نقد ذاتي
 

 

أعتقد بأن النقد الذاتي بطل زيَّه من زمان، وما عاد يستعمل في أحزابنا الشيوعية. ولكن السؤال يبقى حاضراً: هل نظلم أنفسنا كشيوعيين عندما نعترف بأخطاء ارتكباها أثناء مسيرتنا الطويلة؟ وهل فعلاً الأحزاب الشيوعية، الرسميَّة منها على وجه الخصوص، تحارب فكرة الشيوعية بين صفوف منتسبيها، بمعنى تطرد من صفوفها من لا يتفق مع مواقفها السياسية؟ نعم، أعتقد بأن الأمر كذلك. وهنا أتذكّر مقالين مهمين كتبهما المفكر العراقي هادي العلوي البغدادي ورفضت الصحف العربية نشرهما في حينه، فضمنهما كتابه (المرئي واللا مرئي في الأدب والسياسة) وجاءت الأولى تحت عنوان (شيوعية الأفندية) والثاني بعنوان (الفساد ملَّة واحدة - شيوعيون يُحاربون الشيوعية وإسلاميون يُحاربون الإسلام). وهذا يدفعنا للقول بأن الشيوعي -في ظني- عنده وجدان وضمير وشجاعة وقيم وأخلاق وإيمان. وهو في الأصل "مناضل اجتماعي" لا تحكمه السياسة ولا المقولات السياسية ولا نهج جريدة لسان حال الحزب الشيوعي الذي يعمل في صفوفه، بمعنى لا تحكمه سياسة حزبه التي تكون في بعض الأحيان عرجاء، بل يحكمه الوجدان الذي يدفعه لنصرة الخلق المتعبين من عمال وفلاحين وصغار كسبة وأهل سبيل. هؤلاء وغيرهم هم أصحاب المصلحة الحقيقية في الشيوعية.

وقلتُ سابقاً، وأقول الآن، بأن المتسول على أرصفة الشوارع في المدن المكتظة حين يطالب بحقة من مال الله. يفهم الشيوعية أكثر منا نحن الذين ندعي فهمها. ولينظر كل شيوعي إلى ما آلت إليه أحوال الخلق في هذه السنوات العجاف والذي من المفترض -من كل الشيوعي- أن يكون مع الخلق ضد من يسعى لإذلالهم في معيشتهم.

أنا مع العلامة الجليل هادي العلوي البغدادي في أن "الفلسفة الماركسية هي غير الشيوعية وقد يكون المرء ماركسياً ولا يكون شيوعياً" وهذه الفكر -كما أظن- لا تهضم حق المرء في أن يكون من أهل الشيوعية أو أهل الماركسية. لأن مفهوم الشيوعية أو "المشاعية" أقدم في الزمن من الماركسية. وأهل اليسار على اختلاف مشاربهم يتلقون في النهاية في الوقوف في وجه الحاكم المستبد ويقفون في صفِّ الجماهير الغفيرة من الفقراء المتعبين. وقد لفتت نظري عبارة وردت في مساهمة المفكر والكاتب اليساري الفلسطيني أحمد قطامش في ملف مجلة الآداب البيروتية صيف عام 2010 -أي قبل ثورات الربيع العربي بأشهر- عن هوية اليسار العربي، الأزمة والاقتراحات.

قال:

أعتقد أنّ هويّة اليسار العربيّ ما زالت على حالها؛ فنحن ما زلنا (ضدّ كل اضطهاد قوميّ، أو استغلال طبقيّ، أو دينيّ، أو جنسيّ، وما زلنا نؤمن بأن الاشتراكية والديمقراطية صنوان، وأنّ السلطة هي المسألة المركزية، وأنّ طبقة لا تتعلم حمل السلاح تستحق أن تعامل معاملة العبيد، وأنّ الحزب هو الضمير الجمعيّ للأمة) بهذه المقولات اللينينية تتحدد هويّة اليسار وإلا أصبح "فجل أحمر من الخارج وأبيض من الداخل" وهذه من عبارات لينين أيضاً.

الذي زاد الطين بلَّة أن الرفيق أحمد قطامش وقف بعد ذلك ضدَّ ثورات الربيع العربي والذي حوَّله العسكر بدباباتهم إلى خريف. كذلك فعلت الأحزاب الشيوعية والتي هي ضمير الأمة على حد زعم الرفيق أحمد قطامش-وقفت في صفِّ الحُكَّام الظلمة ضد الخلق والأمة- وأتساءل ماذا قدمت هذه الأحزاب من خلال الشيوعية للخلق المُتعبين غير الكلام فانفضوا من حولها ... لاحول ولا قوة إلا بالله... ما الذي يدفعك لتكون شيوعياً يا رفيق دع الشيوعية لأهلها؟ ... يا رفيق كمشنا حرامي، قلتم اتركه، تركناه، ولكن يا رفيق هو لا يتركنا.