طفلٌ ظِلُّ أبيه


هشام موكادور
المغرب


 

 
مجلة الكاتب

أحببت والدي، تجبرت صورته في عقلي، تملكتني بالكامل. عندما كان أخي مصطفى الذي يكبرني بسنتين نشاز الأسرة، كنت أنا من عوضه بالحضور والطاعة والامتثال. أسعد اللحظات تنتابني عندما أكون جوار الوالد، وأعظمها عندما يمرر يده الطاهرة فوق رأسي. كنت أرافقه الى المسجد ذهابا وايابا، وأستيقظ معه لأداء فريضة الصباح، ثم أجلس في المساء بجواره لأستظهر عليه عشر آيات حفظتها بعد صلاة الفجر. يفسر لي كل أية على حدة، ويحدثني عن سبب نزولها، وكثيرا ما كان يقوم لي لساني عندما ألحن في اللغة. عرفت أبجديات الإعراب من خلاله، وتشبعت بجمال اللغة من ثغره. وكثيرا ما كان يأخذني معه الى مسجد في "حي الفران". مسجد كي تصل إليه تحتاج إلى التوغل في زقاق ضيق كي تصل إليه. ثم تصعد اليه من خلال سلالم تتسع لعرض كتفي رجل مثل أبي، كان صغير المساحة، شبه مظلم فقد كان يتوسطه مصباح لاهت الضوء. كان يقيم الليل بأصحابه فيه، ويلقي دروسا معية "با هشام" وهذا الآخير كان صديقه ونقيب جهة المدينة لدة جماعة العدل والإحسان، فقد كان والدي عضوا بارزا فيها. قبل أن ينحو نحو دعوة البشيري – عضو مجلس الارشاد للجماعة- الذي خرج بشريط "صرخة هابيل" والذي يتحدث فيه عن تحول الجماعة من الخلافة إلى الخرافة. أنا بدوري كنت أحضر لمجالس الجماعة، كان يشرف علينا شاب معطل يدعى "باسيدي"، شاب طيب وحبوب، قريب من القلب، لسانه حلو كالعسل على الشفاه، طويل القامة، مهذب اللحية، وكريم البيت. نتحلق حوله نحن الصغار، فيقرأ علينا من كتاب "الأيمان" يشرح فيه تعاليم الدين البسيطة، كالحفاظ على الصلاة، والصدق، والصواب في الاسلام. وكنت كذلك عضوا في فرقة " الإنشاد الإسلامي" التي يقودنا فيها منشد يدعى "شعطيط"، نستمع لأناشيد منشدين كبار مثل " أبو راتب" و "عماد رامي" وآخرون، نحفظها ثم نعيد إنشادها معيته في كل عرس وعقيقة.

كان هذا التناقض الجميل، يعبر عن صفاء القلب لطفل صغير، يحب خديجة، ويكتب كلمات يسميها شعرا، ويصارع أقرانه في السوق ليروج لبضاعته "أكياس البلاستيك" وقد يشتم ويسب. لكن في حضرة الأب وـأفراد الجماعة، كأن الطير يفرش عشه فوق رأسه، ومقصا يجلس على بوابة شفاهه، كلما نطق كلمة زائغة يخشى عليه من البتر. ذات مرة أديت صلاة الظهر في مسجد الحي، ثم حملت القرآن وعدت الى الخلف متكئا على سارية، سرقني النوم، عندما استيقظت وجدت القرآن بجواري، والمكان هدائ تماما، اتجهت الى الباب وجدته مغلقا، لم أنزعج فقد كان أبي يقول "بيت الله آمن، تحرسه الملائكة"، عدت الى نفس السارية وتكورت على نفسي ونمت. فجأة جاءت كف تحركني برفق، كان مؤدن المسجد قد جاء ليؤذن لصلاة العصر، أيقظني مندهشا، ثم أحضر لي لبنا من دكان "با مجيد" شربته، وهرولت خارج المسجد من دون صلاة، لم أذهب الى البيت، كان أقراني يلعبون كرة القدم، فأديت صلاة أخرى يحبها الأطفال "الجري والمشاكسة وتسجيل الأهداف". كثيرا ما كنت أسرق الحلوى "الفانيد" الموضوعة أمام دكان "با مجيد" الذي دلف الى المسجد لأداء الصلاة، والذي كنت أصلي أحيانا بجواره بعدما أحشو جيبي الصغير بها. لو كنت أعرف بأن الله لا يعذب طيور الجنة حتى تبلغ سن الرشد، لكنت سرقت منه أشياء أخرى تغريني.. لكنني استوعبت ذلك متأخرا فضاعت علي فرص ثمينة.

وثم تشميع مسجد "حي الفران" من قبل السلطات، التي تنبهت الى ما يحدث فيه من قبل أعضاء جماعة العدل والإحسان فيه. فكان أول إجتماع لهم، ليتداولو في شأنه ببيتنا، فشهدت أروع لقاء بين الكبار، كنت أجلس بجوار والدي، وأحيانا أذهب الى مطبخ والدتي، كعصفور صغير أنتزع من الصحن بعض الحلوى بعد إغفال الأم، ثم أعود إليهم.. كان "عبد القادر" الذي أناديه عمي بحكم قرابته من والدي ومحبته له، وكذا جاره في دكان بيع الملابس ب "القيسارية" شديد القول، متطرف الموقف، وغاضب الحركات. أما كبيرهم ب "هشام" الذي منع من إلقاء خطبة الجمعة بالمسجد، فقد كان طويل البال، هادئ القول، ورصين المجلس. لم أكن أرى شخصا غير والدي، كلما همّ بالحديث تشتغل أدني أكثر، أتطلع الى يديه المتحركة، وشفاهه الراقصة بالكلمات، وأقول في نفسي "أبي على صح"، ماذا قال، أي موقف دافع عنه، لا يهم، لا أفهم صحيح، لا أعرف في ماذا كان يخطط، كل ما أعرفه أنه والدي.. ووالدي دائما يقول الحقيقة.

أترك مداخلة

Message

شكرا لمداخلتك
سوف يتم نشرها أسفل مقال الكاتب