الاستعمار المتحوّل
 

 

أعتقد أن الهجرة هي ولادة جديدة غير طبيعية (غير بيولوجية – خارج علم الأحياء) تواصلا مع الولادة الأولى من أم وأب، في البلاد الأصلية. من البديهي انني لست هنا في معرض الكلام عن الهجرة وأسبابها واهداف المهاجر من ورائها، سواء كان مهاجرا موسميا، مؤقتا، أو كان دائم الإقامة مستوطنا. فهذا موضوع ذو تفاصيل عديدة لا امتلك الأهلية اللازمة للغوص في أعماقه ناهيك من أن هذه المقالة لا تتسع لذلك.

ما أنا بصدده في الواقع هو مقاربة بين الهجرة من جهة وبين الإستعمار من جهة ثانية، بعد التأكيد طبعا، على أن الهجرة هي في جوهرها نزوح أو لجوء قهري نتيجة ظلم أونفي أو خوف من الموت، و بالتالي هي مبادرة فردية أوأسرية، ىسلمية، استجدائية إلى حد ما، طلبا للأمان العمل. بالضد من الإستعمار بما هو حملة عسكرية تطلقها دولة من أجل أحتلال أراضي بلاد غير بلادها، بهدف التوسع و ضمها نهائيا، أواستغلال مواردها و سكانها.

ما يهم هنا هو الإشارة إلى أن ألاستعمار يتمثل بسيرورة عنف غايتها السطو بالقوة إلى حد إبادة السكان الأصليين أحيانا برمتهم أو بإخلاء البلاد منهم. فمن البديهي في هذا السياق أن تصنيف الهجرة أو النزوح في لائحة قيد الحركات الإستعمارية، هو في حد ذاته إجراء تعسفي وعبثي ينم غالبا عن كراهية عنصرية مضمرة. وهذه ظاهرة يعاني منها المهاجرون في الدول الغربية.

أكتفي بهذه التوطئة لأنتقل من بعد إلى مسألة تحول الإستعمار إلى "استعمار جديد"، بعد أن حازت بعض المستعمرات إستقلالها الحقيقي احيانا، عن طريق نضال تحريري ولكنها أخفقت في المحافطة عليه، بينما منحت بعضها أستقلالا شكليا أخذ يتكشف تدريجا بمرور الوقت.

الجدير بالذكر هنا، ان الكثيرين من رواد حركة التحرير الوطني ضد الإستعمار قتلوا غيلة.

مهما يكن فإن اللافت للإنتباه في هذه المسألة هوأن الدولة الإستعمارية اغتنمت لا شك في ذلك، حصيلة استعمارها، ثراوات هائلة وقدرات بشرية، مادية وثقافية، ضاعفت إمكانياتها الذاتية، و لكن يا للأسف، كما أظن، اساءت استخدامها، مثلما اساءت المستعمرات السابقة استخدام الإستقلال، حيث تحولت إلى مستعمرات بالوكالة بواسطة "السلطة الوطنية" التي تولجت أمر خنق حركة التحرير والتحرر في المهد. فالرأي عندي أن الدولة الإستعمارية نفسها صارت بدورها مستعمرة من"الرسمالية" العملاقة التي نمت في ظروف النهضة العمرانية والصناعية والعلمية، التي تسارعت وتيرتها بفضل حروب المنافسة الإستعمارية وعائدات المستعمرات.

مجمل القول أن الرأسمالية الجديدة، استولت على الدولة الإستعمارية وامسكت بالسلطة بحزم، أكاد أقول بصورة دائمة، وأعادت هيكلتها لكي تصير ملائمة وقادرة على خوض حروب أستعمارية جديدة، ليس فيما بينها، لأن أكثرها تمتلك ترسانة نووية أو أنها قادرة على امتلاكها، وإنما في أطار أحلاف عسكرية، من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية على مستوى كوكب الأرض كله.

لسنا بحاجة للإطالة في هذا الموضوع، بينما الحرب مشتعلة في الراهن بين حلفين، المعسكر الغربي تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية من جهة وحلف اوربي ـ أسيوي تحت قياد روسيا الإتحادية من جهة ثانية. فمن البديهي القول في ختام عرض سريع لهذه الملحوظات، ان الحروب ألتي أشعلها المعسكر الغربي في العقود القليلة الماضية، بدءا من أفغانستان ووصولا إلى أوكرانيا، مرورا بيوغوسلافيا العراق، سورية، لبنان، فلسطين، ليبيا، تونس، مصر، و الجزائر، انعكست عموما سلبا في مجتمعات دول المعسكر الغربي حيث تعم في الراهن الإضرابات و التظاهرات أحتجاجا على رفع سن التقاعد، و تفشي البطالة و تمدد الخصخصة المتواصل إلى المستشفيات العامة والمدرسة الرسمية على سبيل المثال، مقابل الارباح الخيالية التي تحققها المؤسسات المالية والشركات المتعددة الجنسيات التي تنتج وتصنع في البلدان الني كانت سابقا مستعمرات.


   

 

لطفاً إشترك في الصفحات التالية