شيرين
بين التباكي عليها ومحاكاة قتلتها

 

 

يحدث كثيراً على مستوى الأفراد أن ترى الدموع منهمرة مِن عيون مَن يشاهدون موقفاً تراجيدياً لشخصية ما من الشخصيات الواردة في رواية أو قصة أو فيلم أو مسلسلٍ ما، بينما على أرض الواقع قد يقوم الشخص المتباكي نفسه بذات الأفعال التي تعرض لها النموذج الذي تعاطف معه في العمل الفني أو الأدبي، وهو ما يشير صراحةً إلى الاِزدواجية التي يعيشونها ربما من دون درايتهم بذلك أو لعلهم كانوا ممن يعون وجود ذلك الجانب المتناقض في تركيبتهم.

إلاَّ أن الأمر طالما كان مناسباً لأهوائهم فهم يقبلونه ويتصالحون معه وقد يدافعون عنه أيضاً إن لزم الأمر، وكأقرب مثال على ذلك من يتحدثون في سوريا ليل نهار عن الاحتلال بالشتم واللعن، فلا إشكال لديهم إن كانوا هم محتلين مناطق وممتلكات الآخرين، وبكل سهولة يمكن أن يجد المرء في مضاربنا مَن يتحدثون بحرقة عن العنف والقسوة التي تعرضوا لها من قِبل سلطة أمنية ما، ولكن فور إتاحة فرصةٍ سلطوية صغيرة لهم تراهم أكثر عنفاً وغطرسةً من الذين كانوا ينتقدونهم.

وهذا الأمر يحدث على نطاقٍ واسع يشمل الأفراد والمؤسسات في مجتمعاتنا، ولكن بما أن تعقب المتناقضات المتعلقة بسلوك الناس في الميادين أو اقتفاء أثر ما يصرحون به في وسائل التواصل الاجتماعي قد يكون صعباً جداً بكونه يحتاج إلى جهود ضخمة ومؤسسات تقوم بالبحث والتحري والاستقصاء، لذا سنترك الأفراد جانباً وسنأتي على ذكر بضعة مؤسسات تابعة للدول الإقليمية، لنُري القارئ تناقضها مع ذاتها فيما يخص حقوق الصحفيين، ففي حين جعلت المحطات تلك من قضية الشهيدة شيرين أبو عاقلة مادة دسمة تغني بها برامجها، بينما عملياً وفعلياً على أرض الواقع هو أن ما تقوم به سلطاتها الأمنية لا يقل سوءاً عما تعرضت له شيرين، وذلك باعتبار أن الكنيست الاسرائيلي نفسه استهجن عملية القتل، بينما المؤسسات التي سنذكرها لم يسمع أحد بأنها اعتذرت لأهالي مَن كانوا مِن ضحايا السلطة التي يطبلون لها؛ وعن هذا الانفصام العام الذي يعيشه عشرات الآلاف من اخواننا في البلد وخارجه، كتب الدكتور علاء تباب "كل الإعلاميين يرثون الصحفية شيرين أبو عاقلة والأغلب واقعه الأخلاقي هو لونا الشبل".

ومن تلك الجهات الرسمية في دول المنطقة التي حاولت أن تستثمر خبر استشهاد شيرين أبو عاقلة لأهداف سياسية صرفة نذكر أن المواقع الرسمية التابعة للنظام السوري وخاصةً وكالة سانا نشرت 12 خبراً عن الراحلة شيرين أبو عاقلة، وكان من بين المؤسسات الرسمية، اتحاد الصحفيين السوريين التابع للنظام وحيث أدان جريمة اغتيال الاحتلال الإسرائيلي للإعلامية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة في 11/5/2022، وكذلك الأمر استنكر اتحاد الكتاب العرب جريمة اغتيال الإعلامية شيرين أبو عاقلة في 12/5/2022، علماً أن الجهتين لم يصدر عنهما أي بيان إدانة جراء ما يتعرض له الإعلاميون في سوريا منذ 2011، بينما حاولوا إظهار كامل تعاطفهم مع الشهيدة شيرين وأهلها وزملائها، ولكن كيف سيصدق الناس تعاطفهم مع من يبتعدون عنهم آلاف الكيلومترات، بينما لم يُحركوا أي ساكن حيال صحفيي بلدههم الذين يُقتلون برصاص أمن الوطن وعلى مرمى حجر من مؤسساتهم؟

وحيث كانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وثقت في تقريرها الخاص بقتل الإعلاميين في سورية، والذي صدر في 3 أيار 2022 مقتل 711 من الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام منذ شهر آذار 2011 حتى بداية شهر أيار من العام الجاري، كان بينهم 52 بسبب التعذيب، وكان من بينهم 552 بينهم 5 طفلاً، و1 سيدة، و5 صحفيين أجانب، و47 فقدوا حياتهم بسبب التعذيب داخل مراكز الاحتجاز، وجميعهم وفق الشبكة قُتلوا على يد قوات النظام، وحيال هذا التناقض فهل من المعقول أن يكون صادقاً وعادلاً وموضوعياً ذلك الذي يتجاهل هذا العدد الهائل من الشهداء الإعلاميين ويتحمس فقط لإدانة قتلة المراسلة شيرين أبو عاقلة؟

أما في دولة الملالي في إيران فقد نشرت وكالة أنباء فارس بخصوص مقتل شيرين في 15 أيار 2022 خبراً جاء فيه أن الكيان الصهيوني اغتال 82 صحفياً وصحفية خلال العقود الأربعة الأخيرة أحدهم شيرين أبو عاقلة، واستنكرت لجنة حقوق الإنسان في الجمهورية الاسلامية الايرانية اغتيال الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة من قبل القوات الإسرائيلية؛ إذ أن الوسائل الإعلامية في جمهورية خامنئي تحدثت بالفم الملآن عن استشهاد شيرين أبو عاقلة ولكنها ربما لم تسمع ولا بودها أن تقرأ الملفات التي سربتها ونشرتها منظمة "مراسلون بلا حدود" حتى الشهر الثاني من عام 2019 والتي قالت في تقريرها ذاك أن السلطات الإيرانية اعتقلت ما مجموعه 860 صحفياً في السنوات التي أعقبت الثورة الإيرانية عام 1979 ووفق المنظمة المدافعة عن حقوق الصحفيين أن السلطات الإيرانية غير السجن والاعتقال الذي طال مئات الناشطين والصحفيين فقد أعدمت عدداً كبيراً منهم.

وبخصوص التفاعل مع حدث استشهاد شيرين أبو عاقلة في تركيا فقد أدان بيان وزارة الخارجية التركية في 13/5/2022 مقتل مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة وأعربت الوزارة عن توقعها بتقديم المسؤولين عن الحادثة إلى العدالة في أسرع وقت، كما أدان حزب العدالة والتنمية التركي في 12 /5/ 2022 مقتل الإعلامية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة مراسلة فضائية "الجزيرة" برصاص الاحتلال الإسرائيلي، مؤكداً أنه "لا يمكن إخفاء جرائم قتل الصحفيين" وقال نعمان قورتولموش، نائب رئيس الحزب، عبر بيان: "لا يمكن لإسرائيل التي تقتل بلا مبالاة الفلسطينيين الأبرياء كل ساعة وكل يوم، والتستير على جرائمها ضد الإنسانية بقتل الصحفيين". وتابع: "كفى. يجب على المجتمع الدولي أن يحاسب إسرائيل على جرائمها ضد الإنسانية"، كما نشرت وكالة الأناضول الرسمية في 12/5/2022 أنفوغراف يمثل خارطة تفصيلية لمقتل الإعلامية شيرين أبو عاقلة، ولكن في الوقت الذي كانت تنتقد فيه الوسائل الإعلامية التركيةاعتراض جنازة شيرين أبو عاقلة من قِبل الجنود الإسرائيليين، هاجمت الشرطة التركية موكب تشييع السياسية الكردية "أيسيل دوغان" في مدينة ديرسم، في 16 من الشهر الجاري ومنعت الشرطة المشيعيين من دخول المقبرة والمشاركة في مراسم العزاء إلاّ للأقرباء من الدرجة الأولى! ولكن تلسكوبات الإعلام التركي استطاعت رؤية ما يجري في القدس بدقة وتنشره رغم المسافة الكبيرة والحشود العسكرية الضخمة أول بأول، بينما الاعتداء على مشيعي أيسيل دوغان فلم يقدر إعلاميو تركيا أن يشاهدوه بالرغم من أن الواقعة حدثت في ولاية ديرسم التركية وعلى مرمى كرةٍ من عدساتهم؟

إذ أن الموجع في أمر المؤسسات الرسمية والرديفة في الدول التي تابعنا ما نشرته عن الشهيدة أبو عاقلة أنها حاولت جهدها استثمار مقتلها لأغراض سياسية صرفة لا علاقة لحقوق الإنسان بها، كما أن الجهات التي تباكت عليها في الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع تعرف جيداً كما يعلم العاملون في منظمات حقوق الإنسان أن الأجهزة الأمنية في البلدان المذكورة كثيراً ما تحاكي ممارسات قتلة شيرين، كما أن الأجهزة الأمنية التابعة لها ما تزال تمنع دخول أي صحفي حر أو مؤسسة إعلامية حرة إلى مناطق نفوذها في سوريا لتغطية ما يجري فيها من الانتهاكات بحق عموم البشر وليس الصحفيين فحسب، بل وبدلاً من ملاحقة المجرمين تقوم تلك الأجهزة باعتقال النشطاء الذين يكشفون عن وجوه الفاسدين والمجرمين، بالمقابل فإسرائيل التي يشتمونها ليل نهار فكانت مراسلة الجزيرة جيفارا البديري تقدم تقريرها الخاص بتشييع جثمان الراحلة شيرين أبو عاقلة وهي على بُعد ربع متر من الجنود الإسرائيليين وتتكلم عنهم كمحتلين بالفم الملآن وفي بثٍ مباشر على الهواء، بينما المتباكين على شيرين ومَن جاهدوا لاستثماراستشهادها إعلامياً وسياسياً لعدة أيام لا يسمحون لأيّ إعلام حر بتغطية ولو ربع ما يجري في مناطق نفوذهم.