ألزهايمر بطعم الحنين
في كل عام لنا مع ذكرى النكبة وقفة .. تُبرى الاقلام وتُحبَّرُ الأوراق .. وخيمة
في إثر الخيمة تُنصب .. واللاجئون والمهجرون المكسورون والمنفيون .. يدخلون في رعب
الساعات المغبونة.
مشهد 1 :
باب الخيمة مفتوح كالأفق الشاسع .. الناس تجيء وتدخل .. والخيمة تكبر .. والناس
تجيء تجيء تجيء .. والخيمة تمتد وتمتد .. وتفيض بأهوال الحشر القسري وعذابات المنفى
. وتحتضن جيوش المذعورين الجوعى .. المسحورين الجرحى .. المذبوحين الأسرى ..
والقتلى الشهداء .
مشهد 2 :
الخيمة تكبر تحضن كل لجوء .. والناس تجيء .. وتضيق الارض بهم ..تلاحقهم كل كلاب
الطرقات .. تهرس أحلامهم عجلات الدبابات .. جرافات حمقى تغدو وتروح .. والحلم
الوردي تلاشى .. والناس تطير من أحضان الدفء الموعود تدخل في تيه الخيمة ..
وتلاحقهم كل سكاكين القادة والقوادين .. تطاردهم سنن الحكام المسلولة وتحاصرهم
أسياف الجوع ونار القمع .
مشهد 3 :
بات المنفى حمضا مسكوبا فوق الجلد .. والخيمة راية .. ومرور الأيام ينحت فوق جبين
المُهجَّر خارطة المخيم .. وجدى على باب المنفى .. كرةٌ من ثلج تنزلق على تجاعيد
وجهه .. تكبر تكبر حتى تبتلعه .. وما كان له يوما القدرة على أن يوقفها .. ظل قلبه
مفتوحا للريح .. لصرير النبض المزعج ينقر راسه .. حتى هشم ذاكرته .
مشهد 4 :
على باب المخيم جدي يجلس في سويعات المساء وقد احتل الزهايمر تلافيف ذاكرته .. وما
عاد يعرف منا أحدا .. يستجدى الريح القادمة من صوب شمال الغرب أن تحمل له ريح الارض
وعبق الليمون .. يجمع ما تبقى من ثيابه العتيقة، ومفتاح بيته القديم هناك في أسدود
.. يثقب الزهايمر ذاكرته .. يحمل بقايا ما تبقى من حنين لم يثقب ، يريد العودة إلى
( مسجد سيدى عامر ) ، يتفقد مسبحته الطويلة فقد حان وقت حلقة الذكر بالقرب من (
مقام سيدي المتبولى ) .
ديالوج :
جدى أين تذهب ؟!
ما عاد (نهر سُكْرِير ) يمر الآن ليقبل أعتاب ( مقام نبى الله يونس ) .. ولا عاد
السامر معقودا في ساحة شيخ الغرباء ( أبي الأقبال )..
ما عادت شجرات الجميز تحتضن الأرض .. أو ترشح بالشهد لسبعة أبطن .
نهاية :
في العودة السادسة لكرم التين .. والهروب الرابع نحو حدود الارض المحتلة .. سقط جدى
برصاص القناصة ، ليزرع فيه ثقبا آخر في القلب . ثقب الذاكرة أحياه فجلس على باب
الوطن محدودب الظهر ، كأغنية حزينة تنبعث من حقل فارغ .. ينظر إلى أسراب الطيور
المتعبة عائدة في المساء إلى أعشاشها .. كان يحلم .. ثم عصا .. ظل منفردا كالعصا ..
ناشفا وعاريا كالحصى .. لكن ثقب القلب وأد الحلم الممزق والوصية .. فمن يعيد لهم ما
ضيعوه من رمل وأحلام السنين .
توطئة :
عندما يطير غراب العمر .. ويعتلى الهم ظهورنا فتنحني تحت وطأة السنين .. تبدا
ذاكرتنا بالتسرب وتصبح أدمغتنا مثل غربال مثقوب .. فلا نعود نتذكر الأسماء المطروقة
ولا الأوجه المألوفة .. فتصبح ذاكرتنا موشومة وقد تكون رمادية أو بيضاء أشبه
بالشاشات في زمن التلفاز الأبيض والاسود ، وقد تكون رملية تتسرب منها الاحداث
كالماء لكن اهم ما يمكن ان توصف به هو الذاكرة المثقوبة وهى التي لا تؤتمن على ما
يرد اليها مثل القربة المثقوبة .
والذاكرة المثقوبة بخلاف الزهايمر فهو عضوي ولا حول للإنسان فيه ولا قوة، لكنها
عندما تثقب سياسياً وتاريخياً فذلك أمر من صميم ثقافة لا تقبل التراكم والتجارب
فيها مهما تعاقبت لا تقبل الجمع، لهذا فالعودة دائماً إلى أول السطر!
ربما من المفارقات العجيبة أن الغالبية العظمى من أجدادنا وآبائنا الذين هجروا من
بيوتهم وتركوا أرضهم وعاشوا الهجرة والشتات لم تفارقهم يوما ذكريات الوطن السليب
ولا حلم العودة لمراتع الطفولة والشباب .. وحين بدأ الزهايمر يغزوا أحلامهم مسح كل
ما فيها من ذكريات ولم يتبقى الا نفس الحلم القديم هو الارض والبيارة والبيت الذي
تركوه ورائهم مغلقا ولا زالوا يحتفظون بمفتاحه .. ما عاد أحد منهم يذكر شيئا إلا
ذكريات البلد وحياة القرية .. فيحملون أغراضهم .. ويتركون كل شيء ويسيرون صوب الارض
المحتلة غير عابئين بشيء ، واصلا لم يعودوا يذكرون شيئا بعد تاريخ الرحيل وكأن
الزمن داخلهم توقف هناك ويريدون العودة.
واليوم يريدون لنا ان نثقب ذاكرتنا كي ننسى؛ قبل ان يعيدنا الزهايمر إلى هناك قبل
مشهد الخيمة والمخيم .. ونعيد مشهد النهاية .
---
**(عز الدين المصري: مخرج درامي تلفزيوني محاصر في غزة)
عز الدين المصري | فلسطين