|
شيرين ابو عاقلة...
ذلك الوجه الذي كان يطالعنا مع كل مساء وفي كل صباح وعلى مدار اليوم ... الذي كان يشاركنا قهوتنا وينثر على مسامعنا ما يجري على الساحة الفلسطينية من وجع، ذلك الوجه الذي كان يشاركنا فرحنا وحزننا ووجعنا وغصّتنا ... ذلك الوجه الذي كان مترعاً بكل معاني وأحاسيس الألم.
شيرين ابو عاقلة التي كانت واحدة من كل اسرة فلسطينية، نرفع صوت تلفازنا عندما يطل وجهها الحامل لكل أوجاعنا، نشنف آذاننا لما ستقول من بين أزيز الرصاص وخوذات العسكر الهمجي.
لم تكن شيرين ابو عاقلة بالنسبة لنا مجرد صحفية ومراسلة تغطي وتنقل لنا اخبار ما يستجد وما هو واقع من احداث فقط، بل كانت عين الحقيقة وصوتها. احببناها كما نحب وردة تبهج الروح في صباح يوم ربيعي نديّ ... أحببناها لأننا كنا نحس بأنها تتكلم بلساننا وبقلبنا وبروحنا رغم ما يُطلب من الصحفي أن يكون محايدا ... ننظر في عينيها من خلال الشاشة فنقرأ ما هو خلف الكلمات وخلف ما تقول، تطل ببهاء وجعها فنحس بهذا الوجع يسري في عروقنا مع كل رمشة عين من عينيها، ومع كل حرف مغمّس بكمِّ هذا الألم المخنوق في فمها وقلبها وروحها...
شيرين ابو عاقلة، أيقونة وجداننا وزهرة أيامنا المتعبة، وربيعٌ كنا نحلم ان يستمر رغم قساوة الواقع ومرارته.
بالنسبة لها كان ذلك اليوم عاديا، فهي تعودت على مقارعة اولئك المحتلين في كل موقع وفي كل مواجهة وفي كل حدث ... تعودت على مقارعة اولئك المحتلين الآتين من شتات الدنيا ليصنعوا حلمهم المزيف في وطننا، وفي بيوتنا، وفي بساتين برتقالنا، تعودت ان تقارعهم بصوتها الذي لا يحبون، بنقلها لما يرتكبون من آثام في مهد المسيح وفي معراج النبي محمد، وفي كل مسامة من مسامات فلسطين.
في ذلك اليوم لحقت وجعها الجديد والدائم والمستمر، لحقته الى مخيم جنين لتنقل انتهاكات المحتلين في مخيم شُرّد اهله من وطنهم الأم مثل كل المخيمات في الوطن والشتات ... من قرى ومدن فلسطين، من حيفا ويافا وعسقلان واللد والرملة وعكا وبيت نبالا والعباسية والحديثه وكفر ياسيف والقائمة طويلة.
ذهبت شيرين حاملة كل اوجاع تلك السنين لتضيف لوجعها ووجعنا وجعا آخر، وجع لا تريده هي لا لها ولا لنا، ذهبت بحس الصحفية وحس الفلسطينية التي تأمل ان ينتهي كل هذا السواد، لم تكن تدري ان فنجان قهوتها الذي شربته قبل انطلاقها لمخيم جنين سيكون الأخير، ولم تكن تدرك ان مشوار الطريق من مقرها في مكاتب الجزيرة الى مخيم جنين سيكون هو المشوار الأخير، ولم تكن تدرك أن آخر ما ستدونه في مفكرتها هو كلمات معدودة قبل أن تصرعها رصاصة من قناص محتل حاقد جاء هو او ابوه او جده من سحق الدنيا، من بلاده هناك الى بلد لم تكن له ولن تكون...
هي لم تكن تدرك كل هذا، فالزهرة لا تدرك إن كانت ستعيش صباحا آخر أم لا، ولا تدرك إن كان شذى عطرها سيبهج أحدا آخر من المارين أم لا.
قنصوا الزهرة في مقتلٍ وبسبق إصرار وترصد، لكن شذاها ما زال يملأ الأمكنة عبقاً واريجاً، وسيبقى الى ما لا نهاية... وسنبقى نسمع صوتها كلما ازّت رصاصة ودوى إنفجار قنبلة، وسنبقى نشتم عطرها كلما ماتت ونبتت وردة على تراب هذا الوطن وعلى كل مساحته.
شيرين ابو عاقلة ... ايقونة فلسطين وداعا وتحية.
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |