عن غادة حسناء في أنياب غول؟!
أرأيت يوما عصفورة ... ما بين فكي أفعوان؟!
من ها هنا بدء الحكاية ..."
(نجيب سرور)
قبل أن نختلف:
ما من شيءفي بلادنا، يحدث صدفة ... كل المنسوب إلى الصدف مدبر ... كي يبدو من فعل الصدفة ... يبقى أن المنسوب لغير الصدفة، في بلادنا هو الصدفة، وإذن فهو مدبر... كي لا يبدو صدفة ... وهو هنا المطلوب ... إثباته؟! وسواء اتفقنا أو اختلفنا لكننا قد نتفق على:
صدفة الفصل الأول: (هل كان الاسم صدفة؟!)
مشهد: من (كتاب البداية والنهاية – أبي الفداء إسماعيل بن عمر/ ابن كثير)
"بسم الله الرحمن الرحيم: إلى محمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد
فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً بقي، وكنت أظن أنه سيخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديتُ إليك بغلة لتركبها والسلام عليك".
وكانت الهدية جاريتين هما: مارية وأختها شيرين. وفي طريق عودة حاطب إلى المدينة، عرض عليها وأختها الإسلام ورغبهما فيه، فاعتنقتاه.
هامش: "سيرين بنت شمعون أو شيرين القبطية هي صحابية قبطية روت للنبي محمد عدة أحاديث. كانت آنذاك مع أختها على دين المسيحية فتركاه ودخلتا في الإسلام. تزوج النبي محمد مارية وأهدى أختها شيرين إلى شاعرهِ حسان بن ثابت فأنجبت لهُ عبد الرحمن وحسن إسلامها.
ديباجة:
كانت شيرين القبطية خالتي
وكانت شيرين الحفيدة مثل أختي
كانت ... وكأن وجهَها
شاشة السينما تُعيد روايتي
فرأيت جدّي حين علّقه الغزاة مُضرّجا
ورأيت دمعاً كان يصعد للسّما
يا كلّ جدّات البلاد
وزيتهن
وجرارهن ووشمهن
يا صوت خشخشة الأساور والقلائد في المدى
وغنا السناسل والقرى
أنتِ الصبية حين حاد مسيرها
كي تلتقينا صدفة
وتمر ما بين الشهيد ودمه
وتترك وراءها مَشاهِد في شريط القتل تلفّنا.
صدفة الفصل الثاني: والمسرح جنين
قلنا يا صديقي الشعر ... فلنقل السجع المعروف عن الكهان، أو دعنا نقل النثر وندبجه بجناس التشويق، أو دعنا من كل فنون القول؛ مادام النطق خيانة؟
فهل يتغير هذا العالم. ثمة شيء يحدث للمسرح، وإذن ثمة شيء يحدث لجنين، أو بالعكس، فجنين المسرح والمأساة هي الملهاة، وجنين هي شيرين. كيف نضم الاثنين معاً، في اسم واحد؟ شيرين؟ جنين؟
هذه تسمية مقبولة، لكن ليست معقولة. لكن جناسهما الناقص اكتمل حين توحدتا بدم واحد.
يقول فطاحلة اللغة من العرب العاربة أن مثل هذه الكلمات، يزيد الجرس الموسيقيّ في الكلام، فيزيد الكلام جمالًا، وقد قال عبد القاهر الجرجاني، -شارح نظرية النظم، في شروط تحقّق هذا الفن: "لا يحسن تجانس اللفظين إلّا إذا كان موقع معنيهما من العقل موقعًا حميدًا، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدًا"، وهل يا سيدي هناك أكثر قربا من ارتباط الدم، حين توحدت جنين بشيرين يوم المجزرة وتوحدت شيرين بجنين يوم اغتيلت وكانت شيرين هي الشاهد يوما والشهيدة.
صوت:
شيرين جنين ... جنين شيرين
اسمك ليس مجروحاً
اسمك جرح في قلب الشعب
لكن الجرح بأن تبقى الأشياء المعروفة
من تاريخ قبل التاريخ بتاريخ
ولهذي الدرجة مجهولة
وتظل تراق دماء الشعراء.
صدفة الفصل الثالث: ذباب أخضر وشريعة الخوف
"المشهد هُوَ هُو. صيفٌ وعَرَقٌ, وخيال يعجز عن رؤية ما وراء الأفق. واليوم أفضلُ من الغد. لكنَّ القتلى هم الذين يتجدّدون (صدفة) . يُولَدُون كُلَّ يوم (صدفة). وحين يحاولون النوم يأخذهم القتلُ من نعاسهم إلى نومٍ بلا أحلام (صدفة)، لا قيمة للعدد، ولا أَحد..."
ذباب أخضر – محمود درويش.
(صوت درويش في ساحة القتل صدفة)
ينظر القاتل إلى شَبَح القتيل, لا إلى عينيه, بلا ندم.
- يقول لمن حوله: لا تلوموني, فأنا خائف. قتلتُ لأني خائف, وسأقتل لأني خائف.
- بعض المشاهدين المدربين على تفصيل التحليل النفساني على فقه العدل, يقول: إنه يدافع عن نفسه. والبعض الآخر من المعجبين بتفوُّق التطور على الأخلاق, يقول: العدل هو ما يفيض من كرم القوة. وكان على القتيل أن يعتذر عما سبَّب للقاتل من صدمة!
- والبعض الآخر, من فقهاء التمييز بين الواقع والحياة, يقول:
- لو وقفتْ هذه الحادثة العادية في بلاد أخرى غير هذه البلاد المقدسة, أكان للقتيل اسم وشهرة؟ فلنذهبنَّ, إذن إلى مواساة الخائف...
أما شبح القتيل, فقد أطلَّ عليهم من سماء صافية. وحين أطلقوا عليه النار لم يروا قطرة دم واحدة!... وصاروا خائفين!
(درويش – شريعة الخائف).
صدفة الفصل الرابع: الرصاصة المدربة
"المسرح خال من الجمهور ... الخشبة يغشاها الإعتام ... والعرض هنا ... قبس من روح "هاملت" شكسبير، لكنه هنا هاملت آخر غير الذي نعرفه وشاهدناه عشرات المرات. نعم سيكون هاملت الأصلي في خلفيتنا ونحن نشاهد العرض، لكنه سيحضر كطيف أو كشبح مثل شبح والده، الملك المغدور.
مشهد 1: شبح هاملت يكتب في دفتره:
- دعني يا رفيقي سأقص القصة
فوق العرش الخاوي قد تم التدبير...
هناك يا سيدي عشا من الصقور ... صقور صغيرة تصيح فيعلوا صوتها في الجدل على صوت الآخرين، وينالون أعظم استحسان.
هؤلاء هم البدعة في هذه الأيام: وإنهم ليملؤون بصياحهم «المسارح العامة»، هكذا يسمونها حتى أصبح كثير من حملة السيوف يخشون حملة ريش الأوز.
ـ ليست بدعة: ـ من يحمل سيفاً يخشى من يحمل ريشة من جناح أوزة (أو مع تقنيات العصر أصبح يحمل كاميرا) قد يكتب بالريشة كلمة، أو يأخذ صورة، تكسر سيفاً، لكن في صمت ـ
صوت الشاهد "والشاهد كاميرا":
لفيف الرفقاء كان في يمناه وردة
وفي صمت المكان عربدت رصاصة قناص خائف
بالصدفة وبمحض الصدفة
عانقت رأس الصبية
وبمحض الصدفة تسللت ما بين الخوذة والمتراس
وكان قرار الرصاصة في الجمجمة.
رفيقٌ ينتحب:
"أيتها المستجيرة من الموت بالموت
ما قلت لنا كيف داهمتِهم،
صدفة؟ ... لا أظن.
فعيناكِ لم تومئا بالوداع،
وثغركِ ما ند عنه ابتسامة،
ولا همهمة ...!!
غير أن اختلاج خطاك اللهوفة للزهر،
كشف عن فاجعة.
عاجزاً كان صمتك أن يكتمه".
صدفة الفصل الخامس: الاغتيال مرتين لا بل ثلاثة
المشهد الأخير: "في جانب معتم في زاوية المسرح ... وكأني بالمسيح يتحلق حوله أصحابه"
صوت:
ألحق أقول لكم ... لا حق لحي إن ضاعت في الأرض حقوق الأموات ... لا حق لميت إن يهتك عرض الكلمات ... أو كان عذاب الأموات ... أصبح سلعة ... أو أحجية ... أو إعلانا ... أو أيقونة ... فعلى العصر اللعنة ... والطوفان قريب.
الأبطال بمعنى الكلمة ... ماتوا لم ينتظروا كلمة ... ما دار بخلد الواحد منهم ... حين استشهد ... أن الاستشهاد بطولة ... ماذا يتمنى أن يأخذ ... من أعطى آخر ما يملك ... في سورة غضب أو حب؟!
صورة:
"نعش يتهادى فوق الأكتاف ... جموع المشيعين تهتف ملء حناجرها ... بالروح بالدم نفديك يا شيرين ... هراوات الذباب الأزرق والأخضر تغتال النعش، يسقط علم مضرجا بشيرين ... ويشعل شمعة الميلاد، ويعلن عن اغتيال النعش وشرين مرة ثانية ... وبمحض الصدفة".
ديباجة أخيرة:
"نحن الحكماء المجتمعون بحضرة آفيخاي ... من المنتقدين وحملة مفتاح الجنة ... وهواة البحث عن الشهرة ... وبأي ثمن ... والخبراء بكل صنوف الأزمات ... نحن الحكماء المجتمعون بمقهى آفيخاي ... قررنا ما هو آت:
تغلق أبواب الاسترحام، أو حتى الاستغفار حتى انتهاء الجنازة ... ولن نصلِي على النجاشي صلاة الغائب، وتعلن الجنة عن إغلاق أبوابها حتى اشعار آخر منا نحن المجتمعون بمقهى آفياخي الفيس بوكي".
هامش:
"الصدفة في الفلسفة تعني ما هو متميز، أو هي الحدث الذي يحدث بدون سبب محدد ومعروف، وبالتالي يتناقض مع نظرية الحتمية التي تستند على أن لكل حدث سبب محدد.
فالصدفة: هي الحدث الذي يقع بشكل مفاجئ، مثل: الالتقاء بصديق أو قريب في مكان لم يعلم أي منهما بتواجد الآخر به، ويكون غير متوقع. وكما اخترع الأقدمون ميثولوجيا الآلهة فاخترع الإغريق أبوللو إله الفنون، واخترع الرومان فولكان إله البراكين، اخترعت مادية العصر الحديث ميثولوجيا خاصة بها هي إله الصدفة، الذي لا يصمد أمام التحقيق الفلسفي.
وهناك من يخلط ما بين الصدفة والقدر، والذي يعرفه البعض بأنه: هو حدوث الصدفة بشكل متكرر، ولا يمكن تفسيره إلا بالمشيئة الربانية التي لا نعلم حكمتها، ودفاتر الغيب لا تعرف مفردة الصدفة".
سلاما شيرين كانت حياتك صدفة وموتك كان على ميعاد.
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |