الترجمة فعل ثقافيّ لغويّ حضاريّ
يربط بين الحضارات والشعوب

 

 

الترجمة فعل ثقافيّ لغويّ حضاريّ والرابط بين الحضارات، والمترجمون رسل التنوير وخيول بريد التنوير، من قديم الزمان وحتى يومنا هذا لم تفقد الترجمة أهميتها أو ضرورتها أو فاعليتها، فهي الوعاء الذي تُنقل من خلاله المعرفة من بلد إلى آخر ومن لغة إلى أخرى. فالترجمة إذن هي نافذة فكرية ومدخل حضاري يضمن لهويتنا القومية المزيد من التواصل مع الآخر في كل مجالات إبداعه. ويقول بوشكين شاعر روسيا العظيم (المترجمون هم خيول بريد التنوير).

ظلت الترجمة من أهم وسائل الانتقال الفكري والمعرفي بين مختلف شعوب العالم وعلى مر العصور. وكان من أهم أسباب تقدم العرب وتطورهم في عصر الإمبراطورية العربية الإسلامية، قيامهم بالتعرف إلى حضارات الشعوب التي سبقتهم بوساطة الترجمة والتعريب. فوضعوا المصطلحات العلمية، وتمكنوا من الانتقال من استيعاب العلوم وتوظيفها إلى تطويرها والإبداع فيها. وقد سعت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (اليكسو) للحصول على البيانات العلمية الموثقة حول حركة الترجمة في الوطن العربي. ثم تبنت المنظمة في عام 1978 اقتراحاً سوريا لوضع برنامج عربي لترجمة أبرز الكتب الأجنبية في مختلف المعارف والعلوم الحديثة. وأوصت بإعداد قوائم ببليوغرافية بما أنجزت الدول العربية في ترجمة العلوم والمعارف العالمية. وفي عام 1979 وافقت المنظمة على مشروع اقتراح ليبي بضرورة الاهتمام بالترجمة في الوطن العربي.

(الترجمة فعل خيانة أصلاً وتذكّر ثانياً وتنوير ثالثاً. هي فعل خيانة، لأن النصّ المترجَم يزيد قليلاً أو ينقص قليلاً عن النصّ الأصليّ. وهي فعل تذكّر، لأن المترجِم يفعل هذا مع نصّ جيد على الأقل فيحييه في مكان آخر ولغة أخرى ووسط بيئة اجتماعية مختلفة. كما أنها فعل تنوير، لأن النصّ المترجَم في لغته الجديدة ومكانه الآخر وبيئته المختلفة يقوم حتماً بدور رائد في وعي من يقرأه).

وتكتسب الترجمة مكانة هامة في مجال انتقال العلوم والفكر والأدب من مجتمع إلى آخر للأسباب التالية:
• الترجمة محرض ثقافي يفعل فعل الخميرة الحفازة في التفاعلات الكيماوية، إذ تقدم الأرضية المناسبة التي يمكن للمبدع والباحث والعالم أن يقف عليها ومن ثم ينطلق إلى عوالم جديدة ويبدع فيها ويبتكر ويخترع.
• تجسر الترجمة الهوة القائمة بين الشعوب الأرفع حضارة والشعوب الأدنى حضارة.
• الترجمة هي الوسيلة الأساسية للتعريف بالعلوم والتكنولوجيا ونقلها وتوطينها.
• الترجمة عنصر أساسي في عملية التربية والتعليم والبحث العلمي.
• الترجمة هي الأداة التي يمكننا عن طريقها مواكبة الحركة الثقافية والفكرية في العالم.
• الترجمة وسيلة لإغناء اللغة وتطويرها وعصرنتها.

أدرك العرب منذ وقت مبكر، أهمية الترجمة والنقل في العلاقات بين الشعوب فتوسعوا في جميع مجالاتها من فكر وتاريخ وفلسفة ومسرح ورواية وكتب دينية وعلمية واقتصادية وغيرها. وبذلك كانت الساحة اللبنانية إلى جانب مصر وسورية والكويت، من أنشط الساحات العربية في مجال الانتقال الفكري والمعرفي بين العالم والدول العربية عن طريق الترجمة.

ومع ذلك ووفقاً للبيانات الواردة في تقرير صادر عن الأمم المتحدة فإن إسرائيل تقوم بترجمة حوالي 15.000 كتاب سنوياً إلى لغة ميتة أصلاً هي اللغة العبرية، في حين لا يزيد عدد الكتب التي تقوم الدول العربية مجتمعة بترجمتها إلى اللغة العربية - اللغة الحية - أكثر من 330 كتاباً سنوياً. وهذا يثبت أن ما يترجمه العرب من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية ضئيل جداً مقارنة بما يتم ترجمته إلى اللغة العبرية أو ما يتم ترجمته إلى اللغة إسبانية أو باقي لغات العالم.

وتشير البيانات إلى أن كلّ ما يستخدمه العرب من ورق سنوياً لا يكاد يساوي ما تستخدمه دار نشر فرنسية أو روسية واحدة. كما أن الغرب يعمل على توسيع رقعة الترجمة في كافة المجالات، بينما يركز العرب أحياناً كثيرة في عملية الترجمة على الأدب وإهمال الفلسفة والعلم بآفاقه الواسعة، إضافة إلى الفوضى العارمة في مشروعات الترجمة العربية. تدل هذه الأرقام على الفارق الحضاريّ الكبير بين العرب والغرب ضمن صراع الوجود في عالمنا المعاصر. فالترجمة جزء من منظومة حضارية وثقافية ضخمة.

ولا يخفى أن الترجمة من لغة إلى لغة ثانية تعني خلق نوع من المثاقفة بينهما، من شأنه أن يسهم إسهاماً كبيراً في التقريب بين الشعوب والأمم. وهذا يؤدي بدوره إلى تواصل المجتمعات وقطع عزلتها، وفي هذا نفع كبير لكل البشر، إذ أن العبقريات وهي نادرة جداً، تكف عن أن تكون ملكاً خاصاً لشعب من الشعوب، بل تصبح ملكاً مشاعاً للبشرية كلها عندما ترى النور.

وتنتج الترجمة لنا ما نحتاج إليه من مراجع وكتب في مختلف العلوم، وتوفر لأساتذة الجامعات الذين يعانون من ضعف باللغات الأجنبية العالمية الانتشار، المراجع البحثية المطلوبة. واقترح هنا أن تقوم المؤسسات والمراكز البحثية العربية والمراكز البحثية العالمية ببرامج للترجمة يشترك فيها العرب والشعوب الأخرى، تؤدي إلى تسهيل عملية الترجمة وتجعلها أكثر يسراً وسهولة. كذلك لابد من حصر الكتب المترجمة من قبل الجامعيين في جامعات ومراكز البحث العالمية والجامعات ومراكز البحث العربية من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى أو من اللغات الأخرى إلى العربية. كما لابد من وضع خطة لرفع مستوى التدريس باللغة العربية وبخاصة في مراحل التعليم الأولى دراسة وتدريساً ومناهج.

تُعدّ الترجمة أحد أهم أدوات التواصل بين الشعوب والحضارات، وفي عالمٍ متعولم يتسارع فيه إيقاع الأحداث، تجد الدول العربية نفسها مُطالبة بالتحاور مع الشعوب الأخرى عن طريق الترجمة ووسائل أخرى، حيث يصبح هذا الدور جزء من مهمة الحكومات والشعوب الوطنية.