الموت..لعنة الحرب والحياة في غزة
 

 

يُصيبني الضّيق من حالنا، ومن السّؤال الذي يتردد صداه في كل مكان من حولي: كم مرة يجب على الغزيّ أن يبدأ حياته من الصفر؟ وكم من مرة عليه أن يشفي نفسه من الحروب النفسية التي بداخله.

لاحظتُ بكتابتي إلى حتى الآن أنني ذكرتُ الموت أكثر من مرة مُتتالية، أمن المعقول أنني أُصبتُ بالخوفِ من هاجسِ الموت! أو هل بذلك أصبحتُ مريضةً نفسية! أم هل يُصنف النّاس أنّهم مرضى نفسيين بخوفهم الشديد من شيء؟

هذا بالتحديد ما أودُ إيصاله لمن يقرأ، فحالي هذا كحال الكثيرين من أبناءِ مدينتي، صراعات داخليّة لا تنفكّ عني، واضطراباتٍ وقلق وهواجس وليدة الحرب وتبعاتها من انتكاسات نفسيّة في أجسادنا، تحتاجُ سنينًا وسنينًا من العلاج النفسيّ العميق لنا!

ففي الأخبار يُسلط الضّوء على الحرب من زاوية القتل والدماء وبتر الأعضاء الجسدية، وتهمّش قضية الأمراض النفسية التي تتفاقم في هذه الحرب بشكلٍ مُخيف، وتصيب كلّ فئات الناس، ولا تذكر الأخبار العلل النفسية التي اقتحمتنا جميعًا.

يُصيبني الضّيق من حالنا، ومن السّؤال الذي يتردد صداه في كل مكان من حولي: كم مرة يجب على الغزيّ أن يبدأ حياته من الصفر؟ وكم من مرة عليه أن يشفي نفسه من الحروب النفسية التي بداخله؟

كم من طفلٍ انتُشل من تحت الركام بعد مكوثه في الظّلام لأيام وأيام وحيدًا خائفًا، لا يُسعف جرحه النّازف أحد، ولا يسمع صوت صراخه أحد، يُنادي: “أمي! أبي! أنا ما زلتُ حيًّا..أمي أريد الماء أنا عطشان، أبي أنا خائفٌ وأشعرُ بالبرد، أينَ دفئُكما وحنانكما؟” ولا يدري هذا الطفل أنّ أمه وأبيه بجانبه ميّتَين. هل يُعتبر قلب هذا الطفل شيئًا لا يُذكر حتّى يُقاسي كل هذا الألم في عمره الطفوليّ! عمره الذي كان من حقّه الطبيعي أن يقضيه كباقي أطفال العالم في كنف والديه منعمًا بالحبّ والأمان؟

إن نجا هذا الطفل من الموت جسدًا كما يُخيل للناظرين، فسيكبر حتمًا بصدمات نفسية مُعقدة يظلّ يُعالجها عمرًا كاملًا، فمن سيعوضه هو والباقين من الناجين من لُجة الأسى الذي غرقوا به؟

تُخيفني رؤية الوجوه التي تشيّع أحبتها، أنظرُ في أعينهم فأرى الكثيرَ من الكلمات تُحكى فيها من دون أن تتفوه ألسنتهم بكلمةٍ واحدة، فالدّمع الذي ينسكب أمام نعوش أحبّتهم يروي ما بداخلهم من قهرٍ وحزن.

على التلفاز، قالت إحدى المودّعين: “أحمد..أحمد..أمانة تسيبنيش، بنفعش تروح، مليش حدا غيرك، مين بدو يضحكني، مين بدو يواسيني على غيابك، مين بدو يحضنّي كل شوية!” واحضنت أحمد لآخر مرة، وغاب عنها ويديها لا تفارقه. هُم لم يدفنوا أحمد فقط، لقد دفنوا ضحكتها وروحها وأمانها معه!

عصرًا أغمض عيني وتسترجعُ ذاكرتي بعضًا من أيّام ما قبل الحرب، لتأخذني إلى تلك الحياة، إلى نشوةِ المطر الذي كُنت أنتظرهُ بحماسِ الطفل الذي يرقص فرحًا وهو يدورُ تحت قطراته، إلى بريق عيني برؤية زرقة السماء المُلبدةِ بالغيمِ الصافي، إلى صوت هدير الموج حين أهربُ من الحياة وأجلسُ بخلوةٍ مع النّفس أمام البحر، إلى لون الزهر المُتفتح حينما يزورنا فصلُ الربيع، إلى الضحكاتِ المُخلَّدة في مقاعد الذاكرة برفقةِ صديقاتي.

هذه هي الصّورة التي يُحفزها عقلي حين أسترجعُ الحياةَ سابقًا، أريد استرجاع حياتي، أريدُ استرجاع ضحكاتي، أريدُ استرجاع أحلامي، أريدُ استرجاع رفاقي، أريدُ استرجاع من رحلوا وماتوا وما زالوا تحت الأنقاض، أريدُ استرجاع كُل ما أخذته الحرب وأصبحَ من الذكرياتِ، أريد استرجاع مدينتي كما كانت قبل أن تحلّ اللعنة عليها ويخذلُها كلّ من في بقاع الأرض.

أتساءل: من يُسعفنا، من يُداوينا، من يُخفف عنا، من يُضيء الأمل الذي انطفأ في أعيننا، من يُحيي الحياة التي ماتت في قلوبنا، فلا كلمات تُضمّد جراحنا، ولا دمع يغسل ما بداخلنا من حُزن في أرواحنا ويمسحها، ولا تنهيدات تخفف عن القلب ما بجوفه من عبء ثقلها.

هل عليّ حقًّا أن أجد النجدة وأخرج من حفرة الحرب العميقة؟ الحفرة التي لا أرى لها نهاية من ضبابيتها وسوداويتها!

كيف تصبح حياتنا نصًّا؟ أحلامنا، قلوبنا، ذكرياتنا، ماضينا، حاضرنا، مستقبلنا. كيف أمضيتُ اليوم وأنا أبحث! أبحثُ عن الإجابات التي تُنهي هذا النص، ولكنّه يبقى نصًا مفتوحًا لا ينتهي، وتتكاثر الأسئلة فيما بعد، فأهرب من أسئلتي التي لا تنتهي ومشاعري الحزينة إلى النّوم، مُهرولة إلى خيالي الحقيقي، وأعيشُ واقعي في نومي.