|
16 أيلول 1982 ...
كنت مستعدا للموت في سبيل قضية آمنت بها ... حملت السلاح وقمت بواجبي ... لم ينجح
الاسرائيلي في اصابتي حتى بشوكة وردة ...
بعد انكفاء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ... شاركت في الدفاع عن فلسطينيي
المخيمات ضد ابادتهم على يد من كانوا قبل سنوات قليلة يأكلون فتات مائدة الفلسطيني
... شاركت في ايصال الادوية والمؤن الى المحاصرين في مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة
... اقمت الحفلات الغنائية في شوارع بيروت رفضا لحرب الابادة على المخيمات ... وكان
نصيبي طلقة اصابت اليد اليسرى ... وطلقة قريبة من القلب لا تزال ترن على اجهزة
الانذار في كل مطارات العالم... وبعد عدة ايام اعتقل الاشقاء عبيد حاكم لبنان غازي
كنعان والدتي لمدة شهر في سجن عنجر وتم تعذيبها تحقيقا لشعار الوحدة والحرية
والاشتراكية ... ولتأمين عودة المدعو موسى الصدر... أحرقوا منزل العائلة في بيروت
الغربية ... سرقوا اثاث المنزل ... والثياب ... حتى الملابس الداخلية ... سرقوا
مصاغ امي واختي ... أحرقوا جميع الصور والكتب ... ثم فجروا المنزل.
وعاشت القضية على ايدي الانذال حرة عربية ...
آمنا بقضية عادلة ... وكنا نقول عندما نحرر فلسطين سنترك هذا البلد العفن المسمى
لبنان .... وسنطلب الجنسية الفلسطينية من الدولة الفلسطينية التي كنا نناضل من أجل
تحقيقها. فأتت أوسلو واتفاقياتها المذلة وكسرت أحلامنا ...
هاجرنا ... وفي الطائرة من بيروت الى كندا كنت ابكي بصمت ... لم اكن مقتنعا بفكرة
العائلة بأن لبنان انتهى ولا مكان لنا به. كنت لا ازال مؤمنا بأنها غيمة انكسار
عابرة وسينهض المارد الوطني بعدها ...
في كندا قلت لذاتي ... قم بتحصيل علمي جيد وعد الى لبنان لتكمل ما كنت تحلم به ....
وهذا ما حصل ... لكن الغربة عن لبنان جعلتني ارى بوضوح كم كنا مخدوعين بهذا الحلم
...
بدأت بالتفكير بصوت عال ... في المؤتمرات ... في المحاضرات ... في نضالي اليومي
الكندي مع "رفاق" لبنانيين وفلسطينيين وسوريين ... لاكتشف ان البعض منهم يعمل في
اجهزة الدولة الكندية الامنية... وكنت مادة دسمة لتقاريرهم عن النشاطات الاعلامية
والتعبوية والتحريضية التي كنت أقوم بها من أجل فلسطين ولبنان ... لم هذا يا عكروت
يا الله؟ ألست أنت من ابتكر أخوة الدم والبندقية؟ ام أنك تريد أن تثبت لي أننا شعوب
تبيع حتى كلاسين نسائها من أجل المنفعة؟
هم انفسهم يا رفيق الله من كانوا يعملون ويرتزقون من المنظمات الفلسطينية ... قبل
ان تتحول الى شركات تبيع الدم ... وإلى منظمات ارتزاق على اعتاب الانظمة ومن ثم الى
منظمات ان جي او.
هم انفسهم من صدعوا رؤوسنا في بيروت بغضبهم على النظام الامني اللبناني والسوري.
بعد كل تلك السنوات ... هناك سؤال ملح يرعبني ويدفعني الى ترك سريري كل ليلة
واللجوء الى سيكارة الجيتان... معشوقتي الازلية... ماذا سيحدث ان تحررت مزارع شبعا؟
ماذا سيحدث ان تحررت فلسطين؟ هل من ضمانة ان المحررين لن يأكلوا بعضهم؟ هل سيتوقف
بحر الدم؟ هل سيكون هناك مواطنون يؤمنون ان الانتماء للوطن أعلى من الانتماء لعقيدة
او حزب او طائفة او دين؟
كل التساؤلات تؤدي الى اجابة واحدة ووحيدة: كلا.
لا لبنان بقي لبنان ... لا فلسطين بقيت فلسطين ... لا الشعب بقي شعبا ...
يا الله ... يا ملك الملوك ... يا امبراطور الاباطرة ... يا ابو غيمة زرقاء ... أنت
الذي ترى كل شيء ولا نراك ... هل كثير ان نطلب منك ان تبقى الاحتلالات على تلال
جثثنا ودمنا وتاريخنا وقضايانا؟ ربما ...واقول ربما ... يمنع ذلك من ذبح بعضنا
البعض عندما يحررها القوادون والتجار وثوار المخدرات وصناديق الويسكي؟
يا صديقي يا الله ...
أرغب في شكرك لأنك اعطيتهم الانتماء لاحزابهم ومنظماتهم
وعقائدهم وطوائفهم واديانهم الزائلة حتما ... واعطيتني الانتماء لوطن لا يفنى ولا
يزول ... ولو حتى في الحلم.
يا رفيقي يا الله ...
أريد ان انام ... أريد أن احلم باصدقائي الشهداء يبتسمون ...تعبت من رؤيتهم في
احلامي يبكون موتهم.
|
|