بين مونتريال وبيروت ..
عيون من دمع وحب.
وبين قلبي وبيروت ..
أسلاك شائكة ..
سفارات ... وعسس.
هذه ليست بداية وحي شعري، إنه الألم الذي لا يجد بيروتا تسكنه.
في مزنتريال، مدينة العهر المقدس، أجلس في مقهى رصيفي وأسد أذني حتى لا أصاب بالسكتة الدماغية من تعدد اللغات والألوان البشرية، وأطير مع فرح لا أعرف من أين يأتي.
أحاول إقناع روحي المتعبة بأنني جالس في مقهى الويمبي بشارع "الحمرا" في بيروت.
أفلفش أوراق الموسيقا على طاولة واضحة المعالم والحدود، أكثر من خارطة وطني، وأفكر بفبركة مؤامرة ضد صخرة الروشة أو ضد الاكتئاب اليساري، بالكأس، والسيجارة وموسيقا الروح، فأخاف أن يتهمني رجال الدين، المؤمنون وغير المؤمنين، بالزندقة. ثم أخاف أن يكتب أحد الممانعين، لا يهم إن كان قوميا أو يساريا أو إسلاميا، وحتى ممكن أن يكون فلسطينيا، تقريرا "نضاليا" بي إلى أجهزة الأمن الأوروبية والكندية لنيل البركة الرسمية، يتهمني فيه بدعم الإرهاب لكتابتي رسائل حب محرمة لمدينة أعشقها.
أتَلفَّتُ حولي كمجنون يبحث عن منى، الفتاة الجنوبية اللاجئة من بلدة الخيام إلى بيروت، بيروتنا، المدينة التي جمعتنا ذات يوم غريبين، فأضحت لنا حبا أنجب شتلة تبغ وأغنية.
يا بيروت ... أنا من الغاوين.
لو كانت "حبيبتي" معي الآن لاعتذرت عن كل مواعيدي، حتى لو كانت مواعيد تحرير فلسطين.
مضت أعوام وأنا أضاجع المدن تلو المدن، إلا أن مونتريال كزهرة الدحنون، تأتيني ليلا كامرأة بيروتية، فاتحة ذراعيها والشعر منسدل على الكتفين كدوالي قانا الجليل.
لكن قانا الجليل مستحيلة، وبيروت بعيدة ومحاصرة بمليون جلاد وسوط.
يا كأس الفودكا الأكثر دفئا من وطني، ترجل عن قلبي المتعب قليلا لأرتاح.
هل صار لزاما على قلمي أن أكتب رسالة حب إلى جميع أجهزة مخابرات الكون، كي أعطى إذنا لرؤية بيروت من جديد؟.
هل صار لزاما على قلبي أن يخاف الكتابة، أو يشهر حبه لمخيمات اللجوء؟
هل صار لزاما علي أن أصلي لأرزة الرب، وأن أتوضأ بصوت فيروز في السر؟.
أين دماؤنا، أين أحلامنا، أين أطفالنا؟
أيها الآب السماوي أين أنت؟ ألا ترانا نذبح مرتين، مرة بسقوط أحلامنا ومرة بمقتلة بيروت.
أنا الصوت الصارخ في البرية بوجه الله:
إيليا .. إيليا
لَمَّا شبقتني.
* * *
في المقهى البارد، أكتب على الغيم رسائلي، وأرسل السلام لكل من أعرفهم وكل من لا أعرفهم، لكل من أحبهم ولا يحبونني، ولكل من يحبونني وأحبهم، ليعلموا أن بيروت وجع موخز في القلب منذ بدايات القلم، والوتر.
من زيّن بيروت في أحلامه بالورد، والنبيذ، والزعتر الأخضر أكثر مني؟
من أعطى بيروت حبا أعظم من حبي؟
لكم بيروتكم ولي بيروتي.
بيروتكم يا سادة الأمر الواقع، بضجيجها الحضاري المستعار وأحزابها الثورجية من يسار وعروبيون وقوميون وكتائب وقوات، مسرحية بغير نص، بغير مخرجين ولا متفرجين.
بيروتكم يا أولياء الأمر الواقع، صندوق فرجة على كازينو على كاباريهات الزيتونة، على مساجد وكنائس وحسينيات وخلوات ... واشتهاء الفقير رائحة الخبز الطازج.
أما بيروتي أنا، فهي المرأة التي أعشق، قلمي الأول، قيثارتي الأولى، القُبلة الأولى ... والثدي الأول.
كم أشتهي أن أحب هذا الوطن دون أن يغتالني.
كم أحلم بأن أرتاح في بلد واحد، على سرير واحد، على صدر امرأة واحدة، وتحت شجرة لوز واحدة.
مذ كنت في رحم أمي وأنا أبحث عن وطن ولو ممنوع فيه الفودكا والموسيقى والشعر والحب. عن وطن لأحبه، كوجه حبيبتي الأسمر الأجمل من بياض الياسمين. أبحث عن وطن لأحبه كشعر حبيبتي،لأرى قانا الجليل كجديلة طفلة تشرب من عينيها مياه نبع العذراء في الناصرة، أو نبع الدردارة الجنوبي.
من يقبّل عني قانا فأدخله معي ملكوت الآب...
من يسلم لي على بيروت لأتنازل له عن الروح القدس.
أنا هو الجليلي المعمد بمليون مذبحة وصمت، أدير وجهي نحو الفجر صارخا:
قانا الجليل حبيبتي .. وبيروت امرأتي ...
دمع القلب .. وحبات العيون
محاصر أنا بهما .. لكني لا أرفع الراية البيضاء
أنسى وجه أمي ... والحليب الأول... لكنني لا أخون ...
وعلى خشبة صليبي أغني
إيليا .. إيليا ... لمن أسلمت وطني.