التصحُّر الذهني والجشع
 

 

إذا كانت القراءة لدى الكثير منا في الوقت الراهن بمثابة المعين الذي يستقي منه المرء قبسات تضيء الدروب الضبابية أمامه، فالأمر نفسه كان في الماضي وخاصةً في أماسي القرى ولياليها الحالكة الطوال يتم عبر آلية سرد الأحداث التاريخية والقصص الحياتية على اختلاف أنماطها شفاهةً، ولا شك أن الغرض مِن تلاوة الماجريات في تلك الأماسي لم يكن للتسلية وتضييع الوقت فحسب، إنما لتكون تلك القصص والوقائع المسرودة كالذخيرة المتنقلة من جيلٍ إلى جيل عبر الذاكرة الجمعية، والتي يعود إليها المرء إن اعترض سبيله إشكال حياتي ما، أو تعثّر في دربه بمعيقٍ من المعوقات التي لا يعرف كيف يعالجها، إذ بخصوص ذلك العائق كان يعود إلى المخزون الشفاهي للملة كي يستفيد الشخص منه أو يفيد غيره به في مساره الوجودي، باعتبار أن المحكي بمثابة بنك معرفي مجاني بمقدور المرء التزود بالحكمة منه لحل مشاكله أو تلبية حاجاته الحياتية.

وإذا علمنا بأن الحكمة أو المعرفة في الماضي كانت تُعطى من قِبل العارفين أو تُستقى من قِبل طلابها مشافهةً، فإن العصر الراهن فرض شروطه الخاصة في هذا المجال، ولكن كما كانت التساؤلات تُطرح حينها عن أهمية تلقف تلك المعارف المتنقلة من الأفواه إلى الأسماع مباشرةً وبدون أيّة وسائط، كذلك الأمر تعترض قارئ اليوم عبارات مماثلة مثل ما فائدة القراءة والغرض منها؟ وهل القراءة لها دور إنقاذي؟ وهل بمقدور القراءة أن تلعب الدور الشفائي بخصوص بعض عللنا النفسية والاجتماعية وحتى الجسدية؟.

ويظهر أن نفس الأسئلة التي طرحها يوماً الناقد الأمريكي هارولد بلوم في كتابه "كيف نقرأ ولماذا نقرأ" على الأغلب كانت تخطر على بال ذلك الشخص الأمي الذي يعتمد على السمع في تلقي معارفه، أو ذلك الذي لا طاقة له على تحمل القراءة والذي يكتفي حينها بالإصغاء كبديل رئيسي عن القراءة، ليقول بينه وبين نفسه لماذا عليه أن يستمع لهذه القصص والحكايات؟ وما الجدوى من قضاء الليالي وهو يصغي إلى الأحاديث والروايات من كبار السن في أيوان القرية أو في المقهى؟ وما الذي استفاد منه فعلياً بعد أن عبَّأ جعبته بالمرويات الشعبية؟ وذلك طالما أن نفس الأمراض الإجتماعية والممارسات القميئة التي كان الرواة يحذّرون الناس منها أو يحثون المتلقي على الإبتعاد عنها تتكرَّر وتمارَس جيلاً بعد جيل! وذلك باعتبار أن اقتراف نفس المثالب التي نهاها المقروء أو المسموع من قبل مئات المرات دليل على أن القارئ أو المستمع لم يكن بذهنه حاضراً أثناء القراءة أو الاستماع، وإلاَّ فكيف يتصرف بخلاف ما تلقفه عبر حواسه مئات المرات؟.

والشكوك حيال ذلك الأمر حقيقةً لم تكن لتراود الواحد منا إن لم يرى أمامه من يتأبط الكتب ويتفوه بما جاء في القراطيس في أغلب الأوقات أمام الملأ، في الوقت الذي تراه يزاول نفس ما استقبحه محتوى تلك الكتب مرةً تلو الأخرى، وبالتالي يدفعه الشك أيضاً بمن كان يحضر يومياً أيوان القرية مع أقرانه للاستماع إلى الحكواتيه وأصحاب الخبرة الحياتية، طالما أن واحدهم عملياً لا يعمل بأي موعظة أو نصيحة أو حكمة من الحِكم التي حيكت في حضرته عشرات المرت.

ومِن كل بد أن مَن يقرأ طويلاً ولا يهضم أيّ شيء مما قرأه، شبيه بالبيداء التي تغمرها الأمطار بغزارة ولكنها لا تستفيد من ذلك الغيث قط، وعلى المنوال ذاته فثمة مَن يحضر مئات الجلسات التي يُحكى فيها قصص التراث وقصص الشعوب المجاورة وأساطير الأولين من دون أن يكون قد حظي بأي حكمة أو معلومة أو خبرة من كل ما قيل أمامه، وحيث الواقع المعاش وممارسات أولئك الأوادم في حياتهم اليومية تؤكد ذلك، كما أن تلك النماذج ليس في مقدورها الاستفادة من المقروء أو المسموع ولو تكرر أمامها المذكور مئات المرات، وذلك لأن الفرد المجبول على الطمع والحسد والجشع والبغضاء يبقى صاحب عقلٍ متحجر ومن الصعب على قيم الخير أو الحكمة أو الإيثار أوالعطاء أو التسامح أن تصل إلى جوفه وتستقر في قاعه.

وبما أن الإنسان يتوق الكمال ليس في مجال الفكر والأدب والفن ومغانم الدنيا فحسب إنما حتى في سلوكه كذلك الأمر، لذا فحيال القضية المطروحة هاهنا ثمة تساؤلات تداهم الكثير منا في بعض الأوقات، خاصةً عندما نسمع أو نرى تصرفات الماضي تحدث بحذافيرها في الزمن الحاضر، ويلاحظ المرء أن ثمة ممارسات يُقدم عليها بشر اليوم هي نفس الممارسات التي كان أوادم القرون الغابرة يزاولونها؛ لذا فعندما يُمعن النظر في تصرفات السالفين ويقرأ عن سلوكياتهم السلبية تلك يشعر بالقرف منها، ويتمنى في دخيلة نفسه أن لا يسمع بها مجدداً، وكل همه أن تغدو تلك المعايب السلوكية كالقطع الأثرية موجودة في متاحف التاريخ فقط، وبألا تُعاش أو يتم إحياؤها من جديد كما يعمل الزُراع على إحياء بعض أنواع النباتات التي كانت على قيد الإندثار، وإذا كانت مهمة المحافظة على النباتات والحيوانات من الإنقراض فضيلة وخدمةً للمسكونة ككل، فإن إحياء المستقبح من السلوك البشري معناه العودة إلى ما قبل ذيوع القيم وانتشار الأخلاقيات والحكمة والرجوع بالتالي إلى ما قبل الحقب الزمنية التي تم تعميم مبادئ العدل والحق والمساواة فيها.

ومن كل بد أن الغرض من سبر أغوار أجران السلف والاطلاع على تجاربهم هو ليس من أجل محاكاة حياتهم، إنما لتجنب الكثير من مقابحهم السلوكية والابتعاد قدر المستطاع عن المثالب التي كانت جزء من بيئة زمانهم، هذا بالرغم من أن السلف ترك لنا ذخيرة قصصية لا يُستهان بها وهي كافية لأن تكون عبارة عن مجسات ومنبهات تحمينا من الزلل وارتكاب المعاصي، وتنير دروبنا حتى لا نقع بنفس الحُفر التي وقع فيها بعضهم آنذاك، وأن نبتعد بالتالي عن كل ما غدا في المسيرة الإنسانية كالمشترك السلوكي للبشر، بما أن القميء والنتن في أبعد دولة هو عينه في أقرب بقعة مننا، خصوصاً وأن الثقافة الكونية صارت بمثابة المنهل والمقصد والحكم والقياس العام في الكثير من القيم الإنسانية في العالم.

ومن تلك الجوانب السلوكية التي ركز عليها السلف في الكثير من كتاباتهم هو سقم الجشع الذي هو موضوعنا اليوم، وكيف أن ذلك المرض لا يضر صاحبه فقط إنما قد يكون وبالاً على المجتمع ككل، ومن الكُتاب القدماء الذين عالجوا هذا الموضوع وحذّروا منه هو إيسوب الإغريقي في قصصه التي جاءت على لسان الحيوانات، ومنها قصة الإوزة التي تبيض ذهباً.

والقصة التي ذكرها إيسوب تقول بأنه كان ثمة رجل وزوجته يعيشان فى منزلٍ صغير، وكان المنزل محاط بحظيرة صغيرة، يربون فيها بعض الطيور من دجاج وإوز، وكانت الزوجة فى كل صباح تخرج للحظيرة مع زوجها لتفقد أحوال الطيور وتجميع البيض، وفى إحدى الأيام وجد الزوج بطة ترقد على بيضة من الذهب، ففرح كثيراً ونادى على زوجته ليخبرها، وعندما علمت الزوجة فرحت كثيراً بالمفاجأة، وقالت: سنكون أغنياء يا زوجى العزيز، فنحن يمكننا أن نجمع عدد من البيض الذهبى ثم نبيعه، لنحصل على الكثير من الأموال وبعدها نشترى كل ما نحتاج إليه، واهتموا بتلك البطة التى تبيض يومياً بيضة ذهبية، إلى أن تسلط على الزوجِ سلطان الجشع وقال لزوجته: إذا كانت البطة تبيض لنا كل يوم بيضة من الذهب، فما بالنا إذا ذبحنا البطة وأخرجنا أحشائها؟ فمن المؤكد أن أحشاء البطة بها الكثير من الذهب، وبالفعل أخذ الزوج البطة فى اليوم التالى، ثم أحضر السكين وذبح البطة، وبدأ يُخرج أحشاءها، وكانت المفاجأة الغير سارة والصادمة، وهي أنه وجد أحشاء البطة عادية كأحشاء باقى الطيور، ولم يعثروا على ذهبٍ قط، فحزن الزوج كثيراً على فقدان مصدر الثراء، كما حزنت زوجته لأنهم حُرموا من البيضة الذهبية التى كانت البطة تهديهم إياها كل يوم، وكل ذلك بسبب الطمع الزائد وغياب القناعة لديهم.

وبما أن تلك القصة لم يكتبها إيسوب من باب التسلية وإمضاء الوقت، إنما كان يخاطب أناس مجتمعه وقتها ويحثهم على الاحتراس من هذه المثالب الشخصية لأفراد معينين على أمل أن يستفيد منها باقي أبناء المجتمع، لذا فإن القصة التي يحذر إيسوب من ظاهرة الجشع عبرها كان من المفروض أن تكون مرجع ومتكأ لكل من لا خبرة له، أو تكون الذخيرة لكل من كان فقير التجربة في الحياة ممن قد يصادفه أشياء وتصرفات جديدة لم تخطر بباله ولم يسمع عنها من قبل.

وصحيح أنه ليس كل الناس لديها شغف الاطلاع والقراءة حتى يلجأوا لمعين الأولين ليستقوا منه ما يلزمهم في معاشهم، ولكن من شبه المؤكد أن معظم الناس تتمتع بفضيلة السمع ومن إحدى فضائل هذه الحاسة أن بمقدور المرء من خلالها الإستماع إلى سيَر وقصص وحكايا وأخبار السلف من دون جهد أو كلفة، وحيث أنها لا تكلف المرء شيئاً كما هو الحال مع الكِتاب الذي ندفع ثمن محتواه قبل أن نستفيد منه، وذلك باعتبار أن الإصغاء متاح لمعظم الناس، هذا إن أراد المرء تلقف ما كان سهل المنال مثل النظر لكسب الخبرات البشرية التي تأتي في قوالب قصصية شيقة، ومن المؤكد أن من لم يحالفه السعدُ في السمع وصار قارئاً، فالحظ لم يكن يعانده إن أراد الاستماع من أي كهلٍ يحتفظ بعشرات الحكايا في الذاكرة أو من صاحب خبرةٍ ممن عايش بنفسه الأحداث أو تلقف من غيره المعارف المتعلقة بسير وروايات الراحلين.

وتبقى الكارثة كامنةً فيمن يقرأ ولا يعمل بالمقروء، ويستمع من دون أن يكون المسموع قد تسرب إلى أعماقه، ومن هؤلاء موجودن لدينا بكثرة، وربما وجد مَن يماثلهم بعشرات الآلاف في بقع أخرى من هذا الكوكب الذي نعيش عليه معاً.

وبخصوص الجشعين من أبناء المجتمع فحتى لا نبقى في مضمار الماضي والإشارة والإيحاء سأأتي على ذكر مثالين حيين من واقعنا الراهن، ولا شك أن هنالك العشرات من نفس هذه العينة في مناطق أخرى من بلادنا، منهم على سبيل الذكر شخص يدعي "ب ـ ع" كان إذا ما بدأ موسم قطاف الزعتر البري لا يكتفي بالاسحواذ هو وأولاده على أكبر مساحة ممكنة من الحراج القريبة من القرية والقرى المجاورة، إنما كان يدفعه الجشع آنذاك إلى إبادة الزعتر من أساسه في المساحات الحراجية التي كانت تطأها قدماه، حيث كان يقوم هو وأولاده في كل جولة لهم بدل قطف الزعتر باقتلاع الشجيرات من جذورها، وذلك لكي يوفروا حسب تصورهم الوقت والجهد، ولم يخطر على بالهم من الجشع الذي أعمى بصيرتهم بأنهم من خلال هذا الفعل سيحرمون أنفسهم والآخرين معهم من مادة الزعتر في المواسم التالية.

على كل حال ففي المثال الأوّل كان الجشعون الذين يحفظون عشرات الحِكم والقصص غيباً ولا يملون من ذكرها هنا وهناك ولكنهم يعملون بما يخالف مضمونها هم أناس من مدنيي المنطقة، وهنا سأذكر نماذج أخرى ربما كانت أسوأ منها بكثير وذلك بسبب كثرتها من جهة، وضررها الكبير على البيئة والمجتمع في المنطقة ككل من جهة أخرى وفوقها تلحفها بالغطاء الديني، وحيث أن بعض الفرق المسلحة التي أطلقت الدولة التركية يدها في منطقة عفرين منذ الشهر الثالث من عام 2018 وأباحت لها التصرف على هواها مع البشر والشجر والحجر، فإن بعضهم تخصص بشق بطون الأرض بحثاً عن الآثار، وقسماً منهم تخصص بملاحقة البشر والسطو على أموالهم وسلب ما يمتلكونه من خلال الابتزاز المتواصل، والقسم الأدنى منهم ممن لم تدللهم الجهة التي أرسلتهم ولكنها سمحت لهم بالتحطيب والرعي الجائر من خلال إفلات مواشيهم على حقول الزيتون والرمان وقطع ما يحلو لهم من الشجر، إذ بدلاً من لملمة الأشجار اليابسة في الأحراش وبيعها، قاموا بقطع مئات الأشجار المثمرة والحراجية من جذورها لبيع أحطابها، وحيث أن جشعهم لم يطل أهل المنطقة وحدهم إنما طال حتى بيئتها، وحسب شهادات المئات من أبناء المنطقة، فإنه إذا ما استمر بقاء تلك الفرق المسلحة هناك ودام زمن إطلاق يدها بضعُ سنواتٍ أُخر فإنهم من فرط الجشع سيجعلون من عفرين الخضراء مساحات جرداء مثل عقولهم المتصحرة.

وفي ختام هذه المقالة نصل لنتيجة مفادها، أن مَن لم يتغذى من ضرع القيم منذ صغره حتى يفاعته ومن ثم بلوغه، وإن لم يتمثل تلك القيم ويعشها سلوكياً وليس فقط نظرياً، فقد لا تفيده أو تغيّر من طباعه أو تعدّل ممارساته لا قراءة الكتب ولا حتى حفظه لمئات الحِكم والأمثال والقصص والأحاديث، ومثالنا الحي هو أن عشرات الآلاف من مسلحي المجتمع السوري في عموم البلد يكاد لا يخلو بيت من بيوتهم من كتاب المسلمين المقدس ألا وهو القرآن الكريم، هذا عدا عن التراث الشفاهي المنقول إليهم من خلال آبائهم وأجدادهم، وحيث أنهم بين فينة وأخرى يستمعون إلى ذلك الموروث وربما يتداولونه وفوقها يقرأون من حين لآخر كتابهم المقدس، ولكن رغم ذلك فعندما انهارت مؤسسات الدولة وغاب القانون وعمّت الفوضى رأينا الآلاف منهم وبسرعة البرق قد عادوا إلى ما قبل وجود الكتب المقدسة، وإلى ما قبل تراكم التراث المجتمعي الشفاهي، أي أنهم عادوا إلى الحالة القطيعية الأولى التي عاشها أسلاف البشر في غابر الأزمان والعصور.