من عجائب التاريخ الإنسانى أنّ البشر على مدار آلاف السنين، آمنوا بوجود قوى خارقة..وغيرمنظورة..وهى التى خلقتْ الأرض والسماء والمحيطات والبحار..وخلقتْ الإنسان والحيوان..إلخ، باختصار أنّ البشر آمنوا بالميتافيزيقا، أي (بقوى فوق الطبيعة) وليس لها علاقة بالواقع المادى على الأرض.

وإذا كانت (شعوب ما قبل التدوين) أى قبل عصر الكتابة لها العذر فى خلق آلهة تحميهم من العواصف..ومن كل ضرر..وآلهة تجلب لهم الخيرمثل نزول المطر إلخ، فإنّ ما يثير الدهشة..ويستدعى التساؤل هو أنّ الإيمان بالميتافيزيقا استمرّ حتى بعد التقويم الميلادى..والأكثر خطورة عندما تمتزج الميتافيزيقا بالخرافة. أو -بصيغة أدق- عندما تتمحور الميتافيزيقا وتتشكل فى مظاهر الخرافة..وهو الأمر الذى انتبهتُ إليه وأنا أقرأ ما كتبه ديورانت فى موسوعته (قصة الحضارة) وهو يسرد تفاصيل ما حدث فى أوروبا فى الفترة من1558-1648.. وقد بدأ هذا الجزء بجملة ثاقبة فكتب: قد تولد الديانات وقد تفنى.. ولكن الخرافة الناتجة عنها لاتموت.. وذكر أنّ الخرافات فى تلك الفترة أكثر مما يحصيه العد.. ومن أمثلة ذلك أنّ الزواج فى شهر مايو يجلب السعادة..وضرورة الحذر من الجن والأرواح الشريرة.. وأنّ بعض الأرقام والمعادن والحيوانات والنباتات خصائص وقوى سحرية... ولكل حادث (علامة) إما على (رضى الله) أوعلى (غضبه) أو من (عمل الشيطان). وفى تلك الفترة كان التنجيم لايزال سائدًا... وكان يـدرّس فى بعض الجامعات. وفى عام1572 انقطع تدريسه فى (جامعة بولونيا) بينما الفيزيائى والفلكى الألمانى (كبلر- 1571- 1630) نظر للتنجيم نظرة الشك والريبة، خاصة أنه هو الذى وضع قوانين تصف حركة الكواكب، بعد اعتماد فكرة الدوران حول الشمس..كمركز لمجموعة الكواكب..كما أثبت كل من كوبرنيكوس وجاليليو..

وهكذا يتبين الفرق بين من (يؤمن بالعلم) ومن (يؤمن بالميتافيزيقا المُـتمحورة فى الخرافة) والأكثر دهشة ما أثبته ديورانت، حيث ذكر أنّ الذين تعرّضوا للتعذيب... ومن أمروا بتعذيبهم (على حد سواء) صـدّقوا بإمكان الحصول على ((معونة القوى الخارقة للطبيعة، بواسطة الرقى والتعاويذ... وإذا كان من المستطاع الحصول على (شفاعة قديس) بالصلوات، فلمَ لا نلتمس (معونة الشيطان) بملاطفته... والتودد إليه؟ وذكر أنه صدر كتاب عام 1580 بعنوان (بعض الأفكار المسيحية حول السحر) جاء فيه أنّ العالم بأسره، فى البر وفى البحار مملوء بالعفاريت والأرواح الشريرة غير المرئية... وساد الاعتقاد بأنّ كل البشر من الممكن أنْ تتلبسهم الشياطين..

وفى عام 1593 انتشر الذعر حيث شاع خبر -ملفق- فحواه أنّ الشياطين تلبستْ أجساد ستين شخصا... وتعذّبوا تعذيبــًـا بشعا... وأنّ أحد القساوسة استحوذ الشيطان عليه وهو يلقى موعظته... واستند تجار الدجل إلى ما جاء فى إنجيل متى (8: 27- 34) حيث جاء فيه أنّ المسيح أخرج الشياطين من أجساد الذين حلوا بهم... وهو ما تأكد فى إنجيل مرقص حيث قال المسيح لأتباعه سأمنحكم القدرة على إخراج الشياطين باسمى.

فى هذا المناخ الذى غلب عليه الإيمان بالميتافيزيقا كان المواطنون يلجأون للقساوسة لعمل تعاويذ مختلفة، مثل إزالة الحشرات الضارة عن النبات، أو لتهدئة الأعاصير فى البحر... أو تطهيرالمبانى من الأرواح الشريرة... والكارثة أنّ البابا بول الخامس أصدر منشورًا فى عام 1604 بأنّ هذه التعاويذ تعتبر ضمن الخدمات الكهنوتية. وتبعا لذلك اعترفتْ كنيسة بريطانيا بقيمة التعاويذ على أنها (طقوس شافية) كما انتشرتْ الكتب التى تشرح كيفية الاتصال بالشياطين، إما لتفادى ضررها أو المشورة للاستفادة برأيها..

وفى هذا المناخ- أيضا- نشطتْ (محاكم التفتيش) والقبض على كل من يشتبه فيه بأنه يمارس السحر، فتـمّ القبض على 53 شخصـًـا فى إسبانيا... وصدر الحكم بإعدام 11 منهم... وفى جنوب فرنسا عام 1609 انتشرتْ موجة عاتية من الذعر بسبب السحر... واعتقد مئات الناس أنّ الشياطين حلــّـتْ فى أجسادهم... وظنّ بعضهم أنهم ((تحوّلوا إلى كلاب وأخذوا فى النباح))... وزعم الدجالون أنهم اكتشفوا الأماكن التى يتسلل منها الشيطان إلى جسد الإنسان، فكان المعالج/ النصاب يغرز إبرة فى جسد المريض، فلو أنه لم يشعر بوخز الإبرة، فهذا معناه أنّ هذا المكان هو الذى دخل منه الشيطان.

وذكر ديورانت أنه فى مقاطعة اللورين الفرنسية تـمّ حرق 800 إنسان بتهمة ممارسة السحر، وذلك على مدى 16 سنة... وفى ستراسبورج تـمّ حرق 134 إنسان بتهمة ممارسة السحر فى أربعة أيام من شهر أكتوبر 1582 وهكذا فى مدن أوروبية كثيرة... ولكن المهم هو أنّ الكاثوليك والبروتستانت فى ألمانيا اتفقوا -بالرغم من خلافاتهم المذهبية- على إعدام السحرة حرقا... وامتدتْ الخرافة لتشمل مقولة أنّ (طاعون الماشية) كان من أفعال السحرة.

إنّ وقائع حرق كل من تحوم حوله (شبهة) ممارسة السحر... وتجمع الناس فى الميادين لمشاهدة (حرق الأحياء) حتى التفحم، تلك الوقائع وأعداد الضحايا اعتمد ديورانت على ما نشرته الصحف المعاصرة للأحداث... وأضاف أنّ الباحثين الألمان قـدّروا جملة من أعدموا بتهمة السحر بمائة ألف فى ألمانيا فى القرن السابع عشر.

ولاحظ ديورانت أنّ أسوأ الأعمال الوحشية ((عمدتْ إلى اقتباس النصوص المقدسة لتبرير أعمالها الإجرامية)) وكما أنّ (شعوب ما قبل عصرالتدوين) آمنتْ وصـدّقت معتقداتها الدينية (قبل اليهودية والمسيحية) كذلك آمنتْ بالتوارة والأناجيل... ولما لم يفهم عامة الناس الأناجيل المكتوبة باللغة اليونانية، انتشرتْ ترجمات عديدة للأناجيل مكتوبة بلغة الناس... وعندما كادت تحدث فتنة بين كبار المتعلمين وأعضاء الكهنوت الدينى، بسبب هذه الترجمات، أوضح (علماء اللاهوت) أنّ (الروح القدس) استخدم أسلوب العامة المشترك ((حتى يتيسر للناس فهم النصوص المقدسة)).

وفى خضم هذا العالم المشحون بأقصى درجات التعصب الدينى والمذهبى... وُلد (كومنيوس) فى مقاطعة مورافيا التشيكية عام 1592 ودخل الكنيسة حتى صعد إلى درجة أسقف الأخوة... وبالرغم من الأحقاد الدينية التى جعلتْ حياته سلسلة متصلة من المحن والبلايا، فإنه ظلّ على إيمانه بفلسفة التسامح... و(معتقد الوحدة الأخوية)، وفى هذا الشأن كتب ((نحن أبناء عالم واحد... وفى عروقنا نفس الدم... وأنه من مظاهر الحماقة أنْ نضمر البغض والكراهية لإنسان لانعرفه لمجرّد أنه لايؤمن بديننا... ولا يتكلم بلغتنا، أو لأنّ أفكاره وآراءه لا تتطابق مع أفكارنا وآرائنا. إنى أتوسل لجميع البشر أنْ تكفوا عن هذه الكراهية. إننا بشر متساوون فى الإنسانية، فليكن لنا جميعا هدف واحد هو خير الإنسانية... ونقتل الحقد داخل نفوسنا بسبب اختلاف اللغة والدين (ديورانت- قصة الحضارة- المجلد15- الجزء 29، 30)

واختتم ديوانت هذا الجزء بقوله إنّ الخلافات الدينية كادت أنْ تقضى على روح ومبادىء البحث العلمى فى الجامعات..وبالتالى تـمّ التمهيد لتكريس استبعاد الخلافات السياسية والدينية والمذهبية، داخل الجامعات... والابتعاد عن المهاترات الكلامية.

وفى هذا العصر المشحون بالتعصب الدينى والمذهبى... والإيمان بالميتافيزيقا المُتمحورة فى الخرافة، بدأ يبزغ عصر جديد (عصرالعلم) والاكتشافات العلمية..وبصفة خاصة مع ظهور اسم العالم الكبير (جاليليو 1564-1642) وهو ما سأحاول الكتابة عن هذا التحول نحو التفكير العقلانى/ العلمى، بعيدًا عن الخرافة.