مناسبات شهر آذار
في الروزنامة اللبنانيّة
تناقضات تختصر الوطن

 

 

ثمّة أمثال شعبيّة لبنانيّة كثيرة عن شهر آذار، تدور في معظمها حول محور الطبيعة وتَساوي الليل والنهار وتغيّر الطقس بين البرد والدفء: بآذار ضيهر بقراتك ع الدار (للدلالة على نهاية فصل البرد)، خبّي حطباتك الكبار لآذار (احتمال اشتداد البرد)، آذار الهدّار (للدلالة على قوّة الأمطار في بعض أيّامه)، آذار أبو سبع تلجات كبار ما عدا الزغار... وسواها من أقوال تبشّر العجائز بعبور الشتاء ووصول الربيع وفيه تهنّئهم الطبيعة بنجاتهم من الموت دنقًا. ولكن بمعزل عن تناقضات الطقس الطبيعيّ، كيف يبدو آذار في الطقس القوميّ/ الوطنيّ/ المسيحيّ بحسب التقويم اللبنانيّ؟

1 آذار: ولادة أنطون سعادة

في اليوم الأوّل من شهر الاعتدال الربيعيّ من العام 1904 ولد زعيم الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ أنطون سعادة. وفي الثامن من شهر تمّوز الصيفيّ الشديد الحرارة من العام 1949، أعدم بعد محاكمة صوريّة. كان مارس/ آذار عند أقدم الرومان إله الزراعة، يحمي القطعان ويبارك المحصول ويبعد القحط والخراب عن الحقول، ثمّ غلبت عليه الصفة الحربيّة وصار إله الحرب بلا منازع. أمّا تمّوز/ أدونيس فهو إله النباتات والماشية والمأكولات، وكان يسمى أيضًا الراعي. غضبت حبيبته عشتروت منه فحكم عليه بأن يقضي في عالم الأموات ستة أشهر تبدأ بالشهر الذي صار يحمل اسمه (تموز) تموت أثناءها الزراعة والماشية وينتشر القحط. ثمّ يغادر بعدها ذلك العالم إلى عالم الأحياء، أي يُعاد إلى الحياة، وتعود الزراعة معه وينتشر الخير. فهل لعبت الأسطورة دورًا في تحديد موعدي ولادة هذا الرجل وموته، عبر ربطهما بإلهين يرمزان إلى الخصب والتجدّد عبر الموت والقيامة؟

لست هنا في صدد اختصار مسيرة هذا المفكّر، غير أنّني لا أستطيع ألا أشير إلى أنّ السوريّين القوميّين لا يفصلون تاريخ ميلاده عن أساطير بلادنا التي تربط الربيع بالانبعاث من الموت بعدما تحوّل (مارس/ آذار) إله الحرب خنزيرًا وقتل أدونيس الذي هو تمّوز في بعض الحضارات، كأنّ هذا الرجل أي سعادة ولد ليعيد الحياة إلى هذه البلاد عبر نهضة شاملة بعدما غرقت طويلًا في مستنقع الانحطاط والموت. ويعتبر القوميّون أنّ "الأوّل من آذار هو تاريخ مولد المقاومة القوميّة الواعية في أمّة ظنّها أعداؤها منقرضة".

ولكن بين شهري الولادة في آذار والموت في تمّوز، لا يسعنا سوى التساؤل عن مصير حزب تقتل الانقسامات فيه الزعيم وتحرق الأمّة التي تتجدّد فيها أسطورة الموت والقيامة مرّة بعد مرّة. لعلّ السوريّين القوميّين مدعوون اليوم إلى استبدال عبارة: "تعيّدوا بالعزّ" بعبارة "تعيّدوا بالوحدة بين المنقسمين قبل الوحدة بين الكيانات"!

8 آذار: اليوم العالميّ للمرأة يلد تحالفًا لبنانيًّا يشكر سوريا

في وطن لا تزال المرأة فيه تعاني من العنف الأسريّ وتروح ضحيّة جرائم الشرف، وتُحرم من حقّها في المشاركة في الحكم عن غير طريق الإرث السياسيّ، يبدو اليوم العالميّ للمرأة أقرب إلى الحلم في مقابل واقع اسمه تحالف 8 آذار الذي يضمّ تياراتٍ وأحزابًا اجتمعت في ذلك اليوم من العام 2005 لتشكر سوريا على مساعدتها لبنان، وذلك ردًّا على ما دعت إليه جماعات أخرى (عرفت بجماعة 14 آذار) تطالب بالانسحاب السوريّ والخروج من تحت وصاية حزب البعث.

ويوم المرأة الذي صار مناسبة عالميّة بدءًا من العام 1977، يعود الفضل فيه إلى آلاف من العاملات في معامل النسيج في الولايات المتحدة خرجن يوم 8 آذار من العام 1908 في مظاهرة تحت شعار "خبز وورود" للمطالبة بتخفيض ساعات العمل، ووقف عمالة الأطفال، ومنح النساء حقّ الاقتراع. أمّا في لبنان، حيث التناقضات هي السمة البارزة على أيّ مشهد، فنرى أنّ سيّدات المجتمع المخمليّ صادرن العيد بوروده، وتركن فُتات الخبز للعاملات الفقيرات أكنّ لبنانيّات أم أجنبيّات. ثمّ أتت حركة 8 آذار السياسيّة لتسرق أضواء هذه المناسبة التي كان من المفروض أن تكشف واقع المرأة العاملة، خصوصًا في الأرياف والقرى حيث صعوبات الحياة.

9 آذار: عيد المعلّم

تبدو عبارة الشاعر سعيد عقل: "نحن معلّمو معلّمي العالم" مناقضة بشكل فاضح لواقع المعلّمين في لبنان، حيث لا تُعتبر وزارة التربية حقيبة سياديّة. ولعلّ من الأسباب التي جعلت لبنان دائمًا في حال من الضياع عدم إيلاء التربية الاهتمام المطلوب، لا من حيث المستوى الأكاديميّ بل من حيث الانتماء الوطنيّ الجامع. وقد تكون مدارس لبنان بتنوّع لغاتها وانتماءات مؤسّسيها مع إهمال المدارس الحكوميّة ساهمت في شرذمة الشعب فئات وطبقات ومستويات. فالإرساليّات لعبت دورًا في تغريب النشء الطالع، والنظام الإقطاعيّ ارتاح إلى أميّة جمهوره في الأرياف والأطراف، ليبقى العلم محصورًا في الزعامات. ثمّ كان النزوح إلى المدن واختلال التوزيع السكّانيّ. أمّا المعلّمون فاكتفوا في غالب الأحيان بتحرّكات مطلبيّة ماديّة، لا يعنيها أمر المواطنة ولا تحديث المناهج.

11 آذار يوم الأبجديّة

يوم الأبجديّة حديث العهد في لبنان. ففي 30 آذار 2012 صدر القانون الرقم 215 بتخصيص يوم 11 آذار عيدًا للأبجديّة ويسمى يوم الأبجديّة من دون أن يكون يوم عطلة رسميّة في جدول الأعياد الدينيّة والوطنيّة. وأقر مجلس النوّاب اقتراح القانون الذي قدّمه النائب نعمة الله أبي نصر وصدر في عهد الرئيس ميشال سليمان تحت الرقم 186 تاريخ 18 تشرين الثاني 2011 ، ثمّ صدر تصحيح تاريخ عيد الأبجديّة بالقانون الرقم 215. وصدر في الجريدة الرسميّة في 31/3/2012.

لكن بأيّ أبجديّة نحتفي في لبنان، هل هي الكنعانيّة التي لا يعرفها الناس، أم العربيّة التي لا يحفظ أكثر تلامذة لبنان ترتيب أحرفها، أم السريانيّة المحصورة في بعض الإكليروس، أم واحدة من الأبجديّات الأجنبيّة التي تسيطر على قطاع التعيلم وتقصي العربيّة الفصحى عن واجهة الاهتمام؟ على كلّ حال، التحق هذا اليوم بركب أعياد العَلم والشجرة والبيئة وسواها، فلا الدولة أخذته على محمل الجدّ، ولا المدارس اكترثت لأمره.

14 آذار: ثورة الأرز

في 14 آذار من العام 2005، انطلقت تحرّكات شعبيّة واسعة عُرفت لاحقًا بثورة الأرز أو انتفاضة الاستقلال، وذلك إثر اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في 14 آذار. وطالبت هذه الحركة بانسحاب الجيش السوريّ واستقالة حكومة الرئيس عمر كرامي. وبالفعل تمّ لها ما أرادت وانسحب السوريّون في 27 نيسان بعد استمرّ وجودهم العسكريّ في لبنان ثلاثين عامًا. تسارعت الحوادث والاغتيالات بعد ذلك، وانقسم جماعة 14 آذار فلم يبق منهم سوى نفر قليل يذكّر من وقت لآخر بإنجازات ثورة تاهت بين ثورة الحجارة وثورة الياسمين.

16 آذار: اغتيال كمال جنبلاط

في العام 1977، اغتيل الزعيم اللبنانيّ الدرزيّ كمال جنبلاط. ومع أنّ الجميع كان على ثقة من أنّ السوريين هم الذين قتلوه، خرج العديد من الدروز ليثأروا له فقتلوا 144 مسيحيًّا في منطقة الشوف. ومع ذلك، يبقى التاريخ مرتبطًا في أدبيّات الحرب باغتيال جنبلاط، ويتناسى المجتمع اللبنانيّ الضحايا الذين قتلوا، ما أدّى إلى تهجير أهلهم وتجديد الشرخ في العلاقات المسيحيّة الدرزيّة. وازداد الشرخ اتساعًا ليصل إلى ما عُرف لاحقًا بحرب الجبل عام 1983، إثر انسحاب الجيش الإسرائيليّ من لبنان.

استعاد رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط تفاصيل ذاك اليوم، في خلال قدّاس المصالحة الذي حمل عنوان "التوبة والمغفرة"، في 23 آذار من العام 2019 فقال: "عندما وصلت إلى المختارة في ذاك النهار المشؤوم، منذ 42 عامًا قادمًا من بيروت برفقة النقيب رجا حرب، بعد أن تبلّغت خبر الاغتيال، كان كمال جنبلاط لا يزال في السيارة في وسط الباحة، باحة الدار، مضرّجًا بدمائه، ومن حوله جمهور صاخب، وغاضب، هائج بشكل لا يوصف، وكان الشيخ محمد أبو شقرا، شيخ عقل الدروز، يحاول جاهدًا تهدئة الأمور. ولست أدري كيف استجمعت قواي، وصرخت بهم "خذوه إلى المستوصف"، مستوصف الشؤون الاجتماعية كان داخل البيت آنذاك، لتضميد جراحه ووضعه لاحقًا على فراش الموت مع رفيقيه تمهيدًا للصلاة، ثمّ الدفن. واستجابوا، وعندما شرعت بصعود الدرج مع الشيخ محمد أبو شقرا، أتى من قال: "إنّهم يقتلون المسيحيّين في المزرعة" (يقصد مزرعة الشوف). فطلبت من الشيخ محمد أبو شقرا أن نذهب إلى المزرعة ومعنا رجا حرب، حيث قصدنا بيت المختار أبو رامز يوسف البعيني وهناك علمنا، أن المختار، وجمعًا كبيرًا من الخيّرين والعقلاء استطاعوا حماية من تبقّى من إخوانهم المسيحيّين في بيوتهم. إطمأننا نسبيًّا ووضعنا آليّة أو تصوّرًا للإخلاء. وفي وسط هذا الجوّ من القلق والفوضى، وفي طريق العودة إلى المختارة وصل خبر "المعاصر" (معاصر الشوف). فذهبنا للتوّ ومعنا موكب جرّار من الصعب أن يعلم المرء من فيه ومن أين أتوا. وفي ساحة البلدة، استوضحنا الأمر، فعلمنا بأنّ مجموعةً من أهالي المعاصر كانت متواجدة في الكنيسة، حماها عقلاء وخيّرون، لكن الباقي، أصابهم ما أصاب إخوانهم في المزرعة وكانوا في واجب تعزيةٍ فقتلوا لاحقًا على طريق العودة وفي أماكن أخرى. وحلّ الظلام، ظلام الطبيعة إلى جانب ظلام الحدث، وظلام النهار. وكدنا أن نعرّج إلى الباروك، لكن لم أكن ولا الشيخ محمد أبو شقرا لنعلم ماذا سنفعل. بالمناسبة، كانت على مداخل الشوف وفي معظم الشوف، وفي الباروك والمزرعة، الوحدات الخاصّة السوريّة". وأضاف جنبلاط: "أعتذر إن كنت أغفلت بعض الوقائع. فخيانة الذاكرة بعد 42 عاماً تطغى أحيانًا، وتلخيص الحدث أفضل من الاسترسال بالتفاصيل التي قد تفتح الجراح ونحن في صدد ختمها إلى الأبد. وعدنا إلى المختارة وخلال صياغة النعي، فرضت ساعةَ الصلاة في النهار التالي الساعة الواحدة بعد أن وصل خبر "بطمة" حيث تكررت المأساة واستمر مسلسل الدم وأنقذ ما أمكنَ أنقاذه."

19 آذار عيد القدّيس يوسف

أعلن الحبر الأعظم البابا فرنسيس أنّ السنة الممتدّة من 8 كانون الأوّل 2020 إلى 8 كانون الأوّل 2021، سنة القدّيس يوسف. ولعلّ الكنيسة تأخّرت في الإضاءة بشكل كافٍ على من ائتمنه الله على ابنه وأمّه مريم. فالمهمّة التي ألقيت على هذا الرجل لم تكن سهلة، فأن يحبّ المرأة التي اختارها الله أمًّا لابنه الوحيد معاناة يوميّة تتطلّب الكثير من الثقة والإيمان. لقد ترك الرجل أثرًا في حياة يسوع ولغته، فهو على الأرجح لم يكن نجّارًا يعمل بالخشب، بل يعمل في البناء ونحت الحجر، لذلك نجد في تعابير يسوع الكثير من الأمثال المتعلّقة ببناء البيت، كالحجر الذي أهمله البناؤون فصار حجر الزاوية، والبناء على الصخر...لكن إن نظرنا إلى صورة الرجل في مجتمعنا، لرأيناه بشكل عامّ بعيدًا عن صورة يوسف أب العائلة وصديق مريم. فلو تمثّل به فقط نصف الذين يحملون اسمه في الطوائف كلّها لكانت المرأة اللبنانيّة تنعم بحضانة أطفالها، وتحبّ من تريد، وتختار أسلوب عيشها بحسب رغبتها، ولا تقتل في جريمة شرف ليس فيها أي شيء من الشرف.

21 آذار عيد الأم وبدء فصل الربيع

تختلف تواريخ الاحتفال بعيد الأمّ بين بلد وآخر، ولكن في الدول العربيّة يحتفل به في 21 آذار أي مع بدء فصل الربيع. كتب الكثير عن تزامن هاتين المناسبتين، على اعتبار أنّ الأمّ رمز الخصب والعطاء كما الطبيعة التي تنفجر بالحياة عند إطلالة الربيع. يبدو في هذا الترابط التركيز على دور المرأة الإنجابيّ، أي لا تكون المرأة أمًّا إذا لم تنجب، ما يضع التربية في المرتبة الثانية، فتصير المرأة التي تتبنّى طفلًا أدنى مرتبة في سلّم الأمومة، وكذلك تلك التي تربّي أولاد زوجها، أو أولاد شقيقاتها وأشقائها. وبالتالي تصبح المرأة العاقر خريفيّة الانتماء ولا علاقة لها بالربيع.

لزمن ليست ببعيد، ارتبطت هدايا عيد الأم بشؤون البيت والمطبخ، ثمّ تطوّرت الأمور مع تغيّر صورة المرأة/ الأمّ لتتحوّل الهدايا إلى ما يعبّر أكثر عن كينونتها كأنثى، أو كعنصر عامل منتج في المجتمع. لكنّ صورتها بقيت أسيرة نمط يحدّده من حولها، وحين حاولت المرأة/ الأمّ أن تثور على هذه الصورة انتقلت مباشرة إلى نقيضها عبر إهمال عائلتها، والاتّكال على مساعدات منزليّات يقمن بواجبات التربية والعناية. قيل قديمًا: الترباية نطارة مش شطارة، اي أن تسهر على من تربّيهم لا أن تتقن النظريّات، لكن الحرب ووتيرة الحياة والهجرة جعلت البطون تحمل مشاريع غربة، والقلوب تسهّل إعطاء جوازات سفر. فكيف تبقى الأمّ لغةً ووطنًا وأرضًا وهي نفسها غريبة عن ذاتها؟

22 آذار يوم الطفل اللبنانيّ

في لبنان حيث التعليم الابتدائيّ ليس إلزاميًّا، وفي زمن عمالة الأطفال والتحرّش بهم، وزواج القاصرات وانتشار ظاهرة التسوّل، فضلًا عن العنف الأسريّ وفضائح بيع الأطفال في خلال الحرب وبعدها، يبدو الاحتفال بيوم الطفل اللبنانيّ بعد عيد الأمّ مناسبة تدعو إلى التأمّل في مصير أطفال يولدون في وطن يدفعهم كي يكبروا قبل الأوان، وكي يهاجروا متى اشتدّ عودهم. بل هو نكتة سمجة يجعل سامعها يشمئزّ من هذا الفصام اللبنانيّ الذي لا يضمن للطفل طفولة ولا للعجزة ضمان شيخوخة... وبين العمرين عمر مهدور في الحرب والفساد.

23 آذار عيد القديسة رفقا

أعلنت الكنيسة المارونيّة يوم وفاة القدّيسة رفقا في 23 آذار عيدًا كنسيًّا، تدعو المؤمنين فيه إلى التأمّل في حياتها وآلامها وموتها وقيامتها قديسة فوق مذابح الكنيسة. لا شكّ أنّ في حياة هذه الراهبة أمورًا أخرى، غير الألم، تدعو للاحتفاء بها وتكريمها. لكن يبدو أنّ التركيز على آلامها كان دعوة لمسيحيي لبنان والشرق إلى التشبّه بها وحمل صليب الألم برضا وقبول، وهم يمشون درب جلجلتهم في ليل هذه البقعة من العالم. لكنّ السؤال عمّا فعلته الكنيسة كي تحمل مع أتباعها الصليب، هل كانت مرّة سمعان القيرواني، ومرّة فيرونيكا؟ أم هي حريصة على إبقائهم عاشقي ألم كي يبقوا صامتين صامدين موعودين بخلاص ليس هنا؟

25 آذار عيد البشارة

أصدرت الحكومة اللبنانية عام 2010 قرارًا بتبني "عيد البشارة"، الذي يحتفل به المسيحيّون في الـ25 آذار/ مارس من كلّ سنة، عيدًا وطنيًّا رسميًّا. واستندت الحكومة في قرارها إلى وجود قواسم مشتركة تجعل هذا العيد خاصًّا بالمسيحيين والمسلمين معًا. وجاءت المبادرة باعتماد "يوم البشارة" عيدًا وطنيًّا من لجنة الحوار الوطنيّ الإسلاميّ المسيحيّ في لبنان. وقد ذكر أمينها العام الأمير حارس شهاب بأنّ الفكرة انطلقت أساسًا من مدرسة "سيّدة الجمهور" التي اعتاد خرّيجوها أن يحتفلوا كلّ عام بشهر رمضان المبارك، فيقيمون إفطارًا يشارك فيه المسلمون والمسيحيّون معًا. كما كانت هذه المدرسة تستقبل، في مثل هذا اليوم (25 آذار/ مارس) من كلّ عام، رجال دين مسلمين ومسيحيّين ليحتفلوا معًا بهذا العيد. ومن هنا تبنّت لجنة الحوار الإسلاميّ المسيحيّ الفكرة، ووجدت السند المقنع، فقدمت إلى الحكومة اللبنانية مشروع قانون لاعتماد العيد الجديد.

قد تكون هذه المناسبة الدينيّة المسيحيّة في الأساس خير مثال على تناقضات شهر آذار بحسب التقويم اللبنانيّ. فحين تقرّر تحويل هذا العيد مناسبة وطنيّة جامعة على اعتبار أنّ السيّدة العذراء مكرّمة عند الطوائف، تناسى هؤلاء "الوطنيّون" أنّ مريم في الإنجيل تشهد على صلب ابنها، بينما شبّه لمريم القرآن أنّ ابنها قد صلب. فكيف تستقيم الدعوة إلى بناء عقد وطنيّ جامع في حين أنّ الحجر الذي يستند إليه هذا البناء مثار خلاف بين المسيحيين أنفسهم (البروتستانت مثلًا لا يكرّمون مريم كما تفعل المذاهب المسيحيّة الأخرى) وبين المسيحيّي والمسلمين في ما يخصّ موت المسيح.
***
عدا هذه الأعياد والمناسبات، هناك مناسبة بدء الصوم عند المسيحيّين وما يليه من احتفالات دينيّة، فضلًا عن عدم توحيد عيد الفصح بين الكنيستين الشرقيّة والغربيّة. وقد يأتي عيد الفصح في نهاية شهر آذار ولنأخذ أمثلة على ذلك في الفصح الغربيّ الذي جاء موعده بين العامين 2000 و2020: 23 آذار 2003 – 23 آذار 2008 – 31 آذار 2013 – 27 آذار 2016. لذلك كان يحتفل بأحد الشعانين في هذه الأعوام تحت أمطار وعواصف تذكّر بالطقس في كانون الأوّل وكانون الثاني، فكان المثل الشعبيّ: يا موارنه يا مجانين بتشعننوا بكوانين! يصحّ عدم الثبات هذا على بدء صيام رمضان عند المسلمين الذي قد يصادف في شهر آذار كذلك وإن في سنوات متباعدة عديدة.

ولكن، لماذا تحديد هذا الشهر بهذه القراءة؟ ربّما لأنّه يقع بين فصلي الشتاء والربيع، فصلي الموت والقيامة. ربّما لأنّه من أكثر الأشهر ارتباطًا بالبنية اللبنانيّة التي لم تحسم هويّتها بعد، فامتلأت بالتناقضات، كمناسبات آذار أي مارس إله الحرب من جهة وإله الزرع من جهة ثانية. ربّما لأنّه يسبق شهر نيسان واندلاع الحرب اللبنانيّة، كأنّ مارس أعدّ فيه أسلحته ليضعها بين أيدي اللبنانيّين. ربّما لأنّ اللبنانيّين يستغلّون مناسباته الدينيّة للتعبير عن وحدتهم الوطنيّة، ولو كانت وطنيّتهم غير مشكوك بأمرها لما استدعت رحمة السماء وحوار الأديان.

ربّما لأنّ لا قوميّة أنطون سعادة ولا اشتراكيّة كمال جنبلاط أنقذتا الوطن، ولا الأمّهات أنجبن أمّة، ولا الأعياد الدينيّة نجّت الناس من الشرّير. ربّما لأنّنا لم نعرف قيمة الأبجديّة، ولم نرأف بالطفولة لنبني لها وطنًا آمنًا، ولم نتعلّم من الألم سوى النقمة والغضب. ربّما لأنّنا لم نتعلّم صون العرض وحماية المرأة المضطهدة في شرفها. ربّما... وألف ربّما، ولكن ربّما علينا أوّلًا أن نخفّف من عدد المحطّات التذكاريّة في مسيرتنا اليوميّة، لأنّنا على ما يبدو لا نجيد سوى الوقوف والتذكّر ولكن من دون أن نتّعظ أو نتعلّم! فحافظ "مارس" عندنا على صورته كإله حرب لا كإله زراعة وخصب. وليس غريبًا أن يصحّ مثل ذلك على أشهر السنة كلّها!