أسفار


ميراي يونس
لبنان


 

 
مجلة الكاتب

أخافُ منه
الفسيحِ الأزرقِ
يغدرُ بنا
يُغريكَ
يسرقُكَ
يُغرِقُكَ.

يُدغدغُ بالَهُ
حلمُ السَّفر،
الرَّحيل،
الهرب...
أخبروه أن الفرحَ يسكنُ تحت سماءٍ أُخرى...
كيف اقتنعَ بكلِّ هذه الأوهام؟

هاجرتِ النوارسُ
والزَّمنُ ليس موسمَ هجرة.

هَجَرَتْنا الأمكنةُ
تداعَتْ دروبُ الحنين
فأمطَرَتْ... دمعًا.

ذاتَ ليل،
حلَّ موعدُ سفرٍ ومطر...
وفصلُ بكاءٍ قارس.

تناثرَ
الشَّوقُ الحارقُ ثلجًا...
بومضةِ جَفن.

البحرُ، الزَّبدُ، الرَّملُ، النَّوارسُ، العصافيرُ، الشَّمسُ، الهواءُ، السَّماءُ، الفضاءُ، الهدوءُ، السَّكينةُ، الحرِّيَّةُ، السَّفرُ، الأحلام...
كلُّ المساحاتِ، والمسافاتِ، والكائناتِ، والأشياءِ ملكي وحدي..
الحياةُ تليقُ بي... والحبُّ أيضًا...

حارَ في سرِّه
من تكون؟
جنيَّةً
حوريَّةً
محارةً
سمكةً ذهبيَّة...
من حقِّك أن تسألَ،
طال الغيابُ يااااا... بحرُ...
هذه أنا!
عاشِقَتُكَ الأبديَّة!!

أرختِ الشمسُ جدائلَها الذَّهبيَّة
تبختَرَتْ بين الغيومِ
تغاوَتْ
وحدَه البحر تلقَّفَ أسرارَ رسائلِها
هَدَرَ موجًا
سبقَها إلى الموعد
انتظرَها...
وسرًّا
تعانقا في الأفق
عندَ المغيب.



رَكَلَ الملاكُ
كُرَةَ النَّار.
تدحرجَت.
أصابتِ الهدف.
هلَّلتِ الأرض.
غطستِ الشَّمسُ في البحر.

غار البحرُ منِّي هذا الصباح.
كان أُفقي أرحبَ من أفقه.

وضعتُ قُرصَ فطير الشَّمس
في سلَّتي، زوَّادتي...
ومَشيت.

كمثل الشطآنِ المتخمة بالأحزان
الحبلى بلآلئ الدَّمعِ الصَّافي... أنا،
كمثل حبَّاتِ رملِها
أبحثُ عن جزر الدِّفء
أفتِّشُ عن محارةٍ تحضنني...

الشَّوقُ وِسعُ قارَّاتٍ، ومحيطاتٍ، وبحارٍ، وأنهارٍ، وينابيعَ، ومدنٍ، وشوارعَ، وأريافٍ، وجبالٍ، ووديانٍ، وغابات...
تفصلنا المسافات... وملايين البشر...
وأنت قريبٌ، قريبٌ، قريب...

طاوَلْتُها
دَغْدَغْتُها
سمعْتُ ضحكاتِ ملائكِتها الصغار.
قريبةً منِّي جدًّا كانت... السَّماء.

تَصَوَّرْنا
نملك على مسارِ الزمن
نكنسُ منه الحزن
نطردُه نهائيًّا
نطرِّز دقائقَه
نزيِّنُها عصافيرَ وفراشاتٍ وياسمينًا
نُثمِلُهُ فرحًا وفرحًا وفرحًا...

ما نفعُ صورٍ
لا تلتقطُ الأحاسيسَ الدَّفينة
الرَّاسخة في أعماقِ أعماقنا...؟
أتحتاجُ الذِّكرى إلى تجسيدٍ
لمن يملكُ ذاكرةً ومشاعر؟...

سمفونيَّةُ العشقِ
عزفَتِ النَّسائمَ
فاهتزَّت زهوًا
خلاخيلُ القصب.

مالَ الطَّريقُ
ترنَّحَ
اتَّكأَ على عكَّازِ الرِّيحِ
نبتَ له جناحان
انضمَّ إلى سِربِ الطُّيورِ المهاجرة
وغارَ في أفق النِّسيان.


بينَ أرضٍ وسماء
عَلَّقَت دَوالي أحلامِها.
فلا لوَّحَ الحصرمُ العالي وطابَ
ولا طالَتِ العناقيدَ القريبةَ يدٌ
لتعرِفَ دربَ الخوابي، وتتعتَّق...

واحاتُ حنانٍ... أحلامي
لم تقصِدْها قوافلُكَ العطشى يومًا
أو حطَّت فيها ترحالًا.
قاسٍ يا ذا الطَّيف الذي أهيمُ بملامِحِهِ
أهجِسُ بها
ليلَ نهار...


جنِّيَّةُ الغابةِ
مَنْ قصَّ جناحَيْها،
مَنْ حوَّلَ أشجارَها فؤوسًا
وأحلامَها رمادًا...
انطفأتْ في السَّماء نجمتان...
أكانت النَّجمتانِ مُقلَتَيْها؟

عَزَفَتْ أوركسترا الهواء موسيقى الفالس
تمايَلَتِ الأوراقُ على الشَّجر
رَقَصَ بعضُها مع الأغصان
اصفرَّت أُخرياتٌ غيرةً
غضبَتْ، تساقطَتْ، تهاوَتْ
رويدًا رويدًا رويدًا...
فحلَّ خريف.

أترك مداخلة

Message

شكرا لمداخلتك
سوف يتم نشرها أسفل مادة الكاتب