|
عندما يُصادف متلقي ما لا على التعيين عنوان هذه المادة في مكانٍ ما، من المتوقع
أن يتساءك بينه وبين نفسه، كيف يكون ناقد ومُستَخدَم في آنٍ واحد؟ بما أن كلمة
النقد تحيل إلى سلطة معنوية عالية، بينما المستخدم فهي بخلافها، لذا قد يدفعه
الفضول للقول بأنه ما من رابط منطقي قط بين مرامي كلمة الناقِد كعارف وبصير وشخص
يطل على المجتمع من أعلى منصة تقييمية فيه، وبين كلمة المُستخْدَم التي هي أقرب إلى
وظيفة الفَرّاش كأخفض مكانٍ يتحرك فيه الكائن البروليتاري، هذا بعد الاتكاء على
مخزون المعاني في ذاكرته، إلاّ أنه بعد إمعان النظر في الحالة السورية ككل عقب
التدخلات الاقليمية والدولية، وبعد انهيار اقتصاد الدولة والمجتمع على حدٍ سواء،
وظهور فئات كبيرة تعتاش على إطالة عمر الصراع والتناحر هنا وهناك، سيقول بينه وبين
نفسه بأن ميادين البلد غدت أكبر فانتازيا معاشة في الوقت الراهن، لذا فلوحة الوطن
البانورامية تسمح بتجاور كل المتناقضات البشرية فيه.
فصحيح أنه وفق القواميس تشير كلمة المستخدَم إلى مَن يؤدِّي عملاً في الحكومة مقابل
أجر معلوم، أما الفَرّاش فهو ليس أكثر من موظفٍ يقوم بإعداد المشروبات وتنظيف
المكاتب في الهيئات وقطاعات العمل المختلفة والتي يقابلها في الجيش وظيفة "الحاجب"،
بينما الناقد سواء أكان ناقداً فنياً أو أدبياً أو سياسياً أو اجتماعياً فهو الذي
يقيّم، وعادةً ليس بمقدور أيّ فردٍ كان أن يجلس على منصة التقييم في المجتمع،
باعتبار أن مهامه تتطلب بعض الصفات منها: القدرة على التمييز والخبرة والحصافة
وسلامة الذوق وسعة الاطلاع والموضوعية والتجرد، كما أن المفروض في ناقد المنتجات
الإبداعية أن ينتقد العمل الفني أو الأداء أو المنتَج الذي يُقدمه الكائن البشري
فقط، وإذا كان مدار النقد هو الأخلاقيات البشرية فعندها ينتقد السلوك الصادر عن هذا
الشخص أو ذاك، ولا يتعامل مع الشخص نفسه أو الجهة المقصودة بملاحظاته كأعداء وخصوم
أبديين، إنما عليه أن لا ينحاز وألا يتبع هواه فيما يتصدى له، ولكن الوضع في سورية
بعد التدمير الذي طال النفوس الآدمية والبنية التحتية شمل حتى البناء الفوقي في
المجتمع، وبناءً على ذلك الخراب أفرز الواقع فئة من المنتقدين والمعترضين لا يمكن
الركون لأحكامهم إلاّ إذا كان المتلقي من المجتمع المغيّب كلياً من قسوة الضربات
والمهيأ لتصديق واستقبال كل شيء يُقدم له عبر الموائد الالكترونية أو من خلال خوان
وسائل التواصل الاجتماعي!.
وعلى سبيل الذكر فمن بعض أبرز مقابح الانتقاد في بلادنا سواء في اللقاءات الواقعية
وجهاً لوجه أو في الفضاء الرقمي، أن يكون الدافع للانتقاد هو إظهار الناقد نفسه
بأنه لن يخرج مِن الحلبة إلاَّ كالمنتصر المظفَّر، باعتبار أن هاجس الفوز الحتمي في
الجولة الميدانية هو ما يهيمن على مخيلته قبل أن يدخل مضمار النقد كما كان الفارس
في العصور الغابرة يدخل حلبة المصارعة ليخرج في الأخير إما قاتلاً أو مقتولاً؛ فيما
الناقد المداهِم الميادينَ بتصوراته الجاهزة عن المُنتج أو عن صاحبه، فصورته لا
تشبه إلاَّ حامل الكلاشن وهو يقفز من فوق الأسوار متجاوزاً المحرمات، وبدلاً من
اقتصار عمله على حراسة وحماية القيم الجمالية والتدخل بأدب من أجل المعالجة، يكون
وضعه أقرب إلى وضع شخصٍ مبارزٍ أو منتقمٍ أو مجرد متسلطٍ حاقد.
كما أن النقد الذي يأتي على شكل الطعن بالآخر ويغدو وسيلة من وسائل تصفية الحسابات
مع شخص معين أو مؤسسة ما أو حزب من الأحزاب فهو ليس بأفضل من الذي قبله، وحيث أن
اللجوء الى انتقاد الآخر بهدف أخذ مكانه في المؤسسة أو إزاحته من المشهد في محفل
ثقافي أو اجتماعي، يكون الغرض الرئيس من النقد المزعوم ليس التصويب أو تبيان الخلل،
إنما يتم استعماله لأغراض شخصية صرفة، ولمصالح ذاتية لا شأن للإرشاد أو التسديد أو
حماية الذائقة المجتمعية به.
فيما الناقد المتعصب لرأي الجهة التي تحقنه بالأفكار إلى جانب بعض الفتات من المال
في كل ما يتناوله، فهذا النموذج الاعتراضي يحمل جملة مكسيم غوركي "خُلقتُ لأعترض"
كالسيف، ولكنه لا يستعمل ذلك السيف إلاَّ فيمن يُطلب منه جز أعناقهم، شأنه شأن
الموالي لعصابة ما أو لنظام سياسي معين، فوظيفته الأولى كموالي استقباح كل أصحاب
المآخذ وتبرئة النظام السياسي من كل ما يطاله، وذلك مهما تعاظمت مقابح ذلك النظام،
أو يغدو ذلك الناقد كشاعر القبيلة وحيث لا وظيفة لديه إلاّ تشنيع القبائل الأخرى،
الاستخفاف بهم، والتهجم عليهم، ومن ثم التفاخر بقبيلته على كل علاتها؛ وهو هنا حتماً
شخص هدّام وليس بناقد، بكونه يعمل كأي عسكري مستخدم، كل وظيفته تهيئة الحشد المتهور
للانقضاض على مكانٍ معين أو فئة معينة من الناس، أو تعبئة حشدٍ ما ضد جمهورٍ آخر،
وكل ذلك الخراب تحت يافطة الاعتراض الكلي للغير، بينما في الجانب الآخر لا يكون سوى
مطبّل ليل نهار لمؤسسته أو حزبه أو فصيله المدرّع أو عترته؛ وفي الأخير يبقى أردأ
منتقِد هو ذلك الذي يعترض على كل ما يصدر عن جهة معينة في الطلوع والنزول لا لأجل
شيءٍ سوى أخذ موقع مَن ينتقدهم.
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |