عماد علي
|
حقيقة ماوراء مقتل جورج فلويد |
لا نبالغ إن قلنا أننا نرى يوميا ما تقترفه الأيادي الغاشمة من الجرائم ضد
الإنسان في كل بقع العالم وبدوافع مختلفة ولكل منها أغراض وأهداف سواء شخصية كانت
مصلحية أم سياسية، أو أخطرها، وهي فكرية عقيدية مبدئية تفرض نفسها على حامليها أن
يتصرفوا وفق ما تمليه عليهم هذه الأفكار والفلسفات التي هي وليدة الإنسان نفسه
ومنها ما فيه من الشرور النابعة من الأنفس الشريرة التي تربت في واقع شرير.
هنا لا نريد أن ندخل في فلسفة الحياة وما فيها وكيف أثرت كل تلك المبادىء والقيم
التي تعتبر حجر أساس للفلسفات المتعددة التي برزت بعد أن بدأ الإنسان بالتفكير وسار
على خطا ما تنيرها به أفكاره الطريق التي يسلكها، اي تعددت التوجهات والطرق والهدف
دائمًا تحقيق ما يهم الإنسان لدى الخيرين وإن وقعت بعضها عكس المراد وأدت إلى
الأضرار الكبيرة لحياة االنسان ومعيشته. وعليه نرى تسلسل التغييرات الكبيرة في
الافكار والفلسفات والإيديولوجيات كلما أفرزت منها السلبيات التي لم تطهر من قبل،
وثم يستمرون في التقدم ويتأملون عند مرورهم بمحطات كبيرة أو حدوث قفزات معتبرة في
ما هي دوافعهم وما تتضمن أفكارهم و ما يسيرون عليه، إلى أن وصلنا إلى المرحلة التي
تعد متنقلة فكريًا وفلسفيًا قبل أن تكون ما يمكن أن نسميها فوضى كبيرة من عالم
المتنقل إنسانيًا وهي ما نشاهدها في المرحلة الحالية.
شهدنا جميعًا الجريمة المدوية في دولة تعتبر نفسها ديمقراطية ومحافظة على حقوق
الإنسان والحرية العامة والخاصة، ومَنْ يمثلها يقتل بدم بارد مواطن بسيط في بلده
أمام أنظار الجميع وفي وضح النهار. إنه الشرطي الأمريكي الأبيض الحامل لكل تلك
الاحقاد المتراكمة من تاريخ بلده من التمييز العنصري منذ تأسيس بلده على أكتاف
الشعب الاصلي وعلى حسابه، والذي ارتكب جريمة لا تُغتفر وبدم بارد وتمثلت هذه
الجريمة النكراء بقتل المواطن جورج فلويد، ولم يهتم هذا الامريكي قلبًا وقالبًا
وفكرًا وعقلية وتاريخًا بما قيل له من قبل المارة بانَّ القتيل يحتضر تحت رجله، إلى
أن توفي وهو يئن تحت أقدام هذا المجرم. إنها جريمة ليست بحق فلويد فقط وإنما بحق
الإنسانية جمعاء.
إنها ليست الجريمة الوحيدة التي ترتكب هكذا وفي العلن في العالم وإنما يمكن أن تحدث
مثل هذه في كافة أنحاء العالم، بل حدث الكثير منها في تاريخ البشرية وفي العصر
الحالي في بقاع كثيرة في العالم وبالأخص في الدول النامية والمتخلفة، ولكن في القرن
الواحد والعشرين وفي وقت تسمي هذه البلد أنها محافظة على حقوق الإنسان وتدعي بأنها
مكافحة من أجل تحقيق ما يهمها من تلك الشعارات وتعتبر نفسها قائد العالم وحاملة
الفكر والفلسفة (الصائبة) التي يجب أن يعتمدها العالم جميعًا مستقبلًا، يحدث هذا في
بلد العم سام. ويمكن ان يقرأ كل منا ما وراء هذه الجريمة بتفاصيلها الكثيرة من حيث
تاريخ هذا البلد والحياة العامة له والسياسة الذي يتبعها والنفاق والتناقضات التي
تسيطر على السياسة العامة فيه، ولا يمكن أن نبعد ما رسخته الرأسمالية بشكل عام وما
تحويه من مقومات الجريمة في تحقيق أهدافها وتجسيد نفسها في المرحلة المتنقلة التي
تمر بها.
أما سياسيًا، فإن امريكا ترتكب الكثير من الجرائم بحق العالم من أجل ضمان مستقبلها
فقط بعيدًا عن كل الادعاءات التي تعتبرها إنسانية وتدعي أنها تؤمن بها؛ إنها موجودة
في كل بقعة من العالم وتفكر في نفسها فقط ولكن من يدقق في خطواتها عمليًا على الارض
ومن يقتفي خطواتها في كل بقعة من العالم يرى بشكل واضح التناقض في تصرفاتها وسلوكها
المعاكس لتلك الشعارات. وحتى وإن لم ترتكب هي بعض تلك الجرائم، وهي تقع بأيدي
حلفائها، فانها تبكم نفسها أمام أي جريمة ترتكب وإن كانت ضد المبادىء الاساسية التي
تدعي بأنها تؤمن بها، إن كانت هناك مصالح مادية ضيقة لها في اتخاذ الموقف السلبي
ذلك، وإنها تكبر أي موقف تعتبره ضد مصلحتها وإن كان متوافقًا مع ما تدعيه من
المباديء الرنانة التي تعلنها يوميًا وكأنها تؤمن بها وتعمل مِنْ أجلها؛ إنها تثبت
عمليًا بأنها تعيش في مرحلة متنقلة من كافة الجوانب وهي أمام اعتاب النقلة النوعية
ويحدث ما هو منتظر ومتوقع نتيجة المسيرة الاعتيادية للمراحل الطبيعية لتقدم حياة
الانسان، وما تؤثر هذه التنقلات بشكل مباشر وتلقائي على هذه الدولة قبل غيرها
عاجلًا كان أم آجلًا.
ولا بدَّ أن نقول إننا لم نستغرب مواقف أمريكا إزاء مثل هذه الجرائم في العالم وهي
كثيرة، فهل هناك من ينسى ما ارتُكب من مثل هذه الجرائم الخطيرة الكبرى ضد الكرد على
أيدي الطغاة وبالأخص الدكتاتورية الصدامية من الانفال وضربهم بالاسحلة الكيميائية
المحرمة من دون أن تنبس أمريكا ببنت شفة يوم كان من مصلحتها عدم النطق بما يحدث، لا
بل ساعدت هي نفسها هذه الحكومات الدكتاتورية على امتلاكها لهذه الاسلحة من أجل فرض
توازن القوى التي تفيدها هي ومن يحالفها في هذه المنطقة وفي العالم.
وعليه، إن هذه الجريمة أعادت للجميع الذاكرة المليئة بمثل هذه الجرائم والتي تراكم
عليها الغبار وفضت من آثارها وأثبتت من جديد أنها بلد المصلحة الذاتية فقط.