اليهودي والحمار السامي
 

 

بعد مرور عام و خريف على الربيع، يبدو الحمار السّامي مزهوا بالمطر، وبروح الثورة و الثورة المضادة، وبانتصارات حققها على كل أعدائه تقريبا هنا وهناك ...

صادف ذاك اليوم الماطر خروج صحفي ملكي أكثر من الملك، من السجن الذي دخله بسبب كتاباته التي كانت مدافعة عن النظام أكثر من اللزوم ربما، و كان الحمار السامي مزهوا كذلك بهذا، فالصحفي المشاغب لم يخرج الا بعد عقد صفقة الصمت الأبدي، او تجنب ذكر سيرة الحمار في مقالاته الماكرة جدا، وتلقى ثمن الصّمت.

انتصارات الحمار السّامي جعلته سرياليا للغاية، حيث شوهد يمتطي سيارة مرسيديس وردية اللون، و يرتدي "بردعة" ايطالية، عبارة عن معطف رمادي فاتح و قبعة مافيا، تماما كصغار رجال الاعمال المتحلقين حول كورليوني، او غلمان العراب.

غير بعيد ترجل عن سيارته، دون النظر يمينا ولا شمالا، وحيث كان هناك كائن غريب يجلس في مقهى فخم قرب الساحل يتأمل سرمدية الفراغ، قيل بأنه يهودي نافذ.

يمتطي الحمار السامي أحلامه الكبيرة، من كلاسيكيات الغلام الخادم، و معها مظلة لا يخجل من حملها في يده، كأي مومس امريكية ريفية في شوارع منهاتن، حصلت للتو على ثروة كبيرة من احدى اعمالها.

احلام الحمار ضيقة جدا، تماما كمساحة خروجه و هامش تجواله، و لا سبيل له لتحقيقها إلا درب القوادة والتخفي، ولعب تلك الادوار التي تحتفظ بها ذاكرته الكسولة من مسلسل هنا او فلم هناك، يشاهدها مع أمه في ايام العطل القصيرة !
---
تتقدم ثلاثة مومسات الى واجهة المقهى، الأولى تبدو مثقفة عميقة ونحيفة جدا، وجميلة، بينما الوسطى بدينة، وبليدة، يشتبه في كونها ابنة عامل او والي أو شخص باذخ الثراء، كان اليهودي على علم بتفاصيل الملابس رغم بساطة شكلها، وفهم بسرعة أن ذاك القميص العبثي العديم الشكل واللون، والذي يظهر تحته حزام سروال منكمش غير انيق، ولا متناسق، يساوي ثمنه أجرة استاذ، بينما الثالثة على اليمين، بدينة كذلك، لكن شكلها انيق وهندامها منتظم وقوامها فاتن، تظهر كقائدة لواء شرموطات، رغم ان كل ما ترتديه باحتساب الساعة والهاتف لا يساوي ثمن فردة حذاء البدينة، والتي تبدو بمظهر خادمة تائهة، او تلك الكسولة التي يوقظها اهلها من النوم لالقاء التحية على ضيف عابر .

الجالس على حافة المقهى ميزوجين لعين، تأمل من القادمات المؤخرة فقط، مؤخرة بمؤخرة، وعقد مقارنات بنيوية سريعة، وهو يتظاهر بالتامل العميق لكتاب كان امامه، لا يعلم ما فيه غير عنوانه! يفضل اليهودي عادة قراءة الاسعار على قائمة العرض، ما هو مكتوب على غطاء الطاولة، على الواجهات، تلك الاشياء التافهة، وأحيانا يتأمل هندسة الارضية، او يحادث نملة على الأرض، او قطة تستقصده دون غيره طبعا، ويستفز بذلك وجود الآخرين!

مر الحمار السامي، دون ان يتعرف عليه أحد، حتى نادل المقهى أنكر شكله، ومظهره المثير للانتباه، الكل مشغول بالتفكير في المطر، وبطريقة للعودة الى الديار دون بلل، حتى الجالس لم يتعرف عليه، او تعرف عليه، وتظاهر بالعكس.

اليهودي كائن ذكي اجتماعيا، و الحمار السامي لا يجيد الا غباء القوادة، وهنا ذهب عرض الحمار السامي في رشفة فنجان أخيرة، قبل انصراف اليهودي الى حال سبيله، مشيا تحت المطر، وقبل أن يأتي النادل بابتسامته الكلبية يطلب من اليهودي ولاعة للجميلات، وقبل ان يحدث ذلك المشهد الأزلي للتعارف العبثي داخل مقهى، حيث كان الحمار يملّي النفس بالتفاتة شكر وتقدير على تلك البضاعة او "الوناسة"، قبل أن ينصرف في حال سبيله على أمل عقد صفقة مّا.
---
مرت سنوات .. وسنوات .. نفس اليهودي النافذ يطل من نافذة فندق غير بعيد، ممسكا سيجارته، ويتأمل المارة، او هكذا يتظاهر، حتى لمح نفس السحنة لنفس الشخص، يمضي بسيارة "تويوتا"، وعلى وجهه و"قرفادته" آثار صفع عنيف جدا، وكان يتمتم بأشياء لا يمكن لأحد سماعها او فهمها، كان ذلك ما يمكن تسميته "حديث المِقْوَدْ"، وهو الأسوء بكثير من أحاديث الوسادة، التي ادمن التلصص عليها عن طريق نخبة من بائعات الهوى، بنات نخبة من المسؤولين من باعة الحشيش والمخدرات الصلبة والولاء كذلك.

انزعج اليهودي كثيرا وحزن، لأن مرور الحمار كان جافا هذه المرة، اشبه بعقاب أليم له على ذنب اقترفه، ولم يلحظ في المكان الا متسولا يرتدي اسمالا مشكوكا في مصدرها، وسيدة نظافة تجر عربة ازبال كبيرة مملوءة عن آخرها، هي من انتاج الفندق الذي يقطنه.

هو يحب رؤية تلك المؤخرات، والاجساد "المِتكلفة"، وهو مهووس بذلك، كهوسه باحتقار الطبقات المسحوقة والبروليتاريا، والشعوب عامّة. هكذا فهم الحمار في البداية، وكذلك، وبوصفه الحمار القويّ، أي الغبيّ، فقد أفهمه صديقه "المخ" في احدى الادارات العليا للانتليجينسيا، أن هذا النوع يعاني من اعاقات وعاهات نفسية بليغة، حيث يمقت الرعاع ويحتقرهم باعراضه عنهم، لكنه يعشق تلك الاجساد المخملية، ويحتقرها كذلك بعدم ابداء رغبة في مخالطتها .."هو معذب في الأرض كما اغلب اليهود"، يضيف العقل الذي فقد عقله بعد أن بدأ بعض المارة يرددون بالضبط ما يدور في رأسه من أفكار، فكان مصيره الاحالة على تقاعد ما ورائي، بدون شهرية تستفيد منها أمه التي ماتت وفق تاريخ سبق ان حدده اليهودي موعدا لمضاجعة نادلة مقهى معروف دون ان يفعل ذلك طبعا !
---
أخيرا، تحول الحمار السامي الى سجين في مكان لا يعرفه هو نفسه، و بدات نوبات "السريسرة"/الاسهال، تجتاحه تماما كما حدث مع ضحيته بالأمس، الصحفي الذي خرج في ذاك اليوم الماطر، وكانت اولى مقالاته بعنوان "السريسرة" .. تحكي عن أيامه الأولى داخل السجن، واول قهوة بالحليب يشربها هناك، والتي كان عليه رميها في بالوعة الحمام.

اليوم أصيب الحمار بنوع متقدم من الجنون، يفوق حالة "العقل"، ضحية اليهودي الأولى، فهو يفكر في الانتحار، لكنه خائف من اختيار لحظة غير مناسبة، أي ركوب الرحلة الخطأ نحو ذاك العدم؟!

كذلك، لم يعد يثق في قهوته الصباحية، ويفضل كوب ماء من الصنبور، يغسله جيدا قبل الشرب، كما يفعل أي شخص مريض بهلاوس الاغتيال، من خلفية اليسار او المعارضة.

يفعل هذا كل يوم وكل صباح ويتذكر اليهودي اللعين، الذي كان يشرب السمّ ويبتسم، او هكذا شُبه للحمار السامي، الغبي البليد الى الأبد، وزاد حمقه بعد ان سمع عن متلازمات وأمراض مزمنة اصابت مجمع الآلهة نفسه، وعجز عن تشخيصها او علاجها الطب الامريكي والصيني معا، بينما مازال اليهودي مبتسما، يتأمل تلك المؤخرات التي لا تأتي.