قصص قصيرة جداً
 

 

رأس
حادث القطار الذي خرج عن سكته، كان فظيعاً , وكان من بين الذين حضروا الحادث , مجنون المدينة ، وقتها دفعهُ هاجسٌ داخلي للمشاركة مع الناس في عملية الإنقاذ فولج معتركه بصعوبة، حينها عثرعلى رأس منفصل تماماً عن جسده فعرفه .. كان الرأس لأغنى رجل في المدينة ، ثم سرعان ما تغيّرتْ بوصلةُ تفكيره، فإنسحب من موقع الحادث، ولكن بعدما سارع بأخذ الرأس المقطوع خلسة، ودسّه في كيسه الأسود، الذي يرافقه على الدوام . إختلى به جانباً في زاوية شبه مظلمة ،وفكّر بتفكيك مكوناته، علّه يقف على السبب الذي جعل من صاحب هذا الرأس، أغنى رجل في المدينة ..
****
تسكّع
أتى من أعماق مدينته الغارقة في بحر الفقر وفي جيبه شهادة ميلاده مع شهادةِ تخرجٍ ليبحث عن عمل .. هدّه تعبُ التجوال في سكك المدن وحاراتها دون جدوى ، بعدها إهتدى لعرّافة قيل له بأنها حاذقة جداً ، جثا على ركبتيه أمامها يتوسّل ، لتقرأ له طالعه .. تمتمت بشفتيها همساً وقالت له بحزنٍ .. " يا ولدي ، لم أعثر لكَ على أيّ إسم في سجلّات الأحياء " .
****
رغبةٌ مؤجلّة
سألوني ولكن بتهكّمٍ واضح قبيل إخراجي من زنزانتي ، إن كنتُ أريد شيئاً فطلبتُ قدحَ ماء.. كانت إرتعاشات أصابعي تتموسق مع إرتعاشات قلبي ودقّاته المتسارعة .. الآن ، لا أتذكّر شيئاً سوى أنني أدنيتُ القدحَ من فمي وبأسرعِ من ومضةِ برقٍ إلتمع في عينيّ وهجُ رصاصاتٍ إنطلقتْ نحوي وعن قربٍ ، فأدركتُ جسدي بعد هنيهة ممدّاً على البلاط وقد إمتزج ماءُ القدحِ بدمي النازف فشعرتُ بحرارته كلسعةِ جمرةٍ متوهّجة .
****
خلود
أفنى شطراً كبيراً من عمره في البحث عن سرّ الخلود في الحياة. طاف في مشارق الأرض ومغاربها. وأخيراً إعتقد، أو كادَ، أنه إقترب من ذلك حين صادف رجلاً غريب الهيئة، في صحراء، بدتْ في سعتها، لا متناهية. وقد وقف بزهوٍ قرب رأسِ رجلٍ كان واضحاً أنّه مات للتو وهو مرمي على الأرض فيما إنعكست أشعة ضوء شمس الظهيرة على ذرات رملها الصحراوي. رماه الرجل بنظرة، فأرعبته كما لو أنها وخزته في قلبه. أراد أنْ يتحاشى هذه النظرات المخيفة وأيضا ليبدّدَ القلق الذي ساوره، بادره بالسؤال متلعثماً، فخرجت الكلمات متقطعة من بين شفتيه المرتجفتين ” مَنْ أنت ومَنْ هذا الرجل الذي أمَتّه دون رحمة ؟ ” . أجاب الرجل الغريب الهيئة بعجلٍ ” هذا الرجل هو جلجامش. أمّا أنا فلا شأنَ لك بي مطلقا ، وقد جئتكَ قابضاً أيضا لروحك.
****
تداعيات
كان يلاحقني كإسمِي . في الليل وفي النهار . كنت أتوسّلُ اللحظةَ التي تفارقُ صورُتُه ذهني بأنْ تطولَ كدهرٍ ، علَّ خوفي يغادرُني . فتحقّقت اللحظة التي إنتظرْتها طويلاً ، ليس لأنّه مات والى الأبد ، وإنّما لأنّني أنا الآخرُ شاركتُهُ
موتَه.
****
حسرة
في مثلِ هذا الوقت ،من ضحى كلّ يومٍ ،كان يرقبُ أسرابَ الطيور في الأعالي ، فيكتوي بحسراتٍ حرّى تستعرُ في مشاعره مثلَ جمرٍ ، فلا يتنبّهُ إلا وصوت السجّان يعلنُ إنتهاء الإستراحة الصباحية
****
لقاء
كان صباحاً رائقاً ، إذ إمتدتْ يدُ حبيبته التي فارقته منذ سنوات ، مدّ يدَه هو الآخر ، ورغم شدة رغبته بمصافحتها ، لكن قوة مهيمنة حالت دون ذلك ، كرّر المحاولة وبإصرار لأكثر من مرة فلم ينجح ، ثم إستدار وبإنزعاجٍ واضح تاركا خلفه ، قبرا زيّنتٔ سطحَه العلوي ، باقةُ وردٍ ملونة .


   

 

لطفاً إشترك في الصفحات التالية