|
التقيتُ به في أحد البيوت العربية المهجورة، يسمّونها خرابة. لستُ أدري لمَ يهجر
الناس هذه الأماكن؟ إنها الجنة بالنسبة لنا، فنحن لا ننتظر حتى نموت لنعيش في
الجنة. المكان قريبٌ من المنزل الذي أعيش فيه، يكفي أن أعبر الشارع وأدخل في زقاقٍ
قديم، لأعود في الزمن مئة عام إلى الوراء. كلُّ صباحٍ أستيقظ فيه باكراً أشعر به
أجملَ يومٍ في حياتي، فتتملكني رغبةٌ قوية في المضي إلى ذلك المكان حيث أجد فيه
نفسي.
عندما قفز من سطح العليَّة الفوقانية نحو الجَمَلون، فوجئ بوجودي مستلقيةً أعتني
بجسمي في ظل شجرة تينٍ معمرةٍ وأغصانها متداخلة في الجدران المتهالكة. توقفَ برهةً،
تبادلنا نظراتٍ مستغرِبة، كلٌّ منا يستبين الآخر، ثم تابع طريقه يمشي موازناً
جسده على الجملون المقنطَر، متناسياً وجودي في أرض الديار.
تسلل من بين أوراق تعريشة العنب، نزل إلى صحن الدرج وراح يراقبني من بين قضبان
"الدرابزون" التي غطتها شجرة الياسمين. كلما نزل بضع درجات يتوقف قليلاً ليسرق
نظرةً من بين أوراق الياسمين، فتخجل عينه من عيني وأنا أراقبه يتابع نزوله نحو أرض
الديار. مرّ بجانبي متجاهلاً وجودي قربه، دار دورةً حول حلقة البئر، ثم قفز فوقها
وراح يلعب بالدلو المعلّق إلى حبلٍ فوق الفوهة، كنت أدرك أنه يحاول استثارتي لأقترب
منه وألعب معه، لكنني أغمضت عينيّ غير مكترثةٍ بوجوده. حاولَ هو أن يخلق ضوضاء حولي
ليشد انتباهي، فتابعت لا مبالاتي.. ومع أنني كنت أغمض عينيّ لأسترخي وأضع رأسي فوق
مرفقي متوسدةً ذراعي، إلا أنني كنت متيقظةً في داخلي من خشيتي عليه أن يقع في
البئر! ألا يقولون عنا بأننا نتمنّع ونحن الراغبات؟ لم أستطع أن أقاوم كثيراً، فتحت
عينيّ وتسلقت شجرة التين، ليفهم هو عليّ على الفور ويلحقني إلى الشجرة.
كان ذلك أول لقاءٍ لي به، بعدها تعودنا أن نلتقي في نفس المكان يومياً. صرتُ أغيب
عن المنزل لألقاه في الخرابة. في البداية كان أصحاب المنزل يفتقدونني، أما الآن فقد
تعودوا غيابي ليومٍ أو ليومين. في الخرابة، نعيش اللحظة فنحسها كل دنيانا، نصغي إلى
السكون ونأخذ وقتنا بالاسترخاء في أرض الديار، حيث الظل ظلٌ والشمس شمس. إذا جعنا
نقتنص بعض الحيوانات لنأكل، فما نزال نحب أن نعيش على الصيد. ومع أن في منزل كلٍ
منا طعامٌ لذيذ، لكن بعضه معلّب، وبعضه بدأنا نشتمّ رائحة كيمياءٍ تفوح منه. وأن
تكثر من الطعام المعلّب، يعني أنك قد تجد نفسك يوماً داخل العلبة.
أحياناً ترانا خرجنا عن هدوئنا، يلحقني فأهرب منه لألجأ إلى المخابئ وما أكثرها،
أما إذا ما تمكَّن مني والتقطني، عندها تقوم الدنيا ولا تقعد، فنحوّل الخرابة إلى
خرابه. نحن لا نخجل من اللعب وبقية متع الحياة، فلا يهمنا ما يقال عنا، ولا نفاخر
بما نملك وما نأكل، فلا نحب أن نمتلك أشياء تقيدنا. مازلنا نعيش على سجيتنا، نأكل
عندما نجوع ونستريح عندما نتعب، هكذا. دون أي تنظيمٍ لأوقاتنا. أصلاً ليس عندنا
شيءٌ اسمه وقت، الشمس وحدها تُمنطِق منطقنا، والعبث يحكم حياتنا. جميلٌ ذلك
الاختراع الذي يسمونه الأخلاق، قد يضمن السلم في حياة البشر، لكن ألم يحن الوقت بعد
لأن يتوصلوا إلى صيغةٍ تجمعهم؟ لقد صارت الأخلاق غايتهم، ومصدر الكثير من حروبهم
ونزاعاتهم. حدْسي يطمئنني أنهم سيتفقون يوماً على دستورٍ واحدٍ يوفِّق بينهم.
سيكتشفون حينها أن ما سعوا قروناً لتحقيقه مشابهٌ لما يعيبوننا عليه اليوم! ألا
يقولون عن لقاء الذكر بالأنثى أنه عمل حيواني، فيمارسونه في خباياهم؟ إننا في نظرهم
شهوانيون، لا نعي ما نفعل، لكنهم لو تذوقوا طعم الحياة مثلما نعيش لما رغبوا العودة
إلى وعيهم. نحن لا ننتظر حتى تكتمل عقولنا وتُملأ جيوبنا لنتزوج، تكون حينها هرمت
أجسادنا وفقدنا ذروة شهوتنا، لنكون جدوداً لأبنائنا، فأبناؤنا يحتاجون لشبابنا أكثر
مما يحتاجون عقولنا. أبَعد كل هذه الاختراعات والسيارات التي يزهقون بها أرواحنا،
مازالوا يفخرون باختراعهم عقد زواجٍ يعقّد زواجهم؟!
أنا وصديقي يعيش كلٌ منا في منزلٍ عند أسرةٍ ترعاه، وعندما نريد أن نلتقي لا يوجد
ما يمنعنا، فنذهب إلى الخرابة لنعيش الحياة كما تحلو لنا. يسمّونه زواج المسيار،
ومع أنهم يعتزّون بإدراكهم، لكن فليسمحوا لنا فقد انتظروا طويلاً قبل أن يكتشفوه.
نحن، معشرَ القطط، ليس عندنا قطٌ عانسٌ، أو قط يؤجِّل زواجه فيزاول الحب مع جسده!
الزواج عندنا ميسورٌ وبسيط، لا يتطلب أكثر من مكانٍ هادئٍ نلتقي فيه لنعيش عالمنا
كما يحلو لنا، مكاناً بعيداً عن صخب الحياة في المدينة وأعراضها. والآن، أنا وصديقي
ننتظر شباط القادم لنعلن زواجنا على الملأ، والعُقبى لكم.
|
|
| لطفا إشترك في الصفحات التالية |