فؤاد النمري
|
شيوعيون يجهلون حقيقة الاشتراكية |
يحزنني بالغ الحزن أنَّ الشيوعيين اليوم، سواء من هم في القمة أم
في القاعدة، يجهلون جميعهم جهلاً مطبقًا حقيقة الاشتراكية، فينادون
بها كنظام اجتماعي مستقر قابل للحياة يقيم العدل والمساواة بين
الناس خلافاً لما قال به ماركس وهو أنَّ هناك فترة عبور نحو الحياة
الشيوعية، وهي الاشتراكية، حيث تقوم دولة دكتاتورية البروليتاريا
حصراً بإعداد المجتمع للدخول للحياة الشيوعية من خلال إلغاء مختلف
الحقوق الموروثة عن المجتمع البورجوازي، من دون إحلال أية حقوق
أخرى محلها. فالمجتمع الشيوعي لا جنس لأية حقوق فيه طالما أنَّ
الحق ذو حدود بورجوازية بما في ذلك الحق في الحياة. وبناء عليه لا
يعود المجتمع بحاجة لأية هيئة تفرض أية حقوق على الناس بما في ذلك
الدولة كهيئة مولجة بالقمع لحماية الحقوق التي تفرضها الأنظمة
الطبقية على المجتمع باستخدام مختلف أدوات القمع.
الحزب الشيوعي السوفياتي، وقد بات ألعوبة بيد الجيش حال اغتيال
ستالين وارتد عن الإشتراكية، قرر في مؤتمره العام الثاني والعشرين
في العام 61 إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا واستبدالها بـ
"دولة الشعب كله"، وهو ما يقتضي التوقف النهائي عن محو الطبقات،
على الرغم من أنَّ تعريف لينين للاشتراكية هو قصرًا محو الطبقات .
ذلك المؤتمر الفاضح قرر وقف الصراع الطبقي ومحو الطبقات لكنه لم
يعلن نهاية الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي، فكان أن استمرت
الأحزاب الشيوعية في العالم، باستثناء حزب ماوتسي تونغ في الصين
وحزب أنور خوجه في ألبانيا، تنتصر للاشتراكية في الاتحاد
السوفياتي، اشتراكية بدون دكتاتورية البروليتاريا !!
قال ماركس في "نقد برنامج غوتا" ما يلي ..
Between capitalist and communist society lies the period of the revolutionary transformation of the one into the other .There corresponds to this also a political transition period in which the state can be nothing but the revolutionary dictatorship of the proletariat.

ما بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي هناك فترة تحول ثوري
يترافق معها فترة عبور سياسي حيث تكون الدولة هي قطعاً دولة
دكتاتورية البروليتاريا.
ماركس يؤكد على أنه لا عبور اشتراكي من المجتمع الرأسمالي إلى
المجتمع الشيوعي من دون دولة دكتاتورية البروليتاريا، والشيوعيون
في العالم يقولون بوجود الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي بدون
دكتاتورية البروليتاريا، أي أن كارل ماركس كان غلطانًا!!
ما زال الشيوعيون حتى اليوم ينكرون مبدأ دكتاتورية البروليتاريا
ولذلك تراهم يجهدون وسعهم للإئتلاف مع شتّى نحل ما يوصف باليسار
طالما انهم يتشاركون سويًّا بإنكار دولة دكتاتورية البروليتاريا؛
وغني عن القول أنَّ كل حديث عن الاشتراكية بدون بروليتاريا هي أشبه
بالحديث عن الغول والعنقاء والخل الوفي. أدعياء الشيوعية هؤلاء لم
يعودوا شيوعيين بعد إلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا في الاتتحاد
السوفياتي في العام 61 فقط، بل منذ أن ألغى الحزب الشيوعي
السوفياتي الخطة الخمسية في سبتمبر 53 بصورة فظة وخلافًا للقانون،
وهي الخطة التي كانت ستؤكد النصر الحاسم للثورة الشيوعية على
الصعيد الاقتصادي في العالم بعد أنْ كان قد تأكد انتصارها على
الصعيد العسكري، واستبدالها بانصراف الاقتصاد السوفياتي إلى التسلح
وهو مناف للاشتراكية .
منذ أكثر من ثمانين عامًا والاتحاد السوفياتي لا ينتج غير الأسلحة،
فتجد روسيا اليوم أقوى دولة في العالم مع أن قوى الإنتاج فيها هي
أقل من قوى الإنتاج في دولة هامشية في أوروبا مثل البرتغال، على
الرغم من أنَّ سكانها هم أكثر من عشرة أمثال سكان البرتغال .
بعد أن تخلى هؤلاء الشيوعيون عن ماركس منذ ما قبل الستينات، لم
يعودوا يعرفون الاشتراكية . ولذلك انقلبت جميع الأحزاب الشيوعية في
البلدان المتخلفة كما هي في العالم العربي إلى أحزاب إصلاحية تقتصر
استراتيجيتها النهائية على إقامة الديموقراطية البورجوازية
والعدالة الاجتماعية، على الرغم من أن الماركسية اللينينية تنفي
نفيًا قاطعًا كلاً من الديموقراطية البورجوازية والعدالة
الاجتماعية كونهما تفترضان تجريد البروليتاريا من خصوصيتها
الثورية؛ أضف إلى ذلك أن الديموقراطية البورجوازية لا تقوم بغير
وجود البورجوازية يرافقها بالطبع طبقة بروليتارية والطبقتان غير
موجودتين في المجتمعات المتخلفة. وأما العدالة الاجتماعية فهي لا
تعني غير العدالة في استغلال العمال من قبل البورجوازية، والعدالة
والاستغلال متنافيان، لا يجتمعان على الإطلاق.
هؤلاء الشيوعيون الذين انقلبوا إلى إصلاحيين، على الرغم من أن
ماركس وانجلز كانا قد سطرا خطابا لعصبة الشيوعيين (Communist
League) في مارس 1850 يؤكدان فيه على أنَّ الإصلاحيين هم الأعداء
المباشرون للبروليتاريا، يدّعون أنهم وبعد أن فقدوا كل حيلة للعمل
الثوري بعد انهيار الثورة الاشتراكية، وكأنها لم تكن كما يعتقدون،
لم يعد يتسنى لهم سوى النضال من أجل إصلاح المجتمعات الماثلة
للوصول إلى الديموقراطية والعدالة الاجتماعية حيث يكون هناك أفق
للانتقال إلى الاشتراكية . مثل هذه الحيلة التي احتالتها الأحزاب
الشيوعية التي تحولت إلى أحزاب إصلاحية إنما هي تلفيق وكذب صراح.
لقد انعدمت تمامًا الثورة البورجوازية في البلدان العربية والبلدان
المماثلة، كما حكم التاريخ بذلك، فكيف بالثورة الاشتراكية!؟ وحدهم
المخابيل يفترضون مثل هذا الافتراض المخبول. بانعدام الثورة
البورجوازية تنعدم معها الديموقراطية البورجوازية.
لا تقوم الثورة الاشتراكية التي استشرفها ماركس إلَّا في مركز
النظام الرأسمالي العالمي، ثورة دائمة لا تتوقف “Permanent
Revolution” حتى النجاح النهائي في كل دول العالم . أي أنَّ
الاشتراكية في سائر الدول الطرفية لا تكون إلا دفقًا وامتدادًا
لثورة المركز وليس بسبب الصراع الطبقي المحلي . بسبب الثورة
المركزية في الاتحاد السوفياتي انتصرت الثورة الاشتراكية في بلدان
لم تكن قد وصلت إلى عتبة النظام الرأسمالي كالصين وفيتنام وغيرهما.
أين هي اليوم الثورة الاشتراكية المركزية العالمية لتمتد إلى بلدان
طرفية مثل الدول العربية؟!! إن دعوى الأفق الاشتراكي في بلدان
طرفية امتنعت عليها حتى الثورة البورجوازية هي دعوى ساقطة شكلاً
وغير مقبولة في محكمة التاريخ طالما لم يعد هناك ثورة اشتراكية
مركزية دائمة.
لكل ذلك لم يعد هناك أدنى شك في أنَّ الأحزاب الشيوعية التي انقلبت
إلى أحزاب إصلاحية إنما هي أرهاط الخونة من فلول شيوعيي الأممية
الثالثة “Comintern” . إنهاعصابات تبيع بضاعة فاسدة على العمال بأن
تقنعهم بما يسمى بالعدالة الاجتماعية، أي بقبولهم الاستغلال العادل
من قبل البورجوازية، وهو ما يسد الطريق إلى الاشتراكية انسدادًا
محكمًا وإلى الأبد، مثلما طرح الاقتصادي جون مينارد كينز (John
Menard Queens) نظريتة حول تأبيد النظام الرأسمالي واليوم بعد قرن
طويل يلحق به "الشيوعيون"!!
وما يضاعف الحنق في مواجهة مثل هذه الخيانة العظمى لقضية الشيوعية
هو احتفاظ هذه الأحزب باسم الشيوعية، الأمر الذي من شأنه الحؤول
دون تعرف العامة على الاشتراكية الحقة وعلى الشيوعية.
تستوجب أيضاً القراءة الماركسية لتاريخ الإصلاحيين الإشارة إلى
أنَّ الإصلاحيين على الطريقة الكينزية التي كانت تستهدف الحد من
احتدام الصراع الطبقي ربما كان سيكون لها أثر في إطالة عمر
الرأسمالية لولا أنَّ النازية استعجلت الاشتراكية للقضاء على
الرأسمالية بعد قضائها على النازية، أما الإصلاحية التي انتهى
إليها الشيوعيون بعد انهيار الاتحاد السوفياتي فلم يعد هناك
رأسمالية لتطيل عمرها. إصلاحيتهم ليست إلا صفرًا من غير التضليل.