آخر صفحة



حمّل النسخة الورقية


بِضعُ ساعاتٍ في تقسيم

 

 

كفردٍ من الفئة المبتلاة بملاحقة ضواري المعيشة اليومية في صحاري الحياة حتى لا يكون فريسة الفاقة، وكالكثيرين مثلي في هذه المعمورة، لم تسمح لي الظروف يوماً بأن أكون سائحاً في بلدٍ أجنبي أو الخليج أو لبنان أو بلدي سورية أو حتى في تركيا التي لم أطئ صعيدها إلاِّ كشخصٍ لم يحظى حتى الآن بمرتبة اللاجئ، إلاّ أن الشعور بأن الواحد منا يشبه السواح يلازمنا متى ما عبرنا شارع الاِستقلال، أو جلسنا في مكانٍ ما بالقرب من تمثال الجمهورية الذي يظهر فيه مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك وعصمت إينونو وفوزي جاكماق، الواقع وسط ساحة تقسيم.

وحيث يرى الزائر لحي تقسيم بمدينة إسطنبول التركية أشكال وألوان لا بأس بها من البشر، ويتعرف على مختلف صنوف الأوادم، من أنبلهم وإن أراد بإمكانه الإلتقاء في ذلك المكان نفسه بأردأ ما قد يرى منهم وفق تصور اخواننا الممتعضين من مشاهد العُري هناك، إذ وبعد الجلوس في المقهى المواجه لتمثال الجمهورية الذي صمّمه النحات الإيطالي بييترو كانونيكا، وعقب الرد على إلقاء التحية لمن كان بجوارنا على طاولةٍ تكاد تكون جزءاً من الطاولة التي جلسنا حولها أنا وصديقي المُمعِن في صمته، وبعد عدة رشفاتٍ من الشاي التركي الذي لا ننكر جمالية طقسه مع تذمرنا من كاساته التي لا تريح الشفاه أثناء الشرب، وتالي عدة رشقاتٍ من جُملٍ تلمح إلى التعرف ومخاطبة الشخص الذي يجاورنا، وبعدَ التعريف الأولي الذي لم يدم أكثر من دقائق معدودات بيننا، تمت المباشرة بتبادل أطراف الحديث الذي دار بمعظمه حول انبهار الرجل بتوفر ما لذّ وطاب في شارع الاستقلال والأزقة الجانبية التي تفضي إليه، فخُيّل إلينا بدايةً وكأن المتحدّث من المعنيين بالدفاع عن حقوق النساء ومن ضمنهن فئة بائعات الهوى، وذلك من كثرة حديثه عنهن، وفرط إعجابه بالنماذج التي التقى بهن طوال مسيرته الذكورية، وتالياً بدأت علامات الاندهاش تظهر على محيا الحضور المؤلّف مني ومن صديقي الذي يجيد ممارسة الصمت حتى الثمالة من دون أن يقرأ أيّ شيء من عبارات الماليزي فيجاي أيسواران "في فضاء الصمت" والذي كلّما التقيته أيام الآحاد من إغراقه في السكونِ ظننتُ بأنه ممن تخرج على يد إيريك فروم وأخذ عنه الماجستير في فقه الإصغاء، أما الزائر العابر فبدا من خلال الثرثرة المتواصلة بأنه لا ينظر إلى طبيعة عمل المرأة بأي سوءٍ يُذكر، إنما يوحي للمصغي إليه بأنه يرحب في عالمه بكل معشر النساء الجميلات والمثيرات منهن والمؤمسات من ضمنهن على جهٍ خاص، باعتبارهن بارعات في فن الغنج والدلائل والمؤانسة والإمتاع، وذلك بناءً على ما بدر منه عِبر إغداقه لآيات المديح عليهن. لِمَ لا وبينما نقرأ في أساطير الأولين بأن فضل تخليص أنكيدو ـ صديق جلجامس لاحقاً ـ من الوحشية يعود لمومسات المعبد، ليغدو بعدها كائناً اجتماعياً مثلنا، فيترك بفضلهن مجتمعه الحيواني ويقيم في المجتمع الإنساني.

ومن باب الفضول والاستعلام قلنا له، أنا من خلال الصوتِ والصامتُ عبر الإيحاءِ:
ما هو أكثر ما يعجبك بتقسيم وبهن؟ أي بالموقع وبعموم النسوة الذاهبات والآيبات وخاصةً بائعات الغرام الوقتي.
قال أولاً: لا قيمة لمنطقة تقسيم ككل إن خلت منهن!
وأردف، ثانياً: هل سمعت بقصة الأمير ومدّاح البازنجان قال؟*
قلتُ: سمعتها وقد نسبها أحدهم للملك فاروق وخادمه، ومنهم من يقول بأن القصة حدثت بين الأمير اللبناني بشير الثاني الشهابي الكبير وخادمه.
فقال: إذاً أنا مثل ذلك الخادم، ولكني لست خادم أي أميرٍ أو ملكٍ أو رئيس، إنما أنا المختص بتقريظ إيقاع كل ما يتحرك من هضاب وتضاريس النساء من الأشجار والغيوم والطيور!
فتمتمتُ وقلتُ بيني وبين نفسي لعل الرجل هو الأقرب بيننا إلى منهج ومدرسة الشاعر عمر بن أبي ربيعة*.
فيما راح الزائر يستكمل العدّ ويسرد محاسنهن من غير أي توقعٍ بأنه طوال حديثه المشوّق عنهن ربما كان يحط من منزلتهن، باعتبار أن الأنثى لديه هي كل ما يتعلق بالوطء فحسب!
ثالثاً قال الرجل: في التعامل والتعاطي معهن، لا أشعر بأية مسؤولية أخلاقية أو أمنية أو صحية.
رابعاً: هن كالشيء الموضوع في مكانٍ عام ومشاع، وفي متناول أيّ عابر، فمتى ما دفعته الحاجات الغريزية لإفراغ ما في جوفه، قضاها في خزائنهن المفتوحة أبوابها على مدار الساعة أمام المحتاجين للتخلص مما يسبب لهم الحرج.
خامساً: السبب الأهم الذي يجعلني ملازماً أمكنة تواجدهن هو أنه بمقدور المرء تركهن في أيّ مفرقٍ أو زقاقٍ أو محطة، بل وبمستطاعِ الواحد منا رمي الواحدة منهن في الشارع كما يرمي فوارغ اسطوانات الجعة بعد إفراغها من محتواها في الوقت الذي يريد، وذلك من دون أن ينتابه ولو سنتيماً واحداً من شعورٍ ما له علاقة بالشيء المسمى بتأنيب الضمير.

ذلك كان أبرز ما تعلّق بذاكرتنا في يوم الأحد الذي خصصناه للتنزه حيناً في تقسيم ولكني بنفس الوقت نسيت تاريخه، هذا قبل أن نعبر الساحة ونتوجه بعدها صوب منطقة الحربيات، وحيث مكتبة توتيل العربية للإطلاع على آخر ما جلبه صاحب الدار الأريتيري من الكتب العربية المنشورة في لبنان والخليج العربي، ولكن الذي لاحظته عقب انفكاكنا عن ذلك الغارق في عالم الشبقِ، وبعد الحديث الشبه إباحي العابر مع الشخص العابر، أنه من كثرة ما كان زميلي المصغي مشدوهاً ومتلهفاً إلى سماع المزيد مما يتحدث به ذلك الزائر، خلت بأنه مع دوام استمتاعه بالإصغاءِ لما كان يتفوه به الشهوانيُّ العابر، راح يفكر جدياً بنصائح خالد السويدي عن طُرق التخلص من المرأة، وذلك في مكتوبٍ له تحت عنوان: (كيف تتخلص من زوجتك)، وهو ما يدل على أن اللغة السلسة والشهوانية للزائر تركت أثراً مباشراً على رديفي بدلاً من أن يحتقره ويحتقر مَن كُن موضوع الحديث كله، وهو حقيقةً كثيراً ما كان يحدث في سوريا مع الكثير من المواطنين عقب الفُرجة على المسلسلات السورية التي كانت تعرض مشاكل المجتمع من خلال الدراما للتقليل منها، أو تسليط الأضواء عليها بهدف تجنب تكرارها أو إيجاد الحلول لها، ولكن المصيبة الكبرى هي أن بعض المراهقين وأصحاب السوابق وبدلاً من أخذ العبرة والاتعاظ مما كان يورد في سياق تلك الحلقات الدرامية، كانوا يأخذون المعلومات المذاعة عبر المسلسل ويستفيدون من الأساليب المتبعة فيه، ومن ثم يطبقون الموبقات والفواحش والجرائم والسرقات نفسها على أرض الواقع، وذلك بناءً على المعلومات التي قدمها الممثلون في ذلك العمل أو غيره!

على كل حال هذا كان نموذج من الذكور الذين يتحدثون كثيراً وبشغفٍ ملحوظٍ، وشبقٍ واضحٍ، وإعجابٍ ملفتٍ للنظر عن جمال ومفاتن أجساد الإناث!! أما أي نموذج من السيدات أو الفتيات مستهدفات أو مقصودات بذلك الإطراء الدائم؟ فترديني أمواج التخمين صوب شطوط التصور بأن منظاره لا يسلط الضوء إلاّ على مَن يشتهيهن كما تشتهي الذئابُ لحومَ النِعاج.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الامير بشير الشهابي كان أحد أمراء جبل لبنان من آل شهاب، والذي يُعتبر أحد أشهر الأمراء في تاريخ لبنان وبلاد الشام، فيروى بأنه قال لخادمه يوماً: تميل نفسي إلى أكلة الباذنجان، فقال الخادم : الباذنجان؟ بارك الله في الباذنجان،هو سيد المأكولات، شحم بلا لحم، سمك بلا حسك، يؤكل مقلياً ويؤكل مشوياً ومحشيا ومخللا ومكدوسا، أما سلطة (بابا غنوج ) فهي من المقبلات المشهورة وسيد الاطباق يا مولاي.. فقال الأمير: ولكني أكلت الباذنجان قبل أيام وتوجعت منه. فقال الخادم : الباذنجان، لعنة الله على الباذنجان، فإنه ثقيل، غليظ، نفاح، يتسبب في حرقة المعدة ومؤذي ومضر بالصحة على المدى البعيد. فقال الأمير: ويحك يا هذا، تمدح الشيء وتذمه في وقت واحد؟ ضحك الخادم وقال: أنا خادم للأمير يا مولاي، ولست خادماً للباذنجان، فإذا قال الأمير نعم قلت له نعم، وإذا قال لا قلت لا وألف لا!.

* سألَ سليمانُ بن عبد الملك عمرَ بن أبي ربيعة المخزومي: ما يمنعك من مدحنا؟ أجابه الشاعر: إني لا أمدح الرجال؛ وسمي غزل عمر بن أبي ربيعة بالغزل الماجن وكان من بني مخزوم الذين يعتبرون من سادة القوم في قريش، ولد سنة 23هـ \633 م، حيث شبَّ مترفاً، بين الجواري، والحانات، لم تسلم من شرِّه امرأة، إلا وتغزل بها.