العدالة الاجتماعيّة
كما كتب عنها مطران الفقراء غريغوار حدّاد
في مطلع الحرب الأهليّة في لبنان

 

 

ننشر هذا المقال للمطران الراحل غريغوار حداد الذي توفي بعد نزاع طويل مع المرض في ٢٣ كانون الأول/ ديسمبر ٢٠١٥. وكان المقال صدر مطلع الحرب الأهلية في جريدة «لوريان لو جور» اللبنانيّة الناطقة باللغة الفرنسيّة في ١٥ تموز / يوليو من العام ١٩٧٥. وهو يعطي فكرة عن موقع العدالة الاجتماعيّة في فكر "المطران الأحمر" ونشاطه.

***

في حين يبدو أنّ الجميع في هذه البلاد يحاول عن عبث شرح الأسباب الحقيقيّة للأزمة المأساويّة التي تهزّ لبنان واكتشاف السُبل الفعّالة التي تتيح الخروج منها، تقترح صحيفة "لوريان لو جور L’Orient-Le-Jour" كلمتين باللغة اللاتينيّة لمساعدتنا في فهم ذلك جيّدًا.

"فلنعش أوّلًا، ثمّ نتفلسف"، يفيد القول اللاتينيّ المأثور. والمقصود بذلك أنّه قبل المباشرة بأيّ نشاط، على المرء أن يسعى إلى ضمان حياته وسبل معيشته. بعباراتٍ معاصرة: تتقدّم الاحتياجات والمتطلّبات البيولوجيّة على أيّ نشاطٍ أو مسعى، سواء فلسفيًّا كان أو ثقافيًّا أو اجتماعيًّا أو سياسيًا، إلخ.

في إطار أزمتنا، يمكننا أن ننسب ثلاثة معانٍ إلى هذه الأولويّة البيولوجيّة، أي "فلنعش أوّلًا":
⦁ نتيجة الأزمة
⦁ سبب الأزمة
⦁ ما العمل للخروج من الأزمة؟

العودة إلى ما هو بيولوجيّ
بعد ثلاثة أشهر من القتال، ومن الدمار، ومن الجنون، ومن المعاناة، ومن الموت، ومن الخوف، ومن الكراهية، يتمثّل الوضع الاقتصاديّ لدى السواد الأعظم من الناس في أنّه لم يعد لدى هؤلاء سوى هاجس واحد: البقاء طبعًا، والتمكّن من إنقاذ حياتهم وحياة أولادهم، إنّما أيضًا التمكّن من إيجاد السُبل الأسرع لتلبية احتياجات الحياة الأساسيّة: المأكل، والمسكن، والملبس، والعناية الطبيّة.

ففي مقابل طبقٍ من العدس، بلغ المطاف بالكثيرين، بسبب جوعهم، وخصوصًا جوع أُسرَتهم، إلى "بيع حقوقهم"، وجعل مقولة "العيش أوّلًا" تتقدّم على أيّ اعتبارٍ آخر، على أيّ قناعة، أو طموح، أو مطلب إيديولوجيّ، مذهبيّ، سياسيّ. هذا هو واقع الحال، النتيجة الدراماتيكية لهذه الأشهر الثلاثة من سفك الدماء، والحداد، والذعر. يعود المرء إلى احتياجاته البيولوجية الأساسيّة.

قبل أن يكون هاجس الاحتياجات البيولوجيّة الأساسيّة نتيجة للأزمة، شكّل أحد أهمّ أسبابها. فقد بات الوضع الاقتصاديّ لعددٍ أكبر وأكبر من المواطنين، في السنوات الأخيرة، هشًّا لدرجة أنّه بلغ حدًّا من البؤس لا يمكن تحمّله. ما عادت هذه ظاهرة فرديّة وباتت تتّخذ أشكالًا جماعيّة: أصابت بالكامل قرى ومناطق في لبنان، وكان النزوح الجماعيّ ينقل البؤس من المناطق الريفيّة ويزرعه في ضواحي المدن، خصوصًا بيروت، وصولًا إلى قلب بعض أحيائها.

خلال هذا الانتقال، كان البؤس يتبع مسارًا كاملًا. وقد نما إدراكٌ معيّن لدى أولئك الذين كانوا حتى الآن ريفيّين مسالمين: إدراكٌ لبؤسهم، ولبؤس الطبقات العاملة، وللفارق الفاضح بين مستوى معيشتهم ومستوى معيشة أقليّة تعيش في ترفٍ فاحش، بحيث تنفق في سهرة واحدة ما يكفي لإعالة أُسرة لعشرة وعشرين سنة.

إنّه إدراكٌ لحقّهم في العدالة، والمساواة، والحياة الكريمة، حيث ما من أحدٍ مُحسن وما من أحد "يتلقى الإحسان".

من شأن هذه العمليّة الإفضاء، أو عدم الإفضاء، إلى الالتزام بحزبٍ "يساريّ". وتتضافر القوى الشعبيّة، وتتضاعف، ولا يمكن للنتيجة، عاجلًا أم آجلًا، أن تتمثل إلّا في انفجارٍ ضدّ هذا الوضع الجائر وضدّ القيّمين عليه لأنّهم يجدون في ذلك مصلحة لهم. مقولة "فلنعش أولًا" مع متطلّباتها المزعجة، ما عادت تمثّل واقع حالٍ ثابت: باتت تشكّل أحد الأسباب الأساسّية، السبب الأكثر أساسيّة ربما، لأزمتنا: ذلك الذي يثير الأمواج، والمدّ البحريّ القادر على تدمير كل شيء في طريقه من أجل إعادة إعمارٍ أفضل.
 

بعض الأرقام البليغة


يمكننا تقديم وقائع وإحصاءات لا تُعدّ ولا تحصى كمستندات إثبات في هذا المجال. سأكتفي ببعض الأرقام التي كُشِف لنا عنها من خلال مسح «القوى العاملة» الذي أجرته وزارة التخطيط عام ١٩٧٠: هناك ٢,٩٠٠,٠٠٠ لبنانيّ، من بينهم ١,٢٠٠,٠٠٠ مقيم في بيروت وضواحيها. ماذا عن دخلهم؟ لا يأتي التقرير أبدًا على ذكره، ذلك أنّ النتائج كانت ستبدو مرعبة إن كشف عنها أمام الشعب اللبنانيّ. وبالعودة إلى النِسب المئويّة الشهيرة لبعثة «إيرفد IRFED» التي وضعتها عام ١٩٦٢ والتي لم تتغيّر كثيرًا كما ينبغي (إن لم يكن بمعنى استقطاب أكبر وإفقارٍ للطبقات الوسطى)، ومن خلال زيادة المداخيل بمعدل الضعفين (مداخيل الأُسرة زادت بمعدل الضعفين لا أكثر خلال ١٣ عامًا)، نحصل عن عام ١٩٧٥ على الجدول التالي:

صحيفة لوريان لوجور، بتاريخ ١٥ تموز/ يوليو ١٩٧٥
إذا قارنّا مداخيل الفئات المختلفة في ما يخص قسمين فقط من نفقات الأسرة، الإيجار والمأكل، ماذا نجد (بالنسبة إلى بداية عام ١٩٧٥)؟ إنّ إيجار شقّة من غرفَتي نوم في بيروت وضواحيها، لا يمكن أن يقل عن ٦٠٠٠ ل.ل. سنويًّا. ومع أخذ الإيجارات القديمة بعين الاعتبار، يمكننا الإبقاء على متوسط يُقدَّر بـ ٤٠٠٠ ل.ل. سنويًّا، هذا بصرف النظر عن رسوم المياه، والكهرباء، والرسوم الضريبيّة والبلديّة.

يصعب تقدير تكاليف الطعام بالنظر إلى الارتفاع الجنونيّ في الأسعار. غير أنّ بعض المقارنات بين ميزانيّات الأُسَر وميزانيّات المجموعات الكبيرة تشير إلى أنّه عام ١٩٧٠ كانت كلفة إطعام ولدٍ واحد تبلغ ٢ ل.ل. يوميًّا، في حين أنّه عام ١٩٧٥، تبلغ ٣ ل.ل. على الأقل. وبالنسبة إلى أسرة متوسطة، تتألّف من ٦ أفراد، فإنّ الميزانيّة الشهريّة الدنيا المخصّصة للطعام ستبلغ ٦ x ٣ ل.ل. x ٣٠ يومًا = ٥٤٠ ل.ل. أو ٥٤٠ x ١٢ شهرًا = ٦٤٨٠ ل.ل. سنويًا.

وهكذا فإنّ إضافة رسوم الإيجار وتكاليف الطعام تعطي سنويًا: ٤٠٠٠ + ٦٤٨٠ = ١٠,٤٨٠ ل.ل.
بالتالي فإنّ الخلاصة الباردة والمأساويّة التي تنبثق عن هذه الأرقام التقريبيّة (التي لا تتضمن أيًّا من الأقسام الأخرى: الملبس، والنقل، والرسوم الدراسيّة، والرعاية الطبيّة، إلخ) تتمثل في أنّ راتب ٧٩٪ من اللبنانيّين هو أقل من ١٠,٤٨٠ ل.ل.، الحدّ الأدنى تحديدًا للتمكّن من تسديد التكاليف السنوية للمأكل والإيجار لأُسرة واحدة.

ماذا يفعلون لسدّ هذا العجز؟ يلجأون إلى وسائل استثنائيّة:
⦁ سوء التغذية، عدم الالتحاق بالمدرسة، المساكن غير اللائقة.
⦁ بيع الأراضي والمباني.
⦁ الاستدانة من المرابين بفوائد باهظة.
⦁ هجرة مؤقتة أو دائمة، وغالبًا تفكّك الأُسرَة.
⦁ الاستجداء من الجمعيّات الخيريّة.
⦁ الغشّ والرشوة.
⦁ مداخيل خفيّة، لم يصرَّح ولا يمكن أن يُصرَّح عنها.
⦁ جرائم، وجنايات وعمليات فساد أخرى.

لا يسهم ذلك كلّه إلّا في مضاعفة عدد ضحايا مجتمع غير عادل، لا يرحم، غير واعٍ، وغير مسؤول وبالتالي عدد المتمرّدين، والقوى الراغبة في التغيير.

نتفلسف لنعيش

لا تكمن نتيجة واقع الحال هذا في المقولة اللاتينية المعكوسة وحسب: "لكي نتفلسف، لا بدّ لنا من أن نعيش أوّلًا"، إنّما لا بدّ الآن من إضافة: ولنتمكّن من العيش وإنقاذ حياة الجموع، لم يعد من الممكن ألّا نتفلسف أوّلًا، أي:
⦁ - تحليل معطيات هذا المجتمع غير العادل، والجائر والساحق وتركيباته وبناه الفوقيّة.
⦁ - اكتشاف سبب هذا الوضع الذي يكمن بشكلٍ كبير في العداء الطبقيّ، وتضارب مصالح هذه الطبقات الاقتصاديّة والبيولوجيّة.
⦁- تعميم هذا الإدراك وبخاصةٍ أمام أولئك الذين كانوا دومًا مخدوعين بإيديولوجيا الطبقات المسيطرة، المموّهة غالبًا بأسباب طائفية أو دينيّة أو ثقافيّة، ومساعدتهم في "فلسفة" وجودهم، بدون أن يعني ذلك أنّ عليهم أن يأخذوا كلّ شيء "بمأخذ فلسفي"، أي القبول بالوضع الراهن غير العادل.
⦁- تنظيم إدراكهم من خلال قوّة حاضرة وفعّالة في سبيل إحداث تغيير والحؤول دون العودة إلى نظامٍ آخر جائر وقمعيّ.

صحيح أنّ أسباب الأزمة لا تكمن في الظروف المعيشيّة الاقتصاديّة والماديّة للسواد الأعظم من اللبنانيّين وحسب. وصحيح أنّه من بين هذه الأسباب هناك هذا المرض المستوطن المسمى بالطائفيّة. بيد أنّ هذا المرض يظهر بشكلٍ خاصّ في أوقات الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وخصوصًا في الأماكن حيث تنتمي الطبقات المحرومة بأغلبيّتها الساحقة إلى الطائفة نفسها. فمن شأن إرساء العدالة الاجتماعيّة أن يساعد في القضاء على هذا المرض بشكلٍ نهائيّ.

ومن الصحيح أيضًا أنّه يبدو أنّ القضية الفلسطينيّة تشكّل عنصرًا هامًّا من هذه الأزمة. هنا أيضًا فإنّ الظلم الذي تخضع له غالبية الشعب اللبنانيّ لا يمكن إلّا أن يقترن بالظلم الأكبر بكثير اللاحق بالشعب الفلسطينيّ. وهكذا فإنّ العدالة الإجتماعيّة اللبنانيّة ينبغي أن توفّر عدالة متساوية لجميع الذين يعيشون على أراضينا وخصوصًا جموع الفلسطينييّن. وسيكتشف الشعبان بالتالي صراعاتٍ مشتركة ضد العدو المشترك وضد قضايا الظلم الأكثر راديكاليّة في العالم الثالث بأسره.

فمن الصحيح أيضًا أنّ الصهيونيّة، والإمبرياليّة والرأسماليّة العالميّة تشكّل جميعها قضايا أهمّ بكثير، وأن وضع حدٍ لها أصعب بكثير. لكن إذا حُلَّت مشاكلنا الداخليّة، سيقلّ عدد الضعفاء كما العملاء المستعدّين للتعاون مع هؤلاء الأعداء ضدّ أبناء وطنهم.

للخروج من الأزمة

يقودنا ذلك كلّه إلى القول، مع المجازفة بتكرار أنفسنا، إنّه بغية وضع حدٍ لهذا الوضع المأساويّ الذي، على الرغم من الهدوء المؤقت السائد، ما زال يعتبر متفجّرًا بسبب استمراريّة الأسباب التي أدّت إلى تفجّره، إنّ أحد أهمّ السبل التي ينبغي اتّباعها تتمثل في ضمان "العيش أوّلًا" لهذه الأغلبيّة التي تعاني، في زمن السلم كما في زمن الحرب الأهليّة. ولعل الأكثر إلحاحًا هو تأمين العمل، والمسكن، والمأكل، والطبابة لهذه الجموع وذلك بكرامة وبشكلٍ مستقرّ.

اختارت "وزارة الداخليّة" شعارًا لها، كلمة واحدة: الأمن. فقد كرّر قادة سياسيّون ومعلّقون كثر أنّ المطلب الوحيد الذي هم متمسكون به في هذه المرحلة الأولى هو الأمن. أما الباقي فسيأتي لاحقًا.

غير أنّ الرغبة في إرساء هذا الأمن من دون السعي إلى "العيش أوّلًا"، والمباشرة في الوقت عينه بتأمينه، هي مجرّد وهم.

ذلك أنّ الأمن قد يكون سلبيًّا وإيجابيًّا في آن. فالأمن السلبيّ تضمنه "قوى الأمن"، ووزارة قويّة، ورئيس وزراء ووزير داخليّة حريصان ومتّحدان، يحاولون جميعًا تهدئة المواطنين الذين يحرصون على أن تكون "الطرقات كافّة مفتوحة وآمنة"، وعلى عدم تعرّض أحد للاختطاف أو إصابته برصاصة طائشة. ومن شأن هذا الأمن أن يقضي على الخوف من موتٍ عنيف ويطمئن المواطن. أمّا الأمن الإيجابيّ فينبغي أن يؤمّن سبل العيش بطريقة أكيدة ومستقرّة جدًّا حتّى أنّ المواطنين لن يطاردهم بعد الآن هاجس الخوف من الغد، الخوف من أن يحتاجوا إلى العمل، إلى الطعام، إلى المسكن. فهو يقضي على الخوف من الموت البطيء، ومن الألم المبرّح الذي لا ينتهي أبدًا.

هذان النوعان من الأمن مترابطان بشكلٍ أساسيّ:
⦁ في حال عدم توافر الأمن السلبيّ، تصبح الاستفادة من سبل العيش غير ممكنة، حتى وإن كانت مؤمّنة ومستقرّة.
⦁ وعلى العكس، في حال انعدام الأمن الإيجابيّ، يهدّد ذلك مباشرة الأمن السلبيّ أي حياة الجميع.
عندما يكرّر السياسيّون، والتجّار، والصناعيّون والصحافيّون بلا كلل: "أعطونا الأمن، ونحن اللبنانيّين نتكفّل بالباقي: سنعيد بناء اقتصاد البلاد وازدهارها، وسنعيد لبنان إلى زمن المعجزة اللبنانية!"، يحقّ لنا أن نسألهم:
⦁ أيّ اقتصادٍ تقصدون؟
⦁ عن ازدهار من تتحدّثون؟
⦁ أيّ معجزة لبنانية تقصدون؟
⦁ أيّ لبنان سينتعش؟

إن كان الأمر ما زال يتعلّق بالاقتصاد الليبراليّ الوحشيّ، حيث سيستمر الأقوى بقمع الأضعف واستغلاله، وإن كان يعتمد على ازدهار الأقليّة الرأسماليّة القليلة وازدهار المجتمع البرجوازيّ، وإن كانت المعجزة اللبنانيّة ستظل تترجم من خلال الارتجال وقصر النظر، والصيغ التقريبية، والمداخيل الخفيّة (غير الخاضعة للضريبة)، وإنتاج الخلايا الرماديّة وحسب، وإن كان الأمر يتعلّق في نهاية المطاف بلبنان خاصّ ببعض المحظيّين، فسنشهد بسرعة على تعرّض الأمن الإيجابيّ للمخاطر الأشد سوءًا وسنغرق مجدّدًا في الأزمة، ويعني ذلك هذه المرّة كارثة لن ينهض منها لبنان مجدّدًا. وبالتالي على لبنان أن يتغيّر! كيف؟ في حين، وخلال ٣٢ عامًا من الاستقلال، وعد الحكّام الذين تعاقبوا على مراكز السلطة، وباسم الجموع التي باتت أكبر عددًا وأكثر وعيًا، بالعدالة والتنمية.

وبما أنّ الوصول إلى "الحدّ الأدنى للمعيشة" لم يتحقّق حتّى الآن، يقودنا ذلك إلى أن نطرح على أنفسنا أسئلة عديدة:
⦁ هل كان الحكّام جادّين في وعودهم؟
⦁ هل حاولوا أن يفوا بوعودهم وفشلوا في ذلك؟
⦁ أكان بإمكانهم الوفاء بهذه الوعود في إطار "النظام" الاقتصاديّ والطائفيّ المعمول به؟
⦁ هل علينا أن نتحدّث عن عجز أشخاصٍ أم عجز "النظام"؟

لطالما رفض قادتنا والمستفيدون من هذا النظام اتّباع هذه الطرق في المساءلة كونها محفوفة بالمخاطر. بالنسبة إليهم، كانت المقولة الأكثر ملاءمة هي: "العيش أوّلًا، وعدم التفلسف أبدًا!" فالتفكير متعبٌ وخطير! بيد أنّه وبشكلٍ مفاجئ، يصبح من الأخطر بكثير عدم "التفلسف"، وعدم السعي فعليًّا إلى التغيير الذي من شأنه أن يتيح للأغلبيّة الحصول أخيرًا على حياة لائقة وعيش كريم.

كان قادتنا يحمون أنفسهم من خلال هذه الكليشيهات التي كانت بمثابة ثوابت:
⦁ - "يعتمد اقتصادنا كليًّا على القطاع الثالث، فالبلاد خالية من الثروات الطبيعيّة. ولن تتمكّن الاشتراكّية من التكيّف مع وضعٍ مماثل".
⦁-  "بلدنا عبارة عن فسيفساء من الطوائف: لن تحصل يومًا ثورة قائمة على الصراع بين الطبقات".
⦁-  "تصون الدول الكبرى "الصيغة" اللبنانيّة: فهي تلائمها. لا داعٍ لأن نقلق، أكثر من اللازم، حيال الشغب الذي يثيره بعض المحرّضين".
⦁-  "اليسار منقسم جدًّا! ولن ينجح أبدًا في تشكيل قوة حقيقية لتبوّء السلطة أو حتّى تمنّي ذلك".

إنّها كليشيهات مُعدّة في سبيل ضمان الأمن الأنانيّ للأقليّة المحظيّة. ولم يتمّ القبول بالتغييرات الصغيرة المنجزة إلّا لتعزيز المكتسبات وحماية امتيازات هذه الأقليّة نفسها. كان يفترض بهذه التغييرات أن تكون بوضوح أكثر جذريّة، وأن تطاول القوانين والتركيبات التي سمحت بوجود طبقات محظيّة ومستغِلَّة في يومنا هذا وأخرى محرومة ومستغَلَة.

المعيار الوحيد الصالح

وفق أيّ معيار علينا البحث عن التغيير؟ إنّ المعيار الوحيد الحاسم الذي يضمن صلاحيّة النظام واستدامته هو ذلك الذي يصون حقوق الأغلبيّة. فالإنسان هو القيمة المطلقة التي ينبغي أن يوضع كلّ نظام، وكلّ منظومة وكلّ قانون لخدمتها. والمقصود بالإنسان، مطلق أيّ إنسان، الناس كلّهم.

بيد أنّه إن كانت الأقلية المحظيّة تستفيد دون غيرها من نظامٍ ما أو من تغييرٍ في إطار النظام، فلا يمكن للمعيار المعتمد إلّا أن يكون خاطئًا. لكن إن كان يصبّ في مصلحة الأغلبيّة، فسيشمل ذلك تلقائيًا الأقليّة: بذلك يكون في خدمة الناس جميعًا. لسوء الحظ، لم تكن هذه الحقائق واضحة بالنسبة إلى الحكّام والطبقات المسيطرة في بلادنا. فهل كانت ثلاثة أشهر من الأزمة والحرب الأهليّة كافية لفتح أعينهم، وأذهانهم وقلوبهم وتحديد إرادتهم؟

ينبغي أن يُحكم على كل عملٍ تقوم به الدولة وفقًا لهذا المعيار. وهذا ينطبق أيضًا على عمل الأحزاب والمجموعات الصغيرة التي تكافح في سبيل التغيير ومطالباتها ببرامجها. لا يكفي أن تأتي الشعارات على ذكر "مصلحة الشعب"، بل ينبغي أن تكون هذه المصلحة مرجوّة فعلًا وقابلة للتحقيق بشكلٍ موضوعيّ. وألّا ينتهي هذا التغيير بتغيّر الأشخاص الذين سيدّعون أنّهم بخدمة الجماهير، والذين سيستغلّونهم في الواقع بأسلوبٍ جديد.

فضلًا عن ذلك، سيساعد هذا المعيار حتّى في علمنة بعض المطالبات الغامضة، كتلك المتعلقة على سبيل المثال بـ"المشاركة" في تعديل الدستور اللبناني"، وإحصاء السكّان، وقانون الجنسيّة إلخ.

في لبنان، كما في كل مكانٍ آخر في العالم، هناك "قوّتان" تتصارعان، بكثير من الوضوح والضراوة:
⦁ - قوّة "بعض الأشخاص"، الممثّلة برأس المال (المُركَّز في دولٍ معيّنة وشركاتٍ معيّنة متعدّدة الجنسيّات)، والتي تقوّيها أسلحة القمع والدمار وإيديولوجيا قمعيّة.
⦁- قوّة الجماهير الشعبيّة التي تنتفض من كبوتها في كلّ مكان، وترتبط، وتتّحد، وتخرج عن صمتها، وتجعل صوتها مسموعًا، أملحدة كانت أم مؤمنة بالله، لكنّها تؤمن دومًا بالإنسان، بصرف النظر عن إيمانه، وطائفته، وإلحاده.

يبدو أنّ المحظيين في كل دولة، وفي العالم، يشكّلون لبعض الوقت، الطاقة الأقوى. لكن على الرغم من المظاهر الخادعة، يبدو أن كفّة الميزان تميل أكثر فأكثر لناحية الجماهير الشعبيّة.

ليت هؤلاء "الأشخاص القليلون"، في بلادنا، يستطيعون أن يكونوا أكثر شفافيّة بقليل، ويضعوا أنفسهم فعلًا في خدمة الشعب من خلال تبنّي برنامج "الأمن الإيجابيّ"، لا من خلال "بيان وزاريّ" وحسب، بل من خلال عملهم، وذلك في القطاعين العامّ والخاصّ. وإن شعروا بأنّهم عاجزون عن تحقيق هذا التحوّل العميق، عليهم أن يتمتّعوا بالشجاعة للتنحّي وإفساح المجال أمام أولئك الذين سيضعون أنفسهم حقيقة في خدمة الشعب، لإنجاز كافة التغييرات اللازمة مع تجنيب البلاد والشعب مآسي جديدة، لأنّه عاجلًا أم آجلًا، الكلمة الأخيرة هي للشعب، والنصر النهائي هو له وحده.

لم يعرف التاريخ حلولًا على مثال الحلّ اللبنانيّ: "لا غالب، ولا مغلوب!" ولعل أغلى أمنياتنا أن يتحقّق نصر الشعب هذا من خلال الأساليب "اللاعنفية"! ذلك أنّ أيًّا من مشاكلنا الداخليّة لم يُحلّ بالعنف الذي تدفق على البلاد. بيد أنّ مشاكلنا كافّة يمكن أن تُحَلّ من خلال قوّة اللاعنف التي بدأت بالتشكُّل، وأوّل المشكلات تلك المرتبطة بـ"العيش أوّلًا".