الأدب المقارن من السوري أمجد الطرابلسي إلى الدكتورة نورة لغزاري
 

 

منذ ظهور الأدب المقارن وهو يرتبط بالتوجيه التعليمي. فالدرس ولد في أحضان الجامعة الفرنسية (1) وتقدّم في الجامعتين الأمريكية والسوفيتية (2). ولازمها في نشأته وتقدمه وانتشاره، حتى وصل مختلف جامعات العالم ومنها العربية المشرقية والمغاربية وبلدان أخرى بدرجات متفاوتة (3). أتى أساسا عن طريق البعثات الطلابية في بريطانيا وفرنسا خلال ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين وولج الجامعات العربية مشرقيا ومغاربيا.

الجامعات المشرقية - مصر، العراق، لبنان، الكويت :
عرفت هذه المرحلة أسماء أحمد خاكي، مهدي علّام عطية عامر، حسام الخطيب، محمد غنيمي هلال، صفاء خلوصي. يُميز عطية عامر بين مسارين أساسيّين، من تطور الدرس المقارن في مصر، الأول عُني بدراسة لغات أجنبية في الثلاثينات، أما الثاني فتُوج بقرار دراسة الآداب الأجنبية والأدب العربي المقارن خلال الأربعينيات. تبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الأدب المقارن عندما قرر المجلس الأعلى لدار العلوم سنة 1943، أن يصبح الأدب المقارن مادة جامعية مستقلة، ولكن لم يقرر هذا المجلس إنشاء قسم خاص بالأدب المقارن، وإنما اعتُمد كفرع من قسم سمي “النقد والبلاغة والأدب المقارن ” (4(

تنتهي مراحل تأسيس الأدب المقارن في مصر بما يمكن أن نطلق عليه مرحلة المتخصصين، وتبدأ هذه المرحلة في الخمسينات، عندما بدأ الذين تخصصوا في الأدب المقارن بباريس في الرجوع إلى مصر، والتحقوا بالجامعات المصرية للتدريس منهم محمد غنيمي هلال وحسن النوتي، تلميذا الدرس المقارن الفرنسي، إضافة إلى عطية عامر وأنور لوقا.
في جامعة بغداد بالعراق تولى صفاء خلوصي التدريس، وكان يقارن في محاضراته بين الأدبين العربي والإنجليزي، ويجعل من الترجمة مجالا تطبيقيا. أما في لبنان فقد تولى مهمة التدريس كلٌّ من ريمون طحان وطه ندا. وفي سوريا كان هناك حسام الخطيب، كما نظمت جامعة دمشق الملتقى الثاني للرابطة العربية للأدب المقارن سنة 1986. وعرفت جامعة الكويت الأدب المقارن من خلال الدكتور شوقي السكري، وقد تطور هذا الدرس بالكويت إلى أن أصبحت تنظم المؤتمر الدولي للأدب المقارن (5(

الجامعات المغاربية - تونس، الجزائر، المغرب :
بدأ الأدب المقارن يأخذ مكانه في المغرب متأخرا، وذلك سنة 1963، نظرا لحداثة الجامعة المغربية، وارتبط باسم السوري "أمجد الطرابلسي" الذي ربط الدراسات المقارنة بالمنظور التاريخي للمدرسة الفرنسية، وقد تفرد الأخير بتدريس المادة لمدة طويلة –حوالي العقدين- وهو يعتبر أن المغرب أقرب البلدان العربية إلى أروبا متّعه خلال تاريخه بأن يحتل مكانة خاصة تلتقي فيه الثقافات العربية الإسلامية بالثقافات العالمية (6(

اقترح محمد عزيز الحبابي عميد كلية آداب الرباط 1962، على أمجد الطرابلسي القيام بتدريس وحدة الأدب المقارن في قسم اللغة العربية، وكان إقبال الطلبة مشجعا كما كان يزداد، كما تدل على ذلك سجلات الكلية. أما في تونس فقد درس الأدب المقارن بكلية آداب العاصمة، انطلاقا من أكتوبر 1972، وبالمدرسة العليا للأساتذة 1974، وقام أساتذة اللغات الفرنسية، الإنجليزية، والعربية في التدريس حيث قدم المنجي الشملي محاضراته حول موضوع مشاكل الأدب العام والمقارن، ودرّس أيضا مادة العرب والفكر الأوروبي. وفي الجزائر أسّس جمال الدين بن الشيخ مجلة الدفاتر الجزائرية للأدب المقارن سنة 1967، وعقدت الرابطة العربية للأدب المقارن ملتقاها الأول بجامعة عنّابة سنة 1984 (7(

الأدب المقارن في المغرب من كتابات نقدية متفرقة إلى درس أكاديمي جامعي: كان أمجد الطرابلسي يطمح إلى إحداث معهد عالٍ، يكون ملتقى لجميع المهتمين على الصعيد العالمي والدولي في الأدب المقارن، ويقوم بدور الحافز والمنسق لجميع الجهود التي تبذل بين الكليات المغربية كما هو عليه الشأن في جميع الجامعات العالمية، وإنشاء خزانة خاصة بالأدب المقارن، لتكون مرجعا للمهتمين. وقد أشرف على تدريس هذا التخصص في جامعة محمد الخامس خلال الستينات والسبعينات (8(.

في مرحلة الثمانينات سيستمر الدرس المقارن في الجامعة المغربية في الرباط وفاس بفضل فريق من الأساتذة في مقدمتهم سعيد علوش وحسن المنيعي ومحمد أبو طالب. من خلال المحاور التالية: محور مناهج الدرس من خلال مدارسه الفرنسية والأمريكية والسلافية والعربية للتعريف بمختلف النظريات المقارنة، ومحور مكونات الحداثة في الأدب العربي للبحث في تاريخ الأفكار، ومحور التأثيرات الثقافية في الأنواع الأدبية، ومحور صورة العرب في المسرح الغربي (9(.

ومن الواضح أن الدراسة كانت تتوخى تقديم تصورات الباحثين العرب والأجانب من خلال مستويين؛ بسيطٌ يتتبع مصطلح المقارنة ودوره في فهم الظاهرة الأدبية، مركبٌ يقدم المقارنة كعنصر من عناصر هرمنوتيك النثر الأدبي.

سوف يتقدّم الدرس المقارن في الجامعة المغربية بعد إحداث وحدات للدراسات العليا في بعض الكليات، وعلى رأسها كلية آداب الرباط التي سيتأسس بها مسار للتكوين والبحث تابع لشعبة اللغة العربية وآدابها يحمل اسم (ماستر الأدب العام والنقد المقارن) سنة 2006(10). من قبل الأستاذ سعيد علوش ونخبة من أساتذة الكلية ينتمون لمختلف الشعب والتخصصات، وما يزال هذا الماستر يساهم في تكوين دفعات من الطلّاب تحت إشراف ثلة لامعة من الأساتذة والأستاذات منهم نورة لغزاري كأستاذة زائرة من جامعة ابن طفيل، وفاتحة الطايب التي تولت مهمة التنسيق بهذا القسم بعد تقاعد البروفيسور سعيد علوش سنة 2010، وهو الحائز على جائزة عالمية عن أطروحته 《مكونات الأدب المقارن في الوطن العربي》 عام 1999 بالمملكة العربية السعودية، وهي جائزة الملك فيصل.

يسعى هذا الماستر(11) الفريد في الجامعة المغربية إلى إرساء دعائم تكوين نسقي يرسّخ توجهات الدرس المقارن المعاصرة إلى عبور حدود اللغات والآداب والأنواع والثقافات، في سياق مثاقفة عالمية إيجابية تؤكد على الانفتاح والتلاقي، دون إغفال العمل على تأصيل الكيان. ذلك من خلال أربعة فصول بيداغوجية حيث يقوم الأساتذة المكونون بتدريس هذا التخصص عبر اعتماد مواد فكرية متنوعة تستحضر تيمة المقترنة، كمناهج الأدب العام والمقارن، الدراسات الثقافية، نظريات الآداب والأجناس، تمثلات شرقية وغربية، الآداب المغربية باللغات الوطنية، نصوص ولغات أجنبية، تاريخ الأفكار، المقدس في الأدب ودراسة النوع، الاستشراق والاستغراب، دراسات الآداب الموازية: الحكاية الشعبية والشعر الشفوي، نصوص ولغات أجنبية، النظريات الأدبية ما بعد الكولونيالية، التراث العربي والتثاقف، الأدب العالمي: الآداب الفرانكفونية شمال وجنوب الصحراء، الأدب والفن، سينما وتشكيل، الدراسات المسرحية : من النص الى الفرجة، الآداب الموازية: المتخيل السياحي والرحلي. ويُختتم هذا المسار التكويني الأكاديمي بإعداد الطلاب رسائل بحثية جامعية تتماشى وإطار الأهداف البيداغوجية العامة للماستر.

لقد وُلد الأدب المقارن في الجامعة وانطلق منها وما يزال يرتبط بها، ومع أنه درس أدبي جامعي إلا أنه لم يبق رهينا بالباحث الجامعي فحسب، بل تعدى حدود ذلك إلى الخروج بالدارس من دائرة الثقافة الواحدة إلى التلاقي بالثقافات العالمية، وليهتم بالعلاقات الأدبية والفكرية والثقافية التي تتجاوز الحدود الجغرافية. الأدب المقارن جزء من الأدب العالمي، يمثل رؤية انفتاحيةً على الآخرِ: القريب والبعيد، الأوروبي والعربي، الإفريقي والآسيوي، الأوقيانوسي واللاتيني... وعلى مختلف شعوب الأرض باختلاف لغاتهم وأعراقهم وبيئات نشأتهم.

مراجع وهوامش:
دانييل هنري باجو، الأدب العام والمقارن. ترجمة غسان السيد، منشورات اتحاد كتاب العرب، ط 1، دمشق 1998. ص 12 .
رينيه ويليك & أوستن وارن، نظرية الأدب. ترجمة عادل سلامة، دار المريخ للنشر، ط 1، الرياض 1992. ص 66.
سعيد علوش، مكونات الأدب المقارن في الوطن العربي. الشركة العالمية للكتاب، ط 1، الدار البيضاء 1986. ص 18 وما بعدها.
محمد غنيمي هلال، دور الأدب المقارن في توجيه دراسات الأدب العربي المعاصر. دار نهضة مصر، ط 1، القاهرة 1992. ص 41.
سعيد علوش، مرجع سابق 66.
نفسه، ص 123.
نفسه.
نفسه، ص 164
نفسه.