الطفل الذي قتل الله ثم مات


راوند دلعو
سورية


 

القصة

مجلة الكاتب :: راوند دلعو

 

من رحم الحرب، وفي عز أتونها، بل من تجاويف ظلماتها وأشباح سجونها .... وُلد المجرم الصغير وسيم زكّور ... ذلك الطفل السوري الذي قتل الله عمداً وعن سابق إصرار وترصد !

ذلك الطفل الذي ساقته أقداره اللعينة ليَصلى حَارَّ الحرب ونارها، في أحلك بقعة زمكانيّة في التاريخ البشري الحديث ... تباً له! سيقتُلُ الله عمّا قليل !

هنا سوريا ... هنا الجحيم ... هنا حيث سيموت الله في بضعة أيام! هنا وحشية حرب عام 2011 التي تلتهم الجميع بما فيهم السلاح والحجر والشجر والمدر والبشر .... بل تكاد تتخطَّف من السماء ذلك القمر ... !

وإليكم تفاصيل القصة:

في عائلة صغيرة لا ناقة لها بهذه الحرب ولا جمل، ثم في غفلة من زمن ساقط ... سقطت قذيفة اللؤم في ديار صغير .... فهربت شظاياها بعائلة الطفل وسيم زكور إلى ما وراء الكون، هربت بها على أجنحة من ملائكة الأبد إلى أبد الأبد ...

هنالك في كبد السماء حيث نامت العائلة نومة السرمد تاركة وراءها طفلاً يتيماً يدعى وسيم، يذوي كالوردة في عراء الحرب .... مضغةً من لحم يتيم ترتعش ما بين خطابات القذائف وهتافات الرصاص ومراسلات الصواريخ .... بقيَّةَ روحٍ من ماء ودم ودمع تتناهشها ضوضاء الألم وسكاكين الرصاص ...

رغم أنه كان اللون الوحيد بين حوارات الأسلحة تلك ... والوميض الوحيد بين أشباح العتمة هناك .... إلا أن ذلك لم يكن ليشفع له عند زعماء الحرب ولصوص الأرواح وتجار الديانات والمذاهب !!!

ها هو و قد استفاق وحيداً ما بين ميمنة من دم و ميسرة من هدم ...
يصرخ أبي ...
يصرخ أمي ...
يصرخ إخوتي ...
فلا أحد يرد ...

لا أحد ... لا أحد !!! اللهم إلا مارجاً من نار يتلوّى التهاباً في زوايا المكان وهدير رصاص يزمجر احتراقاً بدقائق الزمان ...

غبار
غبار
غبار في كل مكان !

يصرخ بالآه والأوّاه .... فلا يجيبه إلا أزيز الجوع وصرير البرد وعويل الجروح ... وذكرى البابا والماما ... اللذان اختفيا إلى الأبد ...

أبي أين أنت؟ ... أمي أين انتِ !

لم يجد من آثار لحوم أهله المشوية تحت نار القذيفة إلا كيس (زبالة) أسود من الحجم الكبير ... وحذاءاً لأبيه يكبر قدمه الصغيرة بعدة مقاسات .... كانا ميراثه الضخم وتركته المترفة من بقايا حطام بيت أبيه.

وبعد أيام من براثن الوحدة وسكاكين الخوف الذي يُقطِّع الجَوف ... نهشه الجوع نهشة شبه قاضية شلت قواه ... ثم لاحقته أنياب الدخان تخلب غضاضته بالاختناق ... فأنزل قدمه الصغيرة التي تشرِّفُ جباه زعماء العالم و تكبرهم قدراً  في حذاء أبيه، ليداري به جلد أسفل قدميه الطري الذي لم يكد ليتخلق بعد ... !

ثم مشى بين الركام وصوت اصطكاك حذائه بالأرض ينادي الله دون أن يجيب، ويلعن الإنسانية جيئة وذهاباً .... ها هو يبحث عن أبيه وأمه وذكريات إخوته .... فلم يجد من لحومهم إلا روائح شوائها ... ومن ذكرياتهم إلا ذكرياتها .... لقد يئسَ منه قدره ... فانطلق يبحث عن الطعام بين نفايات المزابل قرب أطلال بيته الهدم وحَيِّه الرّدم ...

وبعد طول بحث بين المزابل حاصر شبح الوهن عظامه الطرية ... ومزق الغبار عينيه العسليتين، ثم خنقه العطش وجنزرته الوحدة بسلاسلها ...

أبي أين أنت؟ أمي أين أنتي؟ أين إخوتي؟ أين ذهبتم جميعاً !

ولا أحد ... لا أحد ...

لا أحد يشعر بطفولته التي صادرها زعماء العالم بتواقيعهم على اتفاقيات النفط والغاز والمال والسلاح ... والتي أدت إلى إلقائه وأهله خارج أسوار المدنيّة ... طعاماً لبركان الحرب التي أججتها الطائفية والإرهاب وبرك النفط والإيديولوجيات الإقصائية التي اجتاحت سوريا من شمالها إلى جنوبها ...

ها هو يدفع الثمن .... ثمن التطرف والجهل وإرواء (أنا) الوحوش الكاسرة التي تحكم الكوكب ... ها هو يدفع ثمن جهود مُبَشِّري الأديان ومؤسسي العرقيات ومهندسي الموزاييك الطائفي المتناحر في المنطقة ...

ها هو يدفع ثمن اختلافنا حول الله وصفات الله وتمذهبنا و تكفيرنا لبعضنا واختراعنا للأديان !!

ها هو يُلقى على قارعة طريق (الوطن) .... لا كبائعة الكبريت في الأدب العالمي بل كالكبريت نفسه، إذ يشتعل احتراقاً بالخوف ثم يحترق اشتعالاً بالجوع ....

ها هو وقد استلقى مغشياً عليه بعد أن أنهكه اليتم والجوع ... ها هو وقد ابتلعه ظلام الغوغاء .... وافترسته غياهب الوحدة .... ظلمات بعضها فوق بعض ...

فخطب بزعماء العالم خطبته الأخيرة قائلاً بنبرة طفولية شاحبة:

"أوقفوا المَدافع والحروب والرصاص ... أريد حضن أمي ... تباً لنفطكم وأموالكم وأديانكم وطوائفكم وأنبيائكم وآلهتكم ... أريد حليبي الذي صادرتموه من ثدي أمي ب (زعرنتكم).... أريد دفتر العلوم الذي اجتثثتم أسطره بأسلحتكم ... أريد مقعد دراستي الذي حطمتموه بنزاعاتكم .... أريد نور عينيّ الذي أطفأتموه بتكفيركم لبعض ...

أنا لست سنياً لأموت بقذيفة شيعية ... ولست شيعياً لأموت بسيف الجهاد والإرهاب ... ولست برجوازيا لأموت بلغم شيوعي ... كما أنني لست ماركسياً لأموت بال F16 الإمبريالية ...

أنا طفل وكفى ... والصلاة على المصطفى .... !

أريد دباديبي ولعبي ... وماما ماما يا أنغاما ... أريد صفاً ومعلماً كي أثرثر لأزعجه فيأمرني بالوقوف جزاءً لثرثرتي ومشاكستي .... أريد مدرسة كي أهرب منها لأشتري الحلوى من عند أقرب مخبز ... وأطارد القطط ما بين الحارات ...

لا تهمني الولاية اللعينة إن كانت لعلي أم لأبي بكر أم لأبي لهب ... أم لماوكلي ... فمحمد كله لا يهمني ...

ولا تهمني خلافة محمد التي تتصارعون عليها ما بين سنة و شيعة إن كانت لجيفارا أم للبغدادي ... أم لشيرخان !

ولا يهمني ربكم الذي تقتتلون من أجله إن كان سنياً أم علوياً أم شيعياً أم مسيحياً .... ولا يهمني محمدكم و لا يسوعكم ... فأنا لا أكترث لفلسفاتكم ولا لتوحيد الأسماء والصفات ...
ولا الشرك الخفي .... ولا حادثة صلب المسيح ولا فقه الولاء والبراء ... ولا سخافات ماركس وأنجلز وهيغل ولا فتاوى ابن تيمية ولا خزعبلات بولس الرسول ولا يهمني ما جاء في التلمود ...

لم أزنِ بمحصنة حتى أستحق كل هذا الرجم ... !

لست قاطع طريق حتى أستحق كل هذا الصلب والتقطيع من خلاف ...

أنا ما اقتربت من ينابيع نفطكم التي تقتتلون عليها في دير الزور والرقة .... و لم أحلق لحيتي فسقاً كي يقام علي حد ابن حنبل ... إذ لا لحية لدي بعد ... ولا عانة كي أكلف ...
ولم أقتل الحسين حتى تحملوني وزر دمه ....ولا سبيت زينب .... لا مرة و لا مرتين ... !

لم أكسر صليباً لا عمداً ولا بالخطأ .... ولا أعرف كيفية قراءة القرآن حتى أُتَّهم بالطعن فيه !

كل ما أعرفه من هذه الدنيا هو عبارة عن دولة صغيرة من لعبي و(البلاي ستيشن) الذي اشتراه لي أبي السنة الماضية كمكافأة على حصولي على علامة 10 من 10 في الرياضيات ..... وريمي بندلي .... نعم أعرف ريمي جيداً وأحفظ أغانيها (غسل وشك يا قمر) (عطونا الطفولة) .....

كل ما أعرفه عن هذه الدنيا هو وطن صغير من ضحكات أهلي الذين قتلتموهم ... وطريق قصير إلى رأس حارتنا حيث أشتري لوح الشوكلاتة من عند صافي البقال ...

ردوا لي طفولتي .... أعيدوا لي وجودي !"


وبعد أن انتهى وسيم من خطابه السابق في حضرة زعماء الكوكب اللامبالين ... عم الصمت المكان ... وألقيت الرهبة في قلوب الزعماء، فبلع كل زعيم ريقه من الخوف ... فجسد وسيم يتكلم وهو على وشك أن يقتل الله !

نزل وسيم عن المنصة بعد أن أنهى خطابه .... ثم استسلم وحيداً هادئاً جداً على رصيف من أرصفة سوريا المهترئة، بعد أن ركَّعهُ الجوع وبطحه البرد ليهزمه الألم بالضربة القاضية ...

إلى أن ارتفعت سكين العطش في السماء ليعمي بريقها عيون الله في السماء ... ثم وييييييي .... لِتَهوي على رقبة وسيم الصغيرة الطرية ، فتذبَحَهُ ذبحةً أخيرة أطفأت عينيه إلى الأبد ....

وعند هذه اللحظة المفصلية في تاريخ الكون، يصرخ الملأ الأعلى بكل نجومه وكواكبه وملائكته وجبروته :

مات وسيم زكّور ...
مات وسيم زكّور ...
مات وسيم زكّور !

وكأني بنجوم وكواكب الكون عدسات تراقب خروج الروح من الجسد الصغير ...

مات وسيم وسيماً على قارعة الرصيف السوري متلحفاً ميراثه الضخم الذي ورثه عن أبيه، ميراثه المكون من كيس الزبالة الأسود ... وحذاء أبيه، ذلك الحذاء الذي يكبر مقاس قدمه الصغيرة بأضعاف مضاعفة ... إنه الذكرى الوحيدة التي بقيت من أطلال بيت أبيه الذي اختفى ... يا لها من تركة ضخمة مترفة !

مات وسيم ونمرة حذائه الفضفاض تكبر مقاس قدمه الصغيرة بأربعة أضعاف ... مات ونمرة حذائه تكبر مقاس كوكبنا الإجرامي القذر بأربعة أضعاف !

مات ثم تحلَّل جثمانه الطاهر على الرصيف في سوريا دون أن يجد من يقدس التراب بمواراته فيه ...

مات وسيم وحيداً على الرصيف والريح تلعننا إذ تصفر بتجاويف جمجمته التي أكلها الدود فوق الأرض ...

مات وأزيز ارتجاف لحمه الطري تحت وطأة البرد يطعن كرامتنا ويحاكم وجوديتنا ويلعن واقعنا وفلاسفتنا وكهنتنا ومُنَظِّرينا وصانعي أيديولوجياتنا وسياسيينا.

مات وجسده الصغير يصرخ ويقول ... فلتأكلني القطط والكلاب ... أشرف لي من أن تواريني أكف جنسكم البشري الآثم ...

مات وسيم زكور ثم نهش جثمانه الكلاب ... دون أن يجرُأَ على دفنه أحد ...

رحل عن عالمنا ولم يترك إلا كيس زبالة من المقاس الكبير وحذاءً أسوداً بلا نعل ولا مسامير.

الحق_الحق_أقول_لكم ....

لم يمت وسيم زكور ...

بل مات الله يوم مات وسيم !!!

أترك مداخلة

Message

شكرا لمداخلتك
سوف يتم نشرها أسفل مادة الكاتب