جامع الفراشات
 

 

وجودي في الكهون الذي هو حي الكلدان في سان ديغو يمنح شيئاً من البهجة والمسرة في بعض الأحيان خصوصاً السهر مع نخبة من عجائزه المخضرمين.

أمس كنت على موعد مع صديقي اللطيف منصور السناطي والنخبة المنتقاة من شخصيات الحي المخملية بيننا أستاذ الرياضيات ومطرب الحي الوسيم الأنيق وضيف قدم من ألمانيا إعلامي معروف يتسم باللطف والطيبة. كان عدد الحاضرين كبيرا نسبي. لم نكتف بطاولة واحدة حيث توزعنا حول مائدتين كبيرتين ونادلة هي الأخرى كلدانية تسجل طلباتنا.

النادلة كانت ترتدي بنطلون أسود اللون كذلك القميص لونه أسود. جميع رواد النادي من الذكور. حول الموائد توزع الساهرون على شكل مجموعات البعض منهم يلعب الورق وآخر الدومينو. تضايق الضيف القادم من ألمانيا من الصخب وأصوات لاعبي الدومينو مستذكرا نوادي بغداد وباراتها الأنيقة بروادها كانوا شعراء وفنانين وتجار وسياسين متقاعدين وشغيلة فكر مطرودين ومطاردين جائوا من مدن بعيدة متخفين عن أعين المخبرين.

السهرة كانت مع عجائز الحي الشاب فيهم تجاوز الستين عاما بقليل. على يساري جلس المطرب الوسيم الأنيق حازم الذي تجاوز الثمانين بخمسة أعوام شهيته رائعة للحياة والخمرة وصوته من مخمل وحرير.

قلت لنفسي ماذا أفعل في سهرة مع شيوخ جل حديثهم عن عللهم المصابين بها وشكواهم من النسيان وتخشب أجسامهم وقلة النوم؟ هم يرونني كواحد منهم وأنا أراهم شيوخا يركبون القطار الذاهب بلا عودة.

قطاري لم يأت بعد. لم أنتبه لعمري لعلني صرت شيخا كذلك ولم أنتبه بعد. كنت أود أن أخاطب الرجل الجالس لصقي بكلمة عمو لكني في اللحظة الأخيرة صمت. يتحدثون عن العقاقير والمرض وانا لا أتعاط اي نوع منها ولم يصبني مرض. ليس هذا هو المهم, الغريب شعوري شعور فتى في مقتبل العمر يفكر بمستقبله يجلس مع شلة رجال أكلوا الحاضر والماضي والمستقبل أيضا.

هاهم يجلسون كالرواة يتحدث كل واحد منهم عن حياته رواية مفككة تحتاج لراو خصب الخيال.

سألت الضيف القادم من ألمانيا فيما لو جئت بلدكم للعيش فيه بماذا تنصحني أن أبدأ حياةجديدة هناك؟ أجاب تستطيع العمل بزراعة الأشجار والخضار كما يفعل هو أو تربية الدواجن. أحب القطط وأهوى تربيتها والإعتناء بها قلت له. ليس هناك قطط مشردة في ألمانيا والقطط البيتية لها دور عناية خاصة بها ترعاها شركات كبرى هناك. هل أستطيع أن أكون جامع فراشات في ألمانيا؟ تطلع بي مندهشا قال هذه هواية صبي لم يتجاوز عامه العاشر بعد. أخبرته بأنني ذلك الصبي الذي تتحدث عنه.