ماجد ع. محمد
|
إنتصار الشر في بروكار |
لا أنكر بأنه كان للحجر الصحي بسبب انتشار كورونا فوائد جمة إذا ما نظرنا
للموضوع من الجانب الإيجابي، منها أني كفرد من أفراد المجتمع السوري في المغتربات،
استطعت استغلال الزمن الذي كنت أقطعه يومياً في المواصلات بين مكان العمل والبيت
وهو حوالي 4 ساعات، فهذه المدة الزمنية قدرت الاستفادة منها كاملةً في القراءة
نهاراً، وليلاً في متابعة بعض المسلسلات السورية منها: (بروكار، ميادا وولادا،
هواجس عابرة) إلا أني سأتحدث ههنا عن بعض الانطباعات التي خرجت بها من مسلسل "بروكار"
ولا أنفي بأن الأحداث في الحلقات الأولى قدرت أن تجذبني لأتابع العمل، ولكن تكوين
الانطباعات عنه بدأ من الحلقة السادسة فصاعداً، وحيث راحت تظهر في المسلسل ملامح
البطل الصامت، الهادئ، الكتوم، البطل الذي لا يتفاخر بما قام ويقوم وسيقوم به، ولا
تظهر لديه أية شائبة من شوائب المباهاة والادعاء، وهو ما نلمسه في شخصيتي عصمت"يزن
خليل" وعزام الهمشري"سعد مينة" وهو الشيء الذي لم نعهده في الدراما التي تصور لنا
حياة الناس في تلك الفترة الزمنية، وحيث تعودنا على نماذج من العنتريات الفارغة
والهوبرة وجعير زعامات وقبضايات الأحياء الشعبية، والجميل الذي اجتمع في شخصية
البطل في دور عصمت أي الممثل يزن خليل هو أنه طالب في كلية الطب، ولكنه بخلاف زعران
الحارة فهو يقوم بما لا يقدر عليه أيّ مدعٍ أو متفاخرٍ منهم، وذلك من خلال قتله
للجنود الفرنسيين بطريقة غير استعراضية بخلاف اسلوب قبضايات الأحياء القائم على
التبجح والهوبرة، كما أن الجانب المكمل فيه لصورة البطل المحبب هو أنه من الفئة
المتقدمة علمياً على أهل الحي، وهو من الفئة الميسورة اقتصادياً، ومع ذلك لم يقم
بأيّ حركة تدل على الاستعلاء والتعامل بفوقية مع أبناء الحارة، وهذا النموذج غير
تقليدي ونخوته فريدة نوعاً ما من بين الفئة المحسوبة على النخبة المتعلمة أو
المثقفة في بلادنا، الفئة التي تدعو إلى التغيير في منتجاتها المعرفية، بينما
وجودها وتأثيرها في المجتمع الحقيقي هامشي جداً وغير فعال، وحيث أن الصورة المرسومة
لشخصية الشاعر أو الفنان أو المثقف هي أنه خائف، كسول، هلوع ومذعور، شخصية تمتاز
بالهشاشة وتمشي بجانب الحيط وتقول يا رب السترة؛ عموماً موقف البطل في ذلك المسلسل
التلفزيوني لم يذكرني إلا بالشاعر والفنان التشكيلي علي مراد في الحياة الواقعية،
وحيث أنه في فترة مكوثه في مدينة حلب قبل الثورة عاش كفنان وشاعر، ولكنه بنفس الوقت
كان مواطناً شرساً إذا ما تطلب الأمر، ومهيأ للانقضاض على كل من يتطاول عليه، ففي
بعض المواقف الحياتية كان ينسى تماماً بأنه فنان وشاعر، ولم يكن يُعامِل المُعتدي
أو المتطاول من زعران المجتمع إلاّ باللغة والوسيلة التي يفهم بها!!.
كما أن الشيء المثير للاهتمام والمميز في مسار أحداث الحارة وخاصة في الحلقة 9
فصاعداً هو نزع نساء الحي للملاءات عن أبدانهن والبراقع عن وجوههن كرد فعل على ما
جرى للصبايا في مشغل النساء، ولا شك أن قرار عضاوات الحارة في الحلقة العاشرة من
المسلسل هو بمثابة ثورة على العادات الاجتماعية ليس لأبناء ذلك الزمن فحسب إنما
وحتى بالنسبة لأناس الحاضر، ولكن اللامنطقي في الأمر هو سرعة تعميم ذلك القرار بين
نسوة الحارة الغارقة بالأفكار المتحجرة آنذاك، فكيف استطاع المخرج أن يعمل على
تحرير النساء من القيود الشكلية التي تكبلهن في حلقةٍ واحدة بينما هذا الأمر يتطلب
سنوات طويلة على أرض الواقع حالياً؟ وربما كان الموضوع سيكون أكثر إقناعاً للمشاهد
إذا ما قام بتلك الحركة التحررية نماذج معيّنة فقط من النسوة والفتيات في المسلسل
مثل الدكتورة انطوانيت أي الممثلة نادين خوري، وبثينة القوية والمتمردة بطبيعتها أي
الممثلة زينة بارافي، وأم عصمت أي الممثلة مها المصري باعتبارها من أكابرية المجتمع.
وثمة مقطع يشعر المشاهد وخاصة السوري حياله بشيء من اللامنطقية والذي جاء في سياق
حوارٍ بين الممثل وائل زيدان "سعدو" مع قرينه في السرقة معن عبدالحق "كرمو" في
الحلقة 17 بقوله له بأنهم بعد الاتيان بالمسروقات المدفونة في الجبانة وبعد أن
يتمكنوا من سرقة بيت عزمي بيك "زهير رمضان" سيتركون الحارة نهائياً وينتقلوا بعدها
للسكن في البنايات!! والسؤال الذي قد يخطر على بال المشاهد هو هل كان في زمن
الفرنسيين بنايات عالية أو أبراج سكنية في سورية؟ أم كان الكلام فيه ارتجال وزلة
لسان من قبل الممثل؟ أم أنه نوع من البهارات الفانتازية أضيف على الحوار؟.
كما ورد في سياق المسلسل حكمة يُشم منها روائح الوضاعة، وقد مرت على لسان شخصية
سعدو أي الممثل وائل زيدان في الحلقة الخامسة من المسلسل، ألا وهي جملة: " سرقة
الفقير فيها بركة أكثر من سرقة الغني، لئن ما من أحد يهتم بأمرها وتمضي كالبرق"
وحيث أن السرقة من الفقراء لا تشغل بال السلطات الأمنية والرأي العام، ولا تهتم بها
عيون أجهزة الشرطة ووسائل الإعلام، وعادة ما لا تكون حديث الناس في الساحات
والمقاهي والشوارع والبيوت، فيصرفها السراق وهم مرتاحو البال والخاطر بما أنه ما من
أحد يلاحقهم، وطالما كانوا بعيدين عن احتمالية الشك بهم وإلقاء القبض عليهم، بما أن
قضية السرقة والذين سُرقت منهم الأموال أو المقتنيات أو الأدوات المنزلية، لا
يرتقون إلى مستوى الاستنفار الأمني أو الشعبي! وذلك على خلاف سرقة الغني وحيث تكون
الحادثة موضوع الساعة، وتجعل عيون الإعلام والأمن عشرة على عشرة بحثاً عن اللص الذي
لا يتمتع عادةً بالأموال المسروقة بسبب انشغال العامة والبوليس والإعلام بها وبمن
سرق؛ كما أن اللافت في سلوك وممارسات كل من الشخصيتين كرمو وسعدو طوال حلقات
المسلسل أنه يتوافق تماماً مع ما ورد في محتوى المثل النروجي "يعتقد السارق أن كل
الناس لصوص".
وثمة حكمة شعبية معمول بها في سياق أحداث العمل الفني من دون نطقها أو التصريح بها
على لسان أحد، إذ أن المثل الشعبي: "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها" انطبق في المسلسل
بحذافيره على الممثلة نجاح مختار التي نهضت بدور ابتكار في المسلسل على ما قامت به
من تصرفات نتنة، منها: عملها كجاسوسة مع القوى المحتلة ضد أبناء الحي من أهلها
وناسها، وثانياً حرقها للمشغل من باب الغيرة والحقد، وما كانت تحفره وتتمناه
لقريناتها من الفتيات في المشغل، وذلك من خلال تعرضها للاغتصاب من قبل عناصر نفس
القوى التي كانت تتعامل معهم كجاسوسة ضد أبناء بلدها، وكذلك الأمر موتها من بين كل
الفتيات اللواتي تعرضن للإصابة بسبب حرقها للمشغل، إلاّ أن هذا المثل لم يقترب قط
من ديار محراك الشر الأساسي في حارة بروكار، ألا وهو شخصية هنائي أي الممثل قاسم
ملحو، وحيث أن هذا النموذج الكريه من البشر والمنتشر بكثرة في البيئات الشرقية يخرج
في الوقع على الأغلب سالماً غانماً من كل المصائب التي يجلبها إلى تلك البيئة،
ولئلا ينتصر ذلك النموذج المقيت في العمل الفني أيضاً، لا شك أن في مخيال المخرج
حبكة جاهزة عن نهاية وخيمة له تناسب مقامه المكروه في الجزء الثاني من المسلسل،
ولكن فلنفرض جدلاً بأن منتج ومخرج ومؤلف المسلسل لم تسعفهم الظروف لإنتاج الجزء
الثاني منه، ألا يعني ذلك بأن الشر انتصر في المسلسل وهو ما سيحز في نفس المتلقي
الذي كان يتمنى أن يلقى هذا البغيض على طول حلقات العمل جزاءه العادل، باعتبار أن
شخصية هنائي أخطر من أن يُقال عنها بأنها شخصية حسوده أو خطاءة أو فاسدة، إنما هو
عملياً الشيطان الأكبر في الحارة، الشيطان الماثل للعيان والمقيم الدائم بين أفراد
المجتمع والذي يبث سمومه كل لحظة بينهم، وليس الشيطان الهلامي الذي رسمته الكتب
المقدسة في أذهان الناس!.
أما الجانب الإيجابي في صورة المحتل الفرنسي التي يستنتجها المواطن السوري سواء
المقيم في مناطق النظام أم الماكث في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، هو أنه رغم
كل الصور القبيحة المركونة في الأذهان عن المحتل الفرنسي، إلا أن المتلقي يلاحظ
احترام المحتل الأجنبي نوعاً ما لأعراف وتقاليد المجتمع من خلال عدم ذكر أي حالة
مداهمة للمنازل أو كسر وتحطيم للأبواب والقفز من فوق أسوار البيوت والدخول عنوةً
إلى حجرات النساء على طول حلقات المسلسل، بينما حين المقارنة يكتشف السوري بأن جميع
القوى المتسلطة على رقاب السوريين راهناً من السوريين أنفسهم ياما أهانوا كرامات
الناس في الشوارع العامة وانتهكوا الحرمات أمام الأهل والعائلة والخلان، وياما
اقتحموا المنازل ومخادع النساء من دون أي استئذان من صاحب البيت أو من خلال حضور
المختار أو حضور وجهاء الحارة كما كان الأمر عليه في زمن الاحتلال الفرنسي الذي لم
يعد مقيتاً لهذه الدرجة مقارنةً مع سلوكيات المتسلطين على الرقاب من أبناء البلد
أنفسهم.
ـــــــــــــــــــــــ
بروكار: مسلسل سوري، من إخراج محمد زهير رجب، وتأليف سمير هزيم.