المقال



حمّل النسخة الورقية

قصص يرويها ناجون من مذبحة
صبرا وشاتيلا

 

 

ماهر علي:
"رأيت عشرات الجثث أمام الملجأ القريب من بيتنا. ظننت في البداية أنَّ القصف قضى عليهم. بدأ القصف بعد مقتل بشير الجميل، كنا في المخيم خائفين من قدوم الكتائب والانتقام منا، لم ننم تلك الليلة وكان الحذر يلف المخيم".

هذا ما رواه ماهر مرعي - أحد الناجين من مجزرة صبرا و شاتيلا - وهو يصف ما حدث ليلة السادس عشر من أيلول 1982، قال :

"رأيت الجثث، أمام الملجأ مربوطة بالحبال لكنني لم أفهم، عدت إلى البيت لأخبر عائلتي، لم يخطر في بالنا أنها مجزرة، فنحن لم نسمع إطلاق رصاص، أذكر أنني رأيت كواتم صوت مرمية قرب الجثث هنا وهناك، ولكني لم أدرك سبب وجودها إلا بعد انتهاء المجزرة. كواتم الصوت "تتفندق" بعد وقت قصير من استخدامها، ولذا يرمونها. بقينا في البيت ولم نهرب حتى بعد أن أحسسنا أنَّ شيئا مريبًا يحدث في المخيم".

"رفض والدي المغادرة بسبب جارة أتت للمبيت عندنا، وكانت أول مرة تدخل بيتنا. زوجها خرج مع المقاتلين على متن إحدى البواخر ولم يكن لديها أحد، فقال أبى لا يجوز أن نتركها ونرحل. كان اسمها ليلى. كانت الجثث التي رأيتها أمام الملجأ لرجال فقط. ظننا أنا ووالدي أنَّ الملجأ كان مكتظًا فخرج الرجال ليفسحوا في المجال للنساء والأطفال بالمبيت وأخذ راحتهم، فماتوا بالقصف".

"كنت ذاهبًا يومها لإحضار صديقة لنا - كانت تعمل مع والدي - تبيت في الملجأ. كانت تدعى ميسر. لم يكن لها أحد هي الأخرى. كان أهلها في صور. أراد أبى أن يحضرها لتبيت عندنا. قتلت في المجزرة مع النساء والأطفال. رأيت جثتها في ما بعد في كاراج أبو جمال الذي كان يضع فيه الكتائبيون عشرات الجثث، بل المئات. كان المشهد لا يوصف !!! عندما دخل "الإسرائيليون" إلى بيروت الغربية كنا نعتقد أنَّ أقصى ما قد يفعلونه بنا هو الاعتقال وتدمير بيوتنا، كما فعلوا في صور وصيدا وباقي الأراضي التي احتلوها".

"أذكر أننى ذهبت صباح يوم المجزرة - وكان يوم الخميس في 16 أيلول - مع مجموعة كبيرة من النساء والأطفال لإحضار الخبز من منطقة الأوزاعي سيرًا (كان عمري 14 عامًا). كنا "مقطوعين" من الخبز وليس لدينا ما نأكله. رفض أصحاب الأفران يومها أنْ يبيعونا، كان الخبز متوافرًا ويبيعونه إلى اللبنانيين فقط مع انه كان متوافرًا بكثرة".

"عدنا إلى المخيم فلم نستطع الدخول، اذ كانت الطرقات المؤدية إلى المخيم جميعها مقطوعة، وكان "الإسرائيليون" يقنصون من السفارة الكويتية باتجاه مدخل المخيم الجنوبي".

"عند تقاطع هذا المدخل وبئر حسن، كان هنالك قسطل مياه مكسور، وكان أهالي المخيم يعبئون منه الماء رغم القنص. رأيت عند قسطل المياه "إسرائيليا" من اصل يمني يقتل فتاتين فلسطينيتين، لأنهما وبختا فلسطينيًا أرشد "الإسرائيلي" إلى الطريق التي هرب منها أحد الذين يطاردونهم، هكذا قالت أم الفتاتين التي كانت معهما وهربت عند بدء إطلاق الرصاص. حاول أهل المخيم سحب الفتاتين فقتل رجلان وهما يحملان جثتيهما، - قنصهما "الإسرائيليون" من السفارة - ثم ما لبث أهل المخيم أن سحبوهما بالحبال".

"يومها رأيت أرييل شارون في هليكوبتر أمام السفارة، أحسست أنه قائد "إسرائيلي" كبير، لم أكن أعرف من هو إلا بعد أن رأيته على شاشات التلفزيون بعد انتشار أخبار المجزرة. تمكنا بعد ذلك من العودة إلى المخيم في المساء، وكانت القذائف المضيئة تملأ سماء المخيم"؛ هنا، بدأ صوت ماهر يرتجف عندما أخذ يخبرني ما حصل في بيتهم تلك الليلة - أي الخميس وهو أول يوم في المجزرة.

قال ماهر:
"عندما أخبرت والدي عن الجثث، طلب منا أنْ نلزم الهدوء وألاَّ نصدر أي صوت. تتألف عائلتنا من 12 شخصًا، ستة صبيان و أربع بنات وأبى و أمي. كان أخواي محمد وأحمد خارج البيت وهما أكبر مني سنًا. كان الباقون في البيت وجارتنا ليلى عندنا. قرابة الفجر، صعدت أختي إلى السطح مع ليلى كي تطمئن على بيتها. كان النعاس قد غلبنا أنا وأبى - إذ بقينا ساهرين ننصت إلى ما يجري في الخارج ونسكت أختي الصغيرة التي كانت تبكي من وقت لآخر. لم نشعر بصعود ليلى وأختي إلا عندما نزلتا".

"كانتا خائفتين فقد رآهما المسلحون. ما هي إلا لحظات حتى بدأنا نسمع طرقًا عنيفًا على الباب. عندما فتحنا لهم أخذوا يشتموننا و أخرجونا من البيت ووضعونا صفًا أمام الحائط يريدون قتلنا".

"أرادوا إبعاد ليلى إذ ظنوا أنها لبنانية لأنها شقراء، وأبعدوا أختي الصغيرة معها لأنها شقراء هي الأخرى وظنوا أنها ابنة ليلى ! رفضت ليلى تركنا، أخذت أختي تصرخ وتمد يديها إلى أمي تريد "الذهاب" معها، كان عمرها أقل من سنتين وكانت ما تزال تحبو، في تلك اللحظة، كان جارنا حسن الشايب يحاول الهرب خلسة من منزله، فأصدر صوتًا وضجة أخافتهم. كان هناك شاب من بيت المقداد يطاردهم ويطلق عليهم النار ويختبئ، كان اسمه يوسف، لمحته تلك الليلة عدة مرات، أعتقد أنهم ظنوا في تلك اللحظة أنَّ الضجة صادرة عنه، لذا أدخلونا إلى البيت وهم يكيلون لنا الشتائم، طلبوا من والدي بطاقة هويته، وما إن أدار ظهره ليحضرها حتى انهال الرصاص علينا جميعًا كالمطر. لم أعرف كيف وصلت إلى المرحاض واختبأت فيه، وفي طريقي إلى المرحاض وجدت أخي الأصغر إسماعيل فأخذته معي و أقفلت فمه. رأيت من طرف باب المرحاض كل عائلتي مرمية على الأرض، ما عدا أختي الصغيرة. كانت تصرخ وتحبو باتجاه أمي وأختي وما أن وصلت بينهما حتى أطلقوا على رأسها الرصاص فتطاير دماغها وماتت. إسماعيل وأنا لم نتحرك".

"لزمنا الصمت فترة. لم اعد أستطيع التنفس، فحاولت بلع ريقي لاستعادة تنفسي وكنت مترددًا في فعل ذلك. إذ كنت - عادة - أصدر صوتًا عندما أبلع ريقي وخفت أن يسمعوا الصوت ويأتوا لقتلي. وبالفعل، عندما فعلت كان صوت البلع مسموعًا من شدة السكون الذي سيطر على البيت لكنهم لم يسمعوني، فقد خرجوا بعد أن نفذوا جريمتهم. كان كل شيء ساكنًا، أمسكت الباب كي لا يتحرك لأنه كان يصدر - في العادة - صريرًا. خفت أن يسمعوه فيعودوا ورحت أحركه ببطء شديد. كما اعتقدت أنهم ربما لاحظوا غيابي وأنهم سيعودون لقتلي. لذا انتظرت بعض الوقت، وعندما تيقنت من خروجهم وعدم عودتهم خرجت من المرحاض و أبقيت إسماعيل فيه".

"بدأت أتفقد عائلتي. والدتي تظاهرت بداية بالموت وكذلك أختاي نهاد وسعاد، ظنًا منهما أنني كتائبي. ولكنْ، والدي وباقي إخوتي "الخمسة" وليلى كانوا جميعًا أمواتًا، كانت أمي مصابة بعدة طلقات وكذلك نهاد وسعاد. أمي ونهاد تمكنتا من الهروب معي وإسماعيل، بينما سعاد لم تستطع للأن الطلقات أصابت حوضها وشلت".

"تركناها وخرجنا لإحضار الإسعاف - يا لسذاجتنا- ولم نكن نعرف ماذا ينتظرنا في الخارج، الذين دخلوا إلى بيتنا كانوا خليطًا من القوات اللبنانية وقوات سعد حداد، إذ كان بينهم مسلمون ولا يوجد مسلمون إلا مع سعد حداد. عرفنا أنهم مسلمون من مناداتهم لبعضهم. كان بينهم من يدعى عباس و آخر يدعى محمود. بعد خروجنا من البيت تهنا عن بعضنا البعض. بقيت أنا وإسماعيل معًا، وأخذوا يلاحقوننا من مكان لاخر".

"أخذت أنبه الناس لما يجري، فكثيرون كانوا ما يزالون في بيوتهم، يشربون الشاي ولا يدرون بشيء. اختبأنا في مخزن طحين ثم ما لبثوا أنْ اكتشفوا أمرنا فهربنا مجددًا. أطلقوا الرصاص علينا، هربت وعلق إسماعيل ولم يجرؤ على عبور الشارع. كان في الثامنة من عمره، عدت إليه وأمسكت بيده وهربنا معًا. ثم ما لبثنا أن وجدنا جمعًا حاشدًا من النساء والأطفال كانوا يجرونهم إلى المدينة الرياضية حيث يتمركز "الإسرائيليون" فانضممنا إليهم".


نهاد علي:
"بقروا بطن جارتنا". كانت نهاد أخت ماهر في الخامسة عشرة من عمرها في ذلك الوقت. الآن هي متزوجة ولديها ستة أطفال، قالت إنها كانت تحمل اختها الصغيرة على يدها عندما بدأ المسلحون بإطلاق النار. "لا أعرف كيف سقطت من يدي، أصيبت بطلقة في رأسها وأنا أيضًا وقعت على الأرض. أخذت اختي تحبو - وتفرفر - باتجاه أمي وهي تصرخ ماما... ماما... أطلقوا الرصاص على رأسها فسكتت على الفور".

"جارتنا ليلى كانت حاملًا. عندما أصيبت بدأ الماء يتدفق من بطنها، وماتت. تظاهرت بالموت، وبعد خروجهم بقليل - لا أدري بكم من الوقت - بدأتُ أتفقد الجميع. فهمست لي أمي : ارتمي وتظاهري بالموت قد يعودون. أجبتها لا آبه، فليعودوا ! عندها خرج ماهر - وإسماعيل في ما بعد. كنت أظنهما ميتين. ما إن رأيت ماهر ارتميت على الأرض، فقال : لا تخافي أنا ماهر. عندها اطمأننت أنا ووالدتي، وقمنا لحمل اختي سعاد ومساعدتها على النهوض فلم نستطع. لقد كانت مشلولة. طلبت من ماهر وإسماعيل أن يهربا إلى خارج المخيم وأن يركضا بأقصى سرعة حتى لو أضعنا بعضنا. لم يكن معنا مال، إذ اخذوا كل مالنا".

"كان معنا عشرون ألف ليرة خبأناها في "كيس حفاضات" اختي الصغيرة، رغم أنني تظاهرت أنَّه مجرد كيس حفاضات! كان المسلحون يتكلمون بالعربية، لكن البعض منهم لم يتكلم على الإطلاق، كانوا شقرًا، وعينوهم زرقاء. عندما هربنا، أضعنا ماهر وإسماعيل وبقيت مع أمي على أمل أن نذهب إلى مستشفى غزة لإحضار إسعاف إلى سعاد. أخذنا نتنقل من بيت إلى آخر ونحن ننزف".

"كثيرون لم يصدقوا في البداية أنَّ مجزرة تحدث في المخيم، إلَّا عندما رأونا مصابتين والدم يغطينا. وصلنا إلى مستشفى غزة فوجدنا أخوي الكبيرين أحمد ومحمد هناك أمام المستشفى. كانت الناس تتجمع عند مدخل المستشفى. كانوا يصرخون والرعب يسيطر عليهم. كان الصراخ رهيبًا، كأنه يوم القيامة. تركنا المستشفى بعد أن نزعوا منا الرصاصات وهربنا إلى منطقة رمل الظريف".

"تعبت أمي كثيرًا من انتفاخ صدرها بالحليب، فأختي الصغيرة كانت ما تزال ترضع قبل أن تقتل، ومع موتها بدأت أمي تعيش حالة الفطام! كان فطامًا نفسيًا وجسديًا لم تستطع تحمله فمرضت كثيرًا". سألتها عن أختها سعاد التي بقيت في البيت، قالت إنهم عادوا إلى البيت وضربوها "بغالون المياه" وأطلقوا عليها النار مجددًا! "بعد الحادثة، لم نعد نتكلم مع بعضنا عما جرى. كنا نخاف على بعضنا من الكلام. لذا، لم اسأل سعاد شيئا!".

"عندما أذهب أحيانًا لأنام عند والدتي، أذهب إلى بيتها في الروشة - الذي تسكنه كمهجرة منذ المجزرة. لا أحب أن أنام في بيتها في المخيم، - حيث جرت المجزرة لأني عندما أذهب إلى هناك لا أنام أبدًا. قليلًا ما تأتي أمي إلى بيت المخيم. بل هي لا تهدأ في مكان منذ حادثة المجزرة، وتتنقل باستمرار بين بيوت الأقارب والأصدقاء. لم نعد كما كنا أبدًا. تصوري أننا عدنا وفقدنا أخي إسماعيل في حرب إقليم التفاح".

نهاد التي نجت من المجزرة، لا تجد اليوم ما تطعم به أطفالها، رغم تردادها عبارة "الحمد الله". زوجها عاطل من العمل منذ سنوات، هو يعمل في البناء، لكن الأجور المتدنية التي يتقاضاها العمال الآخرون تقضي على إمكانية أيجاد أي عمل، حتى لو قبل أن يعمل بأجر زهيد، فان ذلك الأجر لا يكفيه، بسبب الغلاء الفاحش في لبنان، وهو لا يستطيع إيجاد أي عمل آخر بسبب التقييدات المفروضة على عمل الفلسطينيين في لبنان.

أم غازي: الجرح ما زال ينزف
"ثمانية وثلاثون عامًا مضت على المجزرة. كأنها البارحة"! قالت أم غازي التي فقدت أحد عشر شخصًا من أفراد عائلتها. "لا تقلقي يا ابنتي" - قالت لي "أنت لا تذكرينني بشيء. فأنا لم انس كي أتذكر والجرح ما زال ينزف. عندما جاء المجرمون إلى بيتي كنا نقيم ذكرى أربعين ابنتي. كانت قد توفيت في المبنى الذي قصفه "الإسرائيليون" في منطقة الصنائع، وكان مقرًا لأبو عمار".

"جاء أفراد عائلتنا من صور للمشاركة في ذكرى أربعين ابنتي وكانوا جميعًا هنا - نساءً ورجالًا. لم نكن نسكن في هذا البيت بل في الحي الغربي المتاخم لشارع المخيم الرئيسي - كان يوم جمعة. قتل يومها اخوتي وأولادي وزوجي وأصهرتي". عندما دخلوا علينا كانوا اثني عشر مسلحًا، يحملون البنادق والبلطات والسكاكين، لم نكن نعرف بالمجزرة بعد. كان الباب مفتوحًا والبيت مزدحمًا بالنساء والأطفال والرجال".

"فصلوا الرجال عن النساء والأطفال. كانوا سيأخذون ابني محمود وكان يومها في الثامنة من عمره. قلت لهم "هذه بنت" فتركوه. اقتاد أربعة منهم النساء والأطفال باتجاه المدينة الرياضية وبقي الرجال في البيت تحت رحمة الآخرين. أخرجونا من المنزل حفاة. مشينا على الزجاج المحطم والشظايا. في الطريق تعثر ابني بالجثث المذبوحة والمرمية هنا وهناك وكان يحمل أخته الصغيرة. صرخت قائلة "باسم الله عليك"، فانتبه المسلح وقلت له وهو ينتزعه من بين يدي: "دخيلك. لم يبقَ لي غيره". طلبت منه أنْ يقتلني بدلًا منه. أتوسل و أتوسل - لكنه يصر على قتله. قال إنه يريدني أن أعيش بالحسرة والحزن طيلة عمري. وبينما أنا أتوسله وأرتمي على بندقيته و أديرها عن ابني، وضع يده خطأ على صدري. كنت اخبأ في "عبي" اثنتي عشر ألف ليرة فانتبه وسألني ماذا اخبأ. قلت "إذا أعطيتك إياهم تعطيني ابني، فقال نعم. طلبت منه أن يقسم بشرفه، ففعل !!!! أعطيته المال وأخذت ابني الذي كان يرتجف من الخوف. منذ ذلك اليوم ظهرت خصلة بيضاء في شعره".

"وصلنا إلى المدينة الرياضية فوجدنا "الإسرائيليين" هناك. أخبرناهم بما يحدث وطلبنا منهم أنْ يساعدونا ويذهبوا لإنقاذ أولادنا ورجالنا، قالوا: لا دخل لنا. هؤلاء لبنانيون منكم وفيكم. وحبسونا في المدينة الرياضية طيلة النهار. كانوا يتكلمون العربية. عند المغرب، أخرجونا قائلين: إياكم أنْ تعودوا إلى المخيم. اذهبوا إلى مكان أخر".

ذهبنا إلى الجامعة العربية سيرًا. وجدنا سوريَيْن، ظننا في البداية أنهما "إسرائيليان"، فقد كان شعرهما أشقر وعيناهما زرقاوان. أخبرناهما بما حصل لنا، وقلنا لهما أننا نبحث عن مكان نبيت فيه. فتحوا لنا الجامعة، و أعطانا أحدهما بعضًا من ثيابه مزقناها ولففنا الصغار بها، إذ لم يكونوا يلبسون ثيابًا كافية عندما خرجنا، لم يكن لدينا قرش واحد. لم ندرِ إلى أين نذهب، ولم نعرف شيئًا عن رجالنا وأولادنا. في أربعين ابنتي فقدت زوجي و أربعة أولاد وستة من أفراد عائلتي".

أم غازي لم تسكن في بيتها مجددًا، اذ لم تحتمل ذلك. عندما عادت إلى المخيم استأجرت منزلًا آخر. تهدم بيتها القديم في حرب المخيمات، وتعيش الآن في ظروف مادية سيئة للغاية. كانت تتكلم على مهل وترتجف طيلة الوقت. تعيش منعزلة عن محيطها في ألم لا ينتهي.

شهيرة أبو ردينة:
"انقضوا على الرجال بالبلطات". شهيرة أبو ردينة التي ترفض التكلم عن المجزرة عادةً، تكلمت وأخبرتني ما حدث. قالت: "كنا في الغرفة الداخلية نختبئ من القصف لأنها أكثر أمانًا وبعيدة عن الشارع - يقع بيتها في الشارع الرئيسي حيث جرت المجزرة الأساسية - كنا كثرًا في المنزل - قالت: بقينا فيه حتى الصباح. كنا نسمع أثناء الليل صراخًا وإطلاق رصاص. عرفنا حينها أنهم يقتلون الناس. كانوا يتراكضون في الأزقة القريبة من بيتنا، فلم نجرؤ على الخروج. عند الفجر، خرجت أختي لتتفقد الحي وترى ماذا يجري".

"ما إن أصبحت في الخارج حتى صرخت "بابا" بصوت مرعب ثم سمعنا إطلاق الرصاص. خرج والدي وراءها فقتل أيضًا. (وجدت جثة أخت شهيرة في ما بعد - مربوطة إلى النافذة وكانت منتفخة جدًا. كان عمر اختي 17 عامًا. أخي كان في الرابعة والعشرين من عمره. وزوجي في الثالثة والعشرين وابن عمي في الأربعين، أمَّا والدي فكان في الستين. جميعهم قتلوا. جاءوا صباحًا واخرجونا من البيت، وضعوا الرجال أمام الحائط وانقضوا عليهم بالبلطات. وانهمر عليهم الرصاص كالمطر ثم اقتادونا إلى الشارع الرئيسي وكنا نساءً وأطفالًا فقط. وضعونا أمام الحائط، وما إن هموا بقتلنا حتى سمعنا "إسرائيليًا" يصرخ بالعبرية".

"لم نفهم ما يقول، لكنهم هم فهموا وتوقفوا عن قتلنا بعدما تحدثوا معه بالعبرية. عندها أخذونا إلى المدينة الرياضية وحبسونا عند "الاسرائيليين" في غرفة صغيرة، وكانوا طيلة الوقت جالسين معنا يشحذون البلطات والسكاكين. أخبرنا "الإسرائيليين" ماذا يفعلون بنا في المخيم، فلم يهتموا. بقينا هناك، إلى أن بدأت الانفجارات. بدأت الالغام المزروعة في المدنية الرياضية تنفجر، فهرب "الإسرائيليون" إلى ملالاتهم، وهربنا نحن باتجاه الكولا ".

محمد أبو ردينة؛ حاولوا ذبحنا على الطريق:
محمد أبو ردينة ابن عم شهيرة كان في الخامسة من عمره عندما حدثت المجزرة. قتل يومها والده واخته وصهره. أخبرني محمد كيف قتلوا اخته. قال:"كانت حاملًا عندما قتلوها".

"بقروا بطنها وفتحوه بالسكاكين وأخرجوا الجنين منه ثم وضعوه على يدها. والدي قتل أمام بيت شهيرة ابنة عمه. كنا نختبئ تلك الليلة في بيت عمي. أنا وامي واختي اقتادونا مع الباقين من نساء العائلة وأطفالها إلى المدينة الرياضية وحاولوا ذبحنا على الطريق. كنت صغيرًا ولم أعِ ما يحدث لنا. لم أعِ، إلا أنني كنت خائفًا جدًا. وعيت أمر المجزرة عندما كبرت بسبب الظروف الصعبة التي عشناها بعد ذلك".

"تدمر بيتنا في حرب المخيمات وأصبحنا بلا مأوى نتنقل من مكان إلى آخر. دخلت في ضياع تام بعد مرض أمي. في عام 1992 جاء أحدهم وأحضر لها شريط فيديو عن المجزرة فرأيت والدي واختي".

"عندها أُصيبت بجلطة في الدماغ، تحولت بعدها إلى مجرد صورة. كانت تتوه في الطرقات فأذهب للبحث عنها. كنت في حوالى الرابعة عشرة من عمري وليس لي احد. وجدت نفسي مضطرًا للاهتمام بها بدل أن تهتم هي بي، إلى أن ماتت عام 1995. اضطررت للعمل وأنا صغير جدًا. والدتي عملت لبعض الوقت في تنظيف مكتب علي ابو طوق اثناء حرب المخيمات. كان علي يعطف علينا وساعدنا في ترميم بيتنا. أنا الآن وحيد وليس لي احد. المجزرة غيرت مجرى حياتي ودمرتني".

محمد ابيض شعره بعد المجزرة مباشرة وهو في الخامسة من عمره والمأساة حفرت عميقًا في قسمات وجهه. يبدو الآن أكبر من عمره بعشر سنوات على الأقل. قال إنه يسعى حاليًا للهجرة. إذ لم يعد يحتمل الحياة هنا!

القتل ذبحًا أو بكواتم الصوت منع الفلسطينيين من معرفة ما يجري في المخيم. كثيرون لم يصدقوا أنَّ مذبحة تجري في مخيمهم. روى العديد من أهالي المخيم كيف كانوا يتجمعون في بعض المساحات يتسامرون ويتناقشون ويشربون القهوة. بينما تجري على بعد امتار منهم عمليات ذبح وقتل. في ساحة الجامع، أخبرنا بعض المسنين كيف لم يصدقوا أنَّ مجزرةً تحدث في المخيم إلَّا بعد قدوم نساء واطفال تغطيهم الدماء.

قال "ابو محمد" إنه كان ضمن وفد الرجال الذي تشكل لمقابلة "الإسرائيليين" وتسليم المخيم لهم كي تتوقف المجزرة. كان ابو محمد "الوحيد" الذي نجا من الوفد، إذ تخلف عنهم وذهب لإحضار بطاقة هويته من المنزل. سرعان ما قتل اعضاء الوفد رغم خروجهم حاملين شرشفًا أبيض. أخبرني أحد الرجال الذي رفض ذكر اسمه أنَّ المخيم كان محاصرًا بالجيش "الإسرائيلي" من جميع مداخله. "عندما علمنا بالمجزرة أردنا أنْ نخرج لكننا خفنا أنْ يقتلونا. عند ذلك قام أحد الشباب بإشعال قنينة غاز ورميها في مخزن للأسلحة في المخيم. بدأ المخزن يتفجر فهرب "الإسرائيليون" والكتائب بعيدًا عن مكان الانفجار. عندها تمكنا من الخروج من طريق على مقربة من المخزن المنفجر".
 


   

 

لطفا إشترك في الصفحات التالية   

 

المزيد من مقالات العدد 48   

د. وليم نصار
ما يجب أن يُقال
 


الفضل شلق
في معاقبة العاصمة بيروت الكوزموبوليتية

 


فؤاد النمري
رسالة مفتوحة إلى الرئيس الفلسطيني

 


فريق الكاتب اليساري
38 عامًا على مجزرة "صبرا وشاتيلا".. جراح لم تندمل

 


د. أسامة الأشقر
وصية الشهيد نوح إبراهيم إلى أهل البحرين

 


عدنان الصباح
اننا نواصل القول ... انهم يواصلون الفعل

 


فريق الكاتب اليساري
38 عاما على صيرا وشاتيلا ... كيف حدثت المجزرة؟

 


عبد الرزاق دحنون
في ذكرى صبرا وشاتيلا

 


ماجد ع. محمد
إعلاميات

 


عصام محمد جميل مروة
مجازر صبرا وشاتيلا حصاد الصهيونية والعنصرية

 


د. ناجح شاهين
ذكريات محمد عساف ورحلة السلام الخليجية

 


د. هاني الروسان
هل هو تمهيد فلسطيني للخروج من المقاربة الاخلاقية؟

 


فريق الكاتب اليساري
قصص يرويها ناجون من مذبحة صبرا وشاتيلا

 


د. جاسم الصفار
وهم التطبيع

 


د. إبراهيم إبراش
إغتيال السلام باسم السلام

 


كاظم ناصر
المنظمات الإسلامية ودور الإفتاء والتطبيع مع إسرائيل