|
الفصل، فصل بكاء السماء، فصل الصراع من اجل البقاء. الوقت بعد ادان المغرب
بقليل.غابت الشمس من خلف الغيوم الداكنة وغاب معها ما تبقى من دفئ.انسل القر دون
استئذان الى البيت والى الغرفة التي تؤم الام و الطفلين. ليلة من ليالي ديسمبر
الباردة تعلن عن نفسها، مع اول قطرة مطر سقطت عمدا من السماء.بدأ المطر ينهمر غزيرا،
تلاه صوت الريح الصرصر العاتية، ريح تعوي، صوتها يفزع قلبي الطفلين الصغيرين يظناه
صوت الذئب في قصة ليلى..
جسمين صغيرين نحيفين يرتعدان من شدة القر والبرد والخوف. أسنانهما تصطك في ايقاع
سريع. اليدان والرجلان تكاد تتجمد من فرط القر. الام منهمكة في محاولة ايقاد النار
لتطرد هذا العدو الغاشم الذي احتل الغرفة فجاة وعنوة،و يحاول ان يجمد صغيريها
ليحيلهما جتتين هامدتين. قليل من الهشيم،كانت تحتفظ به لمثل هذه اللحظة، ورق ازرق
انتزعته بقوة من "قالب" سكر.
اشعلت عود ثقاب سرعان ما أطفأته الريح، وكانها تصارع وتمنعها من ايقاد النار ليسهل
لها الاجهاز على الاسرة الفقيرة. اعادت الكرة هذه المرة مع ما تبقى من شمعة قديمة،
بالشمعة اشعلت النار في الورق الازرق ثم وضعته وسط الهشيم.
تصاعد دخان ازرق في الغرفة، سارعت الام بوضع قليل من اغصان الأشجار الجافة، اشتعلت
النار بها بسرعة كبيرة والتهمتها، سارعت الام بوضع ما تبقى لديها من فحم على النار،
صبت قليلا من الزيت فوق الفحم، جن جنون النار، وبدات في التهام الفحم في محاولة
لتحويله الى جمر احمر.
بدأ الدفء يدب في كل ارجاء الغرفة. انسل العدو منهزما منكسرا، سكتت اسنان الطفلين
وعاد الفمين والاسنان الى وضعهم الطبيعي. الاجسام الثلاثة بدأت تستعيد حيويتها
ولونها. مدت الايادي الستة نحو النار طلبا للدفء والحماية. وخز طفيف في مقدمة
الاصابع وكان العدو يحاول الهرب والبحث عن فريسة بديلة.
تحول الفحم الى جمرات شديدة الاحمرار وسط "المجمر". وضعت الام ابريق شاي على الجمر
ورغيف خبز ـ قلبته على الجمر ذات اليمين وذات الشمال. بعد مدة قصيرة وزعت الام
الخبز المحمر على الجمر وكؤوس الشاي الساخن على طفليها دون ان تنسى نصيبها من
الوليمة، الشاي و الخبز المحمر وقليل من زيت الزيتون تكفلوا بطرد الجوع والبرد من
الاجساد الثلاثة.
بعد وجبة العشاء انتقلت الام وطفليها الى فراش النوم. استلقت الام على ظهرها ...
وضعت المجمر بين رجلهيا... استلقى الطفلان قرب الام. اختارت البنت الجانب الايمن
والولد اختار الجانب الايسر. رجلا الام على شكل قوسين يسمحان للدفء ان يمر الى
الفراش والاغطية ويسمح للطفلين ان يضعا رجليهما على رجلي الام طلبا للدفء.
طلبت البنت من الام ان تحكي لها حكاية الشاب الفقير وبنت السلطان.
- كان يا ما كان في قديم الزمان. كان الزحاف ينقز الحيطان، وكان العمى يخيط الكتان
...
نامت الطفلة، نام الطفل، بعدهما غفت الام ثم نامت...
الساعة قاربت الواحدة زوالا.... الارواح الثلاثة ترفرف في الحي وتنظر الى جمهور
الجيران المتحلق حول باب الاسرة الفقيرة.
|
|