ما لكم لا تنطقون؟
 

 

هل أكلتم حصرماً فخرستم؟ والحصرم أول العنب، وهذا أوان الحصرم. وفي المثل: الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون أو يخرسون. يقول أهل اللغة: الميم في كلمة حصرم زائدة مأخوذة من الحصر وهو العجز عن النطق. والعامَّة تعتقد بأن أكل الحصرم في الصيف يورث لسان المواليد الصغار العجز عن النطق. والبروفيسور أحمد الريسوني يقول في الخرسان: عندما أراد إبراهيم عليه السلام أن يكشف لقومه أن آلهتهم مجرد أصنام عاجزين عن النطق قال لهم: فسألوهم إن كانوا ينطقون. فتبيَّن أنهم لا ينطقون، إنما هم أصنام. فمن لا يستطيع أن يقول لأهل الظلم والعسف: كفوا، اخسؤوا، ارحلوا، فهو عبد فاقد لحريته، والمعتقل الحقيقي هو من أعتُقل لسانه عن قول الحق، والحر الحقيقي هو من يقول كلمة الحق، ولو كان محبوساً بين الجدران قابعاً وراء القضبان. والحصير من الحصر، المك أو الحاكم، سُمي بذلك لامتناعه عن الأعين. يقول الشاعر: وقماقم غلب الرقاب كأنهم على باب الحصير قيام.

وفي عصرنا الحديث نادراً ما نجد الحاكم يخرج إلى الناس دون حرس وأمن بل نراه محاصراً من كل جانب، وكأن بينه وبين الرعية ثأراُ متروكاً. السؤال: كيف نشأت هذه الجفوة بين الحاكم والمحكوم؟ وهل الحاكم المؤتمن على رقاب العباد يتصرف وفق أهواء السلطة أم وفق مصالح الخلق الذين هو راعيهم والمسؤول أمامهم وأمام الله عن أحوالهم وأموالهم وأعراضهم وحياتهم؟

مع العلم أن الحاكم يستمد سلطته من الجماهير الغفيرة التي يحكمها وهو ملزم بتحقيق رغباتها لا رغباته وهو المسؤول عن معيشة رعاياه. وهناك قاعدة فكرية خطيرة ترجع إلى كونفوشيوس وتوسع فيها أهل الفكر في الحضارة الإسلامية تقول: إن أخلاق الناس تتبع سلوك الحاكم، فإن كان عادلاً مستقيماً عدلوا واستقاموا وإن جار وسرق جاروا وسرقوا.

يرى هادي العلوي -رحمه الله- أن سر الأسرار في هذه السياسة العرجاء أن رئيس الدولة يُريد أن يفكر ويعمل بالنيابة عن جميع الخلق. وما أن يقعد على كرسي القيادة حتى يكتسب صفات القدسية ويتحرك على قاعدة "كن فيكون" ويمكن التوصل من الاستقراء الميداني لتجارب الحكام أن القصور العقلي ملازم لأهل الدولة، وأن ما يُصيب البلاد والعباد من الكوارث هو في بعض أسبابه من نواتج هذا القصور العقلي للحكام، على أنه سبب واحد لا أوحد. والفعل الكارثي للدولة يأتي في المقام الأول من نذالة حكامها ولصوصيتهم وانحرافهم الأخلاقي وخساسة رغباتهم وبالجملة من صغر نفوسهم.

ولكن يا هادي ما تفسير ذلك؟

عندي أن نفس الحاكم يجتمع فيها من الشر ما "تفرق" في نفوس الأفراد وتفسيره أن وجوده في السلطة يجعله قادراً على استيفاء صفات الشر والفساد بسبب زوال الرادع الذي يجعل الفرد العادي يخاف من التهمة والحساب إذا اجتمعت فيه هذه الصفات. وخوف الفرد العادي يكون من الناس والسلطة القضائية، والحاكم لا يخاف منهما. ومن المعتاد ان يتصرف الحاكم بوصفه قوة ردع ضد المخالفات القانونية والأخلاقية مما يتيح له الانفراد بالشر والعدوان، لكونه آمراً لا مأموراً. وتدل التجارب على أن هذه الصفة مرافقة للحاكم العسكري بشكل دائم. والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، في الغالب حكامنا عسكر.