الرقيب الذي معي

 

 

صحيحٌ أنه وفق المنظور الإسلامي ثمة ملكان حاضران شاهدان على مجريات الحياة اليومية للواحد منا، ملكان يسميان بالرقيب والعتيد، يراقبان تحركاتنا، ويكتبان أفعالنا، ويحصيان كل ما نقوم به من أعمال الخير أو الشر، من غير أن نبدي أي انزعاج من وجودهم اللامنظور، إذ وحسب قراءاتنا المتواضعة عن مهام الملكين وصلاحياتهما، فما استنتجته أن الرقيبان المخفيان عن الأنظار لا يتدخلان في الشؤون الشخصية لمن تولوا مهام مراقبتهم، ولا مسموح لهما بفرض شروطٍ ما علينا سواء في الأعمال الحسنة أم القبيحة، إنما يكتفيان بالمراقبة وكتابة كل ما نقوم به من ممارسات وربما ما صدر عنا من الأقوال.

ومع عدم إنشغالي كثيراً بقصة الرقيبين الماكثين على طرفي الرأس وذلك باعتبار أن وظيفتهما حسب المنظور الديني فيها الكثير من قيم العدل والمساواة في الاحتساب، والعدل عادةً لا يتضايق منه إلاَّ من كان مائلاً للجورِ، لكني رغم ذلك فبخصوص الرقباء عامة، لا أخفي القارئ بأن مَقت اسم وسيرة وملامح الرقيب بدأ لديّ قبل أن أهتم بالمطالعة ومن ثم أدخل ملعب الكتابة بعد دراسة الإعلام، مع أنه في جلساتٍ ما رأيت بعض الأقران يُظهرون مراراً إعجابهم بالقائد الألماني أدولف هتلر الذي دمّر الفصول التراتبية في حياته، عندما انتقل من أسفل السلم العسكري في الجيش إلى أعلى سلطة في الدولة، إلاَّ أن ذلك لم يمنعني من أن أتذكر باستمرار أبشع المشاهد الواقعية من مسار حياتي العسكرية أوان خدمة العلم على مدار سنتين ونصف، ألا وهو المشهد التسلطي الفظيع لأصحاب الرتب الدنيا، ألا هم العرفاء والرقباء، باعتبار أن مهمة إنزال أقسى العقوبات، وإسقاط أزنخ الشتائم، ووظيفة رشق اللعنات من الفوّهات ما كانت تتم إلاَّ من خلال أفواه الرقباء وألسنة العرفاء المتشبهين بهتلر من دون أن يصل أحدهم إلى مستوى رِكاب طموحاته.

وإذا كانت ممارسات الرقيب أو المكتوبجي في عالم الصحافة والمراسلات الحكومية قد جعلت القارئ يضحك من قلبه، على ما كان يقوم به المكتوبجي في أواخر فترة الدولة العثمانية، إثر ظهور الصحافة في المشرق العربي مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وذلك من خلال انتزاع الرقيب لمفرداتٍ ما وردت في سياق الكتابات المنشورة في الصحف، مما جعل الجمل مشوشة للقارئ، أو ناقصة المعنى بكون العملية القيصرية آلت إلى بتر الفكرة، وحيث أن الحذف جهلاً من قِبل الرقيبِ ألحقَ الضرر بجمال العبارة، وصارت الفقرة في النص المكتوبِ كجدارٍ جميلٍ سقط منه حجراً هنا وحجراً هناك، ومن ثم وُضع مكان الفراغ كلمات أخرى تنفر من المحيط الذي زُرعت فيه الكلمات، كوضع أحدهم رسناً وسط محلٍ مخصص لاكسسوارات وحلي النساء، أو كمن يعلّق لوحة غالية الثمن في فضاء خيمةٍ بائسة تدل على شظف عيش القائمين فيها، الذين كانوا بأمس الحاجة لمئات الأشياء باستثناء تلك اللوحة التي أخذت المشهد العام الذي ينز فقراً إلى مناحي الترف السريالي.

وإذا كانت مراقبة الشريكة في المنزل لم تصل إلى المرحلة التي تجعلنا نفر من جلودنا ومن المنزل العائلي، مع أن الإفراط في تلك المراقبة قد توصل الواحد منا إلى المرحلة التي بلغها الروائي الروسي ليو تولستوي، الذي هرب من قفص الزوجية من وراء المراقبة الدائمة من قبل حبيبة قلبه الوحيدة صوفيا أندريفنا، زوجته التي لم يشرك سواها في قلبه طوال أربعة عقود، إلا أن الرقابة الخانقة من قِبلها على ساعات حياة زوجها، على أوراقه، على أحاديثه مع أصدقائه وأنصاره، دفعت بالروائي العظيم إلى ترك قصره المنيف وكل ممتلكاته ويفر من زوجته التي قضت على زوجها بالمراقبة الدائمة.

وإذا كان رقيب السلطة ظل يحرّض الأديبة السورية اللبنانية غادة السمان على المزيد من الإبداع، من خلال التحايل على ذلك الرقيب المخصص لمراقبة دبيب خطواتنا على الأرض، وبالتالي تستفيد الكاتبة من ملاحقات ذلك الراصد بدلاً من أن تتسبب تحرياته بتوقفها عن الكتابة، إلا أن مصيبتي الشخصية مع الرقيب هي أن رقيبي ليس من الذين يرفعون تقاريهم في الدنيا كرمى حساب الآخرة، ولا هو موظف لدى السلطة، ولا هو ذلك الممقوت الذي يُنفّذ أوامر المخابرات في مراقبة أنفاسي، لكنه رقيب من نوع خاص وبنفس الوقت لا خاصية محددة له، فهو هلامي وشبيه بقناديل البحر، القنديل الذي ينتاب المرء هواجس التحسس منه حتى وهو بعيد عنه، ومن مخاطر هذا الرقيب أنه معي وغدا يسكنني، وبات كالغراب الأسحم يمكث في رأسي منذ مدة، وصار حالي معه ألعن من حال الخاضع لرقباء السلطة بعدة درجات، لأنه لا يكتفي مثلهم بتحذيري، ولا يقتصر شغله على تهديدي إن تجاوزت الحدود في الشطح الفكري، ولا يمهلني لأعدّل الفكرة وأأتي بغيرها ترضي مزاجه، أو أغيّر الموضوع برمته، أو أخفف من نسبة الحدة في الذي كتبته، إنما وبلا رحمة يطالبني منذ ما يقارب الشهرين ونصف بحذف عشرات البوستات اليومية قبل نشرها على الصفحة الشخصية، كما طالبني أكثر من مرة بحذف مقالاتٍ بأكملها بعد أن انهمكت في رتقها الأيام والليالي، ورأيتني حيال التدوين في الآونة الأخيرة مع الرقيب الداخلي المسلط عليّ، كحال امرأة مع راعيها المستبد الذي كلما انتهت المرأة من حياكة رداءٍ بقيت مشغولة بنسجه أياماً أو اسبوعاً بأكمله، طالبها الرب المنزلي بإلقائه في سلة المهملات لأنها لم تناسب مزاجه الغريب، فتعيد المحروسة المحاولة على مضض وهي تحت رحمة سلطانه، ولا تدري إن كان عقب إنجازها سيرضى عن المنتج أم يطالبها بالرمي من جديد!؟.
 


 

لطفا إدعم الصفحات التالية   

 

مقالات رئيس التحرير   

 

إدعم مشروعنا الثقافي بالاعلان معنا