|
أمام دهشتي تكرّرت حادثة وصف بعض أصدقائي لي بأنني "مسيحي"، باختصار شديد وكل
ثقة كأنهم يعرفونني أكثر منّي. ومرّة - من زمان- أوضحت لأحد أصدقائي من أصحاب هذا
الرأي أنني أبعدُ ما يكون عن هذه الصفة سواء بأفكاري أو سلوكي. وعندما لاحظت أنه لم
يصدقني قلت له اصفعني بقوة الٱن وسترى على الفور أنني لم أعد أحبك وتغيرت أخلاقي
تماماً. كما يُحتمل أن أردّ لك الصفعة اثنتين وثلاثاً.
كان رأيه أن ردّ فعلي عند ذلك سيكون طبيعياً. وكان بإمكاني الخوض معه في قضية أنه
ردّ فعل طبيعي حقاً ولكن غير مسيحي مطلقاً، وما هكذا يتصرف يسوع وإخوته. وهذا مَثَلٌ
بسيطً عن لا مسيحيتي.
لا شك تعلم بأنني لا أنظر إلى النساء، الجميلات خصوصاً، بعيون الأطفال البريئة، قلت،
كما أن كبريائي وكرامتي لا تسمحان لي بأن أبيع ما أملك وأوزع ثمنه على الفقراء
وأعيش شحاذاً متشرداً مثل يسوع ورفاقه. إذاً لا أدير خدّي الشمال، وأحبّ النساء
والمال. فوق ذلك كلما أحببت أحداً كنفسي ندمتُ على فعلتي وقلت "يجب ألّا تعيدها
أبداً. أحِبّ لكنْ باعتدال، ليس كثيراً".
وماذا عن مبدأ القديس أوغسطينوس، "أحبِب وافعل ما تشاء"، الذي أخبرتني مرة أنك
تعتنقه؟ قال.
- أخبرتك عنه مرّة حقاً؟ صدّقني نسيت وأستغرب أنك لم تنسَ. هذا جميل ويجب أن يكون
مضى زمن طويل على ذلك. كم هو رائع أن صداقتنا قديمة وباقية. هذه تتمة لحديثنا إذاً:
أنا أَفعَلُ ما أشاء يا صديقي، ولكن ليس كل ما أستطيع فعله.
هل أُحبّ كل الناس وبلا تمييز؟ لا أعرف. الأكيد أن أوغسطينوس توصل إلى هذا المبدأ
في سياق فلسفة ومسيرة طويلة عريضة، شرحهما في مؤلفاته بناء على إيمان هبط عليه فجأة
بعد طول شك ومعاناة. يذكّر بأبي حامد الغزالي الذي وصف الإيمان بأنه "نور یقذفه
الله تعالى في القلب". نيّالهما أوغسطينوس والغزالي، أحسدهما على إيمانهما وأحسد من
يومِن بأي شيء حتّى. الإيمان راحة للقلب في نهاية المطاف.
وأذكر أني ارتأيت نقل الحديث من السلوكيات إلى الأفكار، فأخبرته بأن رواية الولادة
العجائبية، على سبيل المثال، امرأة تحبل وتلد من دون أن يمسّها رجل، هي خبريّة
جميلة.
"لكنها واردة في القرآن"، قال بتعجّب وارتباك. فاستطردت أن القرآن أخذها طبعاً عن
الأناجيل. لا يعني ذلك أنها حقيقية، بالنسبة إليّ على الأقل. وأدرك تماماً أن هذا
الرأي يخرجني عن العقيدة لكنني لا أتوقف عنده، فهذه الرواية الجميلة ليست هي الأساس
في رسالة يسوع.
قرأت مرّة بالفرنسية في كتاب بحثي تاريخي شديد التخصص أن المسيحيين الأوّلين بعد
خمسين سنة على صلب معلّمهم ما كانوا سامعين بالولادة العجائبية والمغارة والمجوس
ورحلة مصر. والأكيد أن هيرودس لم يرتكب مذبحة بأطفال بيت لحم. جاءت الرواية لاحقاً.
إلا أنني عندما أشارك في قداس أتلو غيباً من دون انزعاج مع المصلّين "فعل الإيمان"
الذي يختصر العقيدة المسيحية بالتشديد على أن يسوع هو "ابن الله الوحيد". ودوماً
عندما نصل إلى هذه العبارة أذكر قوله "أنا ابن الله وأنتم أيضاً أبناء الله"، ويلوح
لي أن المجامع ركزت على بُنوّة يسوع وأهملت وضعها في السياق العام، وأن على كل
مسيحي أن يكون يسوع، وإلّا فإنه يكذب عندما يدّعي أنه مسيحيّ، وأنا لا أحبّ الكذب
بل يفرحني الصدق في قول الأشياء كما هي.
أخبرني أنت الآن، هل تعتبر نفسَكَ مُسلماً، حقاً؟
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |