مِنَ الملاحظ عمومًا الضعف التدريجى فى عملية الخلق والإبداع لدى المبدعين عمومًا، ومنهم الشعراء. شاهدت ذلك لعدد من أعظمهم مثل أحمد فؤاد نجم وصلاح جاهين وعبد المعطي حجازي وغيرهم، وإن كان هذا لا ينفي وجود استثناءات ظلَّ أصحابها فى قمة يقظتهم وإبداعهم حتى الرمق الأخير، ومن بينهم رائد الشعر العامي فى مصر، بيرم التونسي، وكذلك عبد الرحمن الأبنودي وغيرهما، وعلى القمة من الجميع يأتى شاعرنا العظيم فؤاد حدّاد، هذا الرجل الذي كان إذا جُرِحَ ينزف شعرًا، وحين ينام يحلم بكلام مقفى.

هو فؤاد سليم أمين حدّاد، المولود في حيّ الظاهر في القاهرة في 28 أكتوبر1928، والده من بلدة «عبيه» بلبنان، وأسرته مسيحيّة مارونية. اهتمّ الوالدان بتعليم سليم حتّى تخرّج من الجامعة الأميركيّة في بيروت، متخصّصاً في الرياضيّات الماليّة، وجاء إلى القاهرة ليعمل مدرّساً في كليّة التّجارة في جامعة فؤاد الأوّل "جامعة القاهرة حاليًّا" ويحصل على لقب البكويّة، وعندما أُنشئت نقابة التجاريّين في مصر، منحتْه العضويّة رقم واحد.

أمّا والدته زكيّة، فهي من مواليد القاهرة في 19 حزيران/يونيو 1907، جاء أجدادها السريان الكاثوليك إلى مصر واستقرّوا فيها وولد أبواها في القاهرة، أبوها من عائلة أسود التي جاءت من دمشق الشام وأمّها من عائلة بولاد من حلب.

يقول فؤاد حدّاد عن نفسه:

"أنا مصريّ من أصلٍ شاميّ لا يغتفر احتشامي
هينطلق من حيشاني صوت الجموع المفرَد"

تعلّم في مدرسة الفرير ثمّ مدرسة الليسّيه الفرنسيّتين، واطّلع مبكّرًا على التراث الشعريّ العربيّ في مكتبة والده، وكان منذ طفولته يريد أن يصبح شاعرًا، ولمّا سُئل عن السبب أجاب: "لأساعد النّاس حتى تكون حياتهم أفضل".

بدأ فؤاد حدّاد النشاط الأدبيّ تزامنًا مع نشاطه السياسيّ كشيوعيّ حتى النّخاع، عام 1944، وهو تلميذٌ بالمدرسة حيث كان ينشر قصائده في الدوريّات الأدبيّة والجرائد الحزبيّة، وكان اسم أوّل دواوينه «أفرجوا عن المسجونين السياسيّين» وقد اختار هذا الاسم الجريء في تلك الفترة انطلاقًا من موقفٍ وطنيٍّ وسياسيّ واضح، وقد صدر هذا الديوان عام 1952 تحت اسم «أحرار وراء القضبان»، بسبب من الرقابة.

اعتُقل فؤاد حدّاد للمرّة الأولى من عام 1953 إلى عام 1956، وقد أفرج عنه لمدّة شهرين فقط عام 1954، وخرج من المعتقل ليكتب كما لم يكتب من قبل، وصدر ديوانه الثاني «حنبْني السدّ»، وكتب بعدها محتفيًا بكلّ حركات التحرّر الوطنيّ من كلّ أنحاء العالم. كما اعتُقل للمرّة الثانية من أبريل 1959 إلى أبريل 1964، وهي الضربة الأمنية الكبرى للشيوعيين المصريين وتجميعهم معًا في سجن المحاريق فى الواحات، وفى هذه السنوات الخمس كتب كثيراً، بل تفجّرت بداخله طاقاتٌ فذّة وصنعتْ تراثًا فريدًا، وقرّر أن يكتب كلّ يوم قصيدة ليرفع من الروح المعنويّة لزملائه.

كتب فؤاد عن كلّ شيء وعن كُل الناس، بنفَسٍ مصريٍّ وعربيّ وأمميّ. كانت فلسطين همّه الشخصيّ، وكان «الغلابة» شاغله الأكبر:

«مسحراتي من جنود الأرض..
منقراتي كل دقه بفرض..
أطلب غنايا زي أب ضناه..
القدس لاحت فى الطريق حضناه".

وما بين هذا وذاك، كان المؤسس الحقيقي "بعد بيرم التونسي" لشعر العاميّة المصريّة الحديث، يقول عن نفسِه:

"أنا والد الشّعرا فؤاد حدّاد
أيوه أنا الوالد وياما ولاد
أبالسه ربّيتهم بكلّ وداد"

وكانت آخر أبياته التي تركها على المكتب ليلة وفاته، يوم الأول من نوفمبر 1985، هي الملخّص الوافي لسيرته:

"مات اللي كان حالف يموت ولا يقطَع دابر
أمل المساكين في الأكابر"
منين يا عم إبراهيم؟
قال لي أنا من الطير
يا ميت صباح النعيم
ويا ميت صباح الخير
ما أحلى الشقا لما أشقى
بقلب أعقل وأشقى
من العقول الشقيّة
أعدل جناح الطاقية
وافتح عراوي الصديرى
لسه في حياتي بقيّة
تسأل عيوني اللي عاشقة
الطير مزاج والا نشأة؟
ولا الغرام اللي جابني
والجو صاحي وعجبني
أقول لك الحق يا ابني
كلنا من الطير".

عالم فؤاد حداد لا حدود له، فضاؤه رحب لا يعترف بمقاييس الجغرافيا الطبيعية، أرضه تتكلم العربي وسماؤه تظلل كافة البشر، وأشعاره تعبر عن الإنسانية، فمعانيها تهدهد قلب عجوز كوبي على شواطئ هافانا، وتمسح دمعة فلاحة من أعماق الريف بقرية صينية صغيرة، وترسم الابتسامة على وجه فتاة على ترعة المحمودية، فهو الشاعر الوفي لتعاليم جيفارا والباحث عن العدالة الاجتماعية فى ثورة عبدالناصر ضد الفقر والجهل والمرض.

انحياز فؤاد حداد للبسطاء فى قصائده ليس صدفة لكنه جزء من تكوينه الثقافي. فالشاب الذى طحنت جدران المعتقل عظامه فى مطلع الخمسينات بسبب تبنيه للفكر الشيوعى ظل وفيًا لأفكاره، رافضًا السير فى قطيع المهللين للسلطة، رغم تقديره لإنجازات عبد الناصر ومشروعاته القومية التى كتب فيها ديوانه «حنبني السد»، ولا عجب فى أنْ يحمل ديوانه الأول سنة 1952 عنوان "افرجوا عن المسجونين السياسيين» قبل أن يتغير اسمه إلى «أحرار وراء القضبان» لأسباب رقابية.

منذ بواكير حياته انحاز فؤاد حداد إلى الطبقات الشعبية الكادحة والمسحوقة والمستضعفة، وحارب الظلم والقهر والقمع والاضطهاد، وحلم بمجتمع المساواة والعدالة الاجتماعية، الذي ستبني صرحه سواعد العمال والفلاحين المعطاءة. وقد انتمى فؤاد إلى الحزب الشيوعي المصري وانخرط في صفوفه وشارك في معاركه النضالية والكفاحية ضد الفقر والجوع والاستغلال والانسحاق الطبقي، ودفاعًا عن الخبز والكرامة والفرح الإنساني، وعاش محاربًا على الجبهة الثقافية بقلمه الثائر حتى يومه الأخير، وجسَّد في قصائده العامية الغنائية الرفض المباشر والاحتجاج العنيف ضد القهر والجور، وراح يرثي الشهداء كما لم يرثهم أحد فى ديوانه الأخير "أيام العجب والموت"، وذلك بعد أن اجتاز عقبة مرضه في العام 1977 الذي كانت أهم أعراضه الدوخة. وفي الفترة من العام 1980 وحتى وفاته (خمس سنوات) كتب ما يقرب من ثلثي جملة أعماله، تاركًا لنا ثروة ثمينة من الشعر العامي، وأيضًا المنثور، تجارب عن السجن والفقراء والثورة والنضال والتضحية، الأحياء والشوارع.

يتميز ديوان "أيام العجب والموت" بمعجم شعري ثري تتنوع فيه المنابع التى استقى منها كلماته وأثبت فيها أنه لا توجد كلمات خاصة بالشعر دون أُخرى، كما استخدم الشاعر كلمات عربية فصيحة وصلت لدرجة أنه فى قصيدة "عين شمس" استخدمها فى صياغة تسعة أسطر شعرية كاملة دون أن يحدث بذلك أي خلل فى القصيدة، لكنَّ فؤاد حداد استطاع أن يوظف الكلمات الفصيحة فى قصيدة عامية عندما تطلبت منه الضرورة الفنية ذلك كي يتقمص الشاعر دور الدرويش المتصوف الذى يرى بقلبه ما لا يراه الآخرون حيث يقول:

أومأ الجثمان لا أهذي
أومأ الجثمان بالوهم
فى رثاء الميْتِ والتأبين
أومأ الجثمان يا قومي.


فى جميع قصائد الديوان توجد اٍشارات دالة على الذات مثل ضمير المتكلم وياء النسب وياء الملكية وفى بعض القصائد ذكر الشاعر اسمه واسم والده كما فى قصيدة "الطلق والتهنين ولادة الندى"، الأيام التى رحل فيها رفاق النضال جودة سعيد الديب ومحمد عباس وأم صفوت وفخري مكاري، هؤلاء الذين رثاهم الشاعر بحرقة ونحيب، ومن أمثلة ذلك قوله فى قصيدة "جودة سعيد الديب":

آدي أيام العجب والموت
جت بسرعه زي غمضة عين
ليه ما قلتش زي لمح البصر
كنت باتقلّب على الجنبين
والكابوس من كل جنب يجيني

وفى قصيدة "عين شمس" يقول:

غنوتي شكل اللي ضاع مني
فى مغيب الفجر أتعس مغيب

وفى قصيدة النبض "عن حصار بيروت" يقول:

بلغّوا بيروت باٍني حزين
فى الحواري محطة البنزين
ديدبان حارس على جسدي
انتباه الفجر للمغرب
العرب لابسين بدل عنكبوت
والمفتش كل يوم بيفوت.

و فى قصيدة "فخري مكاري" يقول:

قولوا كلمه كبيره تتحمس
تمشي تضرب فى الأراضي جدور
افتحوا الباب اللي متربس
سكتوا الغفر اللي فوق السور

وفى قصيدة "النبض" يقول:

كنت بالعربي باغني لكم
كنت حالف تحت عين الله
اٍني آخد حقي من موتي

ترتبط التشاكلات الدلالية فى ديوان "أيام العجب والموت " ببعضها البعض عبر عدة علاقات لتشكيل المسار الدلالي، فالعلاقة بين الذاكرة والذات علاقة تواصل حيث تتواصل الذاكرة مع الشاعر وتحرضه على مواجهة أيام الغياب والموت والنسيان وتذكره بنضاله القديم كما فى قصيدة "أم صفوت":

قلنا طول الليل ماونّينا
افتدينا النور بأغلى شهيد
معتقلنا اخضرّ باٍدينا
معتقلهم زي قطع الاٍيد

وهذه العلاقة هى المحفِّز والمحرِّك لرغبة الشاعر في استعادة قدرته على المقاومة ومن أمثلة ذلك يقول فى قصيدة "الماضي تحت الطبع":

قدّروا ان الدم كان عصفور
قدّروا ان الشمس كانت سر
لازم ارسم نفسي بالأحسن

ويدخل الشاعر فى صراع مع أيام الغياب والموت والنسيان ليستعيد ما ضاع منه كما فى قصيدة "الطلق والتهنين ولادة الندى" يقول:

قلبي زي رغيفي تحت الباط
ابتدينا من تلات سنوات
آدي أيام العجب والموت

وهنا تتدخل الذاكرة وتلعب دور المساعد للشاعر فى هذا الصراع. وفى قصيدة الاستغفار يقول:

يستحيل ان كنت ماشي فى نور
اٍن ظلّك يتمحى بالغصب

فتعود اٍليه غنوته التى ضاعت منه يرددها فى مواجهة أيام العجب والموت:

خلي صوتنا بعد موتنا مليح
مش عمل باطل وقبض الريح
مش كلامنا اللي هيبقى تراب.

يبقى ديوان "أيام العجب والموت". فالشاعر فى هذا الديوان يرتدي عباءة الراوي - شاعرالربابة، كما فى قصيدة "فخري مكاري"، يرسم فؤاد حداد أيقونة لهذا المناضل الراحل صديق دربه حيث يقول فى بداية القصيدة:

لما اغني يا ليل يا ليل تكبر
صوتي بيرد الولد لاسمر
اللي شبّ وقبّ واتخمّر
من عجينه وطينه مصريه
ربي يجعل صوتي قمريه
قادره ما تبطلش سجع وهديل
طول ما بتحس العطش والنيل
فخري كان زي النبات الأصيل

كان المنشدون وشعراء السيرة أسلاف فؤاد حداد يبدأون قصائدهم بذكر النسب العريق للبطل ولكن فؤاد حداد لم يجد أعرق من الطينة والعجينة المصرية بملمسها ورائحتها لينسب لها "الولد الأسمر فخري مكاري"، ثم يرسم الشاعرأمنيته أمامنا ويدعو ربَّه أن يجعل صوته قمرية تغني عن اٍحساسه بالعطش والنيل وفخري وأمثاله.

فى هذا الحوار رسم الشاعر عن طريق التمثيل الاِستعاري والرمزي بصوت فخري من منظور باطني صورة نابضة خريطة لقلب فخري الذي تشكل من الطينة المصرية حقلًا يرفض أن تحاط به الأسوار، نرى فيه السنابل وكيزان الذره والنور والشباب ونسمع الزغاريد/هذا القلب الحقل عندما أراد أن يكشف عمَّا في داخله ويغالب القهر والصمت دفع ثمنًا فادحًا ..

وفى المعتقل يصف الشاعر هجوم مأموري السجن على المضربين عن الطعام:

تدبح المغرب سِحن عامله
مشنقه لليل وتأبيده
الديابه برتبة المأمير
يصرخوا فى الناس أقف عندك
فخري من أربع آلاف كامله
اٍلتفت سمّاهم الهكسوس
الرموز سبقتنا والاٍشارات
انكتب نمشي على الجمرات
والسجون ندخل تلات مرّات.

كلام لا ينتهي عن الشاعر وعن الديوان "أيام العجب والموت"... أيها الشاعر العظيم، كم نفتقدك الآن