الخنق الرحيم
 

 

"إن موت التعاطف الإنساني، هو أحد أولى العلامات وأكثرها كشفاً لثقافة على حافة الهمجية"
هانا أردنت

تفيد المعلومات والأخبار المتعلقة بالقتل الرحيم تاريخياً، بأن عمليات القتل الرحيم كانت على الأغلب تتم إما بطلبٍ شخصي من المقتول نفسه لإراحته من العذاب الجسدي الذي يعانيه، أو كان بطلبٍ من أهله/ا، وحتى الحالات التي لم تتم فيها العملية بطلبٍ مباشر من الشخص نفسه أو عائلته فكانت تتم بناءً على توصية من الأطباء أو لجنة خاصة بحالة الشخص الذي يستحق تخليصه من بين أنياب الحياة التي تنهش بجسده، كما أن حالات القتل الرحيم عادةً ما تكون فردية، ولم نسمع بأن قرية بكاملها طالبت بالقتل الرحم أو أن ملة بأكملها استعانت بآلية الخنق الرحيم أو دعت إلى الحُكم عليها بـ:"الموت الجيد" وفق المصطلح اليوناني.

والخناق كمرض سمعنا به وقرأنا عنه بأنه طبياً عبارة عن عدوى تسببها بكتيريا الوتدية الخناقية الذي يؤثر على الجهاز التنفسي للشخص، حيث أنه في الحالات الشديدة يمكن أن يؤدي إلى تكوين غشاء سميك رمادي في الحنجرة يؤدي إلى انسداد الممرات الهوائية ويسبب مضاعفات قد تهدِّد الحياة، وحسب الويكيبيديا أن هذا المرض منتشر في الهند ولديهم مستشفيات خاصة بالمصابين بذلك المرض؛ أما الخنق الرحيم فهو مصطلح مستحدث وخاص بالسوريين الذين يتم تضييق الخناق عليهم في الدولة التي يقيمون فيها بشكلٍ مؤقت، ولكن فوق كل ما يتعرضون له فمناسبة أو بدون مناسبة نرى بعض سياسيي ومسؤولي الدولة يمننون السوريين على الحياة المبتورة والمعيشة الخانقة التي يعيشونها، ويدّعون بأنهم كانوا أرحم من الدول العربية فيما يخص موضوع الإيواء، باعتبار أن الدول العربية لم تفتح حدودها أمامهم، بينما تلك الدولة فقد استقبلت عشرات الآلاف منهم، هذا في وقتٍ يرى ناشطون بأن فتح الحدود التركية أمام السوريين جاء لصالح النظام السوري نفسه، وخفَّف الضغط على النظام، وأبعدَ عنه حشود المحتجين، لاعتقادهم بأن السوريين لو بقيوا كلهم في الداخل السوري لتغيير الوضع في سوريا، واضطر النظام حينها إلى تغيير استراتيجيته أو تقديم تنازلاتٍ للشعب الثائر، وفي السياق ذاته جاء في بيان حزب الشعب الجمهوري بخصوص التطورات التي تخص ملف اللاجئين وملف سوريا أن "أردوغان تسبَّب بخراب سوريا وبتحويل تركيا لمستودع لاجئين، وفوق هذا لم يتورع عن استخدام حياة اللاجئين أداة للمساومة مع أوروبا"، وهي الزاوية نفسها التي إشارت إليها صحيفة "ذا غارديان" The Guardian في تحقيقٍ لها نشرته العربية في 19 (مايو) أيار 2020 جاء فيه أن "الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتلاعب بمأساة اللاجئين، وطلبه منهم اختراق الحدود اليونانية كوسيلة ضغط على أوروبا غير عابئ بأنين النساء وصرخات الأطفال".

والرحمة الخانقة تحدث عنها ناشطون في تركيا بحرقة، قائلين بخصوصها: عندما ضرب الزلزال تركيا السنة الماضية، كانت فرق الإنقاذ تكتب على مداخل المنازل عبارة Ses yok دلالة أنه لا يوجد أحد على قيد الحياة في تلك الأبنية، منوهين إلى أن كل السوريين اليوم بتركيا Ses yokأي لا صوت يصدر عنهم، لأنهم يعيشون الخنق الرحيم بكل تفاصيله، وفوقها لا يجرؤون على التعبير عما يعانون منه، خصوصاً بعد ظهور لقطات من ولاية "قيصري" وسط الأناضول، حيث تم إحراق المتاجر والسيارات المملوكة للسوريين بعد مزاعم بأن سورياً تحرش جنسياً بطفلة هي بالأصل سورية وليست تركية، مما أدى هجوم الغوغائيين الأتراك لهروب العائلات السورية واحتمائها بالمساجد، وقد يفهم الأبلهُ بأن الجماعة المهاجمة بشكلٍ همجي على كل ما هو سوري لديهم الغيرة على الطفة السورية أكثر من السوريين أنفسهم، ويعنيهم الشرف السوري أكثر من السوريين، لذا يتمتعون بتخريب ممتلكات السوريين، ويستمتعون بضربهم وإذلالهم حرصاً عليهم ورحمةً بهم ليس إلا! ولشرعنة الوحشية التي مارسوها بحق السوريين رددوا "الله أكبر الله أكبر" أثناء حرقهم لممتلكات السوريين!!

كما أنه قبيل انتقال شرارة الاحتجاجات كرد فعل على ما جرى بحق السوريين في ولاية "قيصري" إلى الداخل السوري والتي أدت لاندلاع اشتباكاتٍ مسلحة أسفرت عن قتل وجرح العشرات في مواجهاتٍ بين مجموعة من المسلحين والأجهزة الأمنية الخاصة بحماية المسؤولين الأتراك في الشمال السوري، ومن ثم انتقال تبعات حرق الأعلام التركية من قبل المحتجين في سورية إلى انطلاق موجة جديدة من الاعتدءات على السوريين وممتلكاتهم في مدن تركية أخرى كأضنة وقونية ونزب، كان ناشطون سوريون قد أطلقوا حملة مناصرة تحت عنوان "سجن كبير" احتجاجاً على انتهــاكات أجهزة الأمن التركية بحق اللاجئين وحملة الترحيل العشوائية التي تستهدف السوريين على الأراضي التركية، ويرى حقوقيون أن جميع مؤسسات الدولة التركية متفقة على ترحيل السوريين بشكل قسري، لافتين إلى أن هنالك تناغم تام بين أجهزة الدولة والمعارضة في هذا الإطار، باعتبار أنه حتى منظمات المجتمع المدني التركية والتي من المفترض أنها تدافع عن حقوق الإنسان، كانت قد أصدرت بيانات تطالب بترحيل السوريين!

والأسوأ من كل ذلك هو أنه بالرغم من الاعتداءات العشوائية الجائرة على السوريين الآمنين في منازلهم في ولاية "قيصري" وقبلها بأعوام في العاصمة أنقرة وولايات أخرى، فبدلاً من أن نسمع بيانات الشجب والاستنكار أو التعاطف مع الضحايا الماكثين في بيوتهم وهم مرعوبين من احتمالية تعرضهم لأي هجوم عنصري، صرّح رئيس حزب الجيد المعارض "مساوات درويش أغلو" حول أحداث ‎قيصري قائلاً: "لقد حذرنا الحكومة عدة مرات لتجنب الوضع الذي حدث في قيصري اليوم، وقلنا إن قضية اللاجئين تشكل تهديدًا وجوديًا للأمن القومي لمستقبل ‎تركيا والأمة التركية، هذه القضية، التي تجاوزت الآن الاحتلال الصامت والمخفي، على وشك أن تتحول إلى تدمير شامل، أنادي أولئك الذين تجاهلوا تحذيراتنا وتعمدوا جلب ملايين ‎اللاجئين عبر حدودنا" فهذا هو موقف الحزب "الجيد" من الاعتداءات الوحشية على السوريين فكيف يا ترى سيكون الحال مع الحزب السيء؟

ولا شك في أن خطاب الكراهية الذي تبثه قوى المعارضة في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب وفي وسائل التواصل الاجتماعي وفي الشارع بشكل عام ضد السوريين، لا تتحمل تبعاته المعارضة وحدها إنما جزء كبير من المسؤولية تقع على عاتق مؤسسات الدولة، باعتبار أن مسؤولي الدولة هم من روّجوا لموضوع صرف الملايين على اللاجئين السوريين من خزينة الدولة، بينما تفيد التقارير بأن الأمر بخلاف ذلك، وأن الدولة لم تصرف عليهم من خزانتها، وإنما العكس هو الصحيح، أي بأنها هي التي استفادت من الأموال المخصصة للاجئين من قبل الدول المانحة شريطة الاحتفاظ بهم على أراضيها، ومسؤولي الدولة للأسف إلى الآن يخفون تلك الحقيقة المتعلقة بالأموال التي تتدفق إلى تركيا من الخارج لتُصرف على اللاجئين السوريين عن المواطن التركي، فيما المعارضة التركية ما تزال تستغل تلك المعلومات المتعلقة بالأموال التي صُرفت على السوريين والتي بثها مسؤولو الحكومة ولم يتراجعوا عنها إلى الآن، ولا وضّحوا حقيقتها للشعب التركي الذي يمر بأزمة اقتصادية خانقة تدفعه إلى اتهام الحكومة بأنها تقتطع من حصة أبنائها وتصرفها على السوريين، بينما واقعياً فعدا عن استثمار الأزمة السورية عسكرياً وأمنياً لصالحها، وعدا عن تحقيق مآربها المتعلقة بأمنها القومي عبر المسلحين السوريين الذين تحولوا من ثوار وطلاب حرية إلى أدوات لتحقيق الأهداف الخاصة بتركيا، فمالياً وسياسياً هي التي استفادت وما تزال تستفيد من السوريين أكثر مما تفيدهم.

ومن كل بد أن رد الفعل السلبي في الداخل السوري لا يتعلق فقط باعتداءات ولاية "قيصري" بما أنه قبيل هجمات "قيصري" قام عناصر من مديريات الهجرة في كل من مدينتي (عنتاب و كلّس) بترحيل المئات من اللاجئين السوريين إلى مناطق الشمال السوري، إذ أن عمليات الترحيل طالت معظم الفئات العمرية والجنسية وقد تمّ توثيق معظمها من قبل المنظمات الحقوقية في ميدان إنتهاكات المواد والفقرات القانونية لنظام الحماية المؤقتة ولحقوق الإنسان، هذا إلى جانب تصريحات كبار مسؤولي الدولة المتعلقة بالتطبيع مع نظام بشار الأسد ووعود من المعارضة بترحيل السوريين خلال فترة وجيزة، إلى جانب استمرار التضييق على السوريين في المدن التركية وإحكام القبضة الأمنية عليهم عدا عن تعرضهم المتواصل للاعتداءات من قبل العنصريين الأتراك من دون أن يحصل السوري كما في كل مرة على أي تعويض مادي أو معنوي، أو محاسبة مَن ارتكب الجرائم بحق السوريين أو معاقبة أولئك المعتدين عليهم أو الذين يقومون كل مرة بتحريض الغوغائيين على الأجانب بوجه عام والسوريين على وجه الخصوص.

حقيقةً ما من ضمانة بعدم تكرار حوادث مماثلة لما جرى في ولاية "قيصري" في مدن تركية أخرى في أوقاتٍ لاحقة، والدليل على ذلك الكلام هو أن مجموعة من العنصريين الأتراك هاجمت بعدها بيومين على منزل يقطنه عمال سوريين في انطاليا، وعندما هربوا من المنزل خوفاً من بطش هؤلاء، إلاّ أن المهاجمون لاحقوهم وتمكنوا من طعن الطفل "حمود الحمدان" البالغ من العمر 17 عاماً الذي فارق الحياة إثر عملية الطعن، كما أن الاعتداءات المماثلة قد تستمر ولا أحد منا يعلم ما إذا كان هو سيغدو الهدف التالي أم غيره، وذلك طالما أن خطاب الكراهية سيظل مستمراً في وسائل الإعلام وخاصةً في وسائل التواصل الاجتماعي، وطالما أنه لم يتم تجريم العنصرية بقوانين واضحة، ولا تم البدء بمحاسبة المحرضين ومروجي خطاب الكراهية، وإذا لم تباشِر الدولة بتلك الإجراءات القانونية قد تستمر الاعتداءات الفردية أو الجماعية على الأجانب عامةً وعلى السوريين بوجهٍ خاص من قبل الغوغائين الذين لا رادع لهم.