مخيال... عالم ما بعد الشيطان


أكرم هواس
العراق


 

المقال

مجلة الكاتب :: أكرم هواس

 

 ليس غريبًا ان يخرج الرئيس ترامب ليطمأن "رعيته" في اركان العالم ان الشيطان قد زال وان العالم سيكون بأمان بعد قاسم سليماني ...!!..

هكذا هي الطقوس و الرئيس ترامب كونه الكاهن الأعظم في مملكة الرأسمالية لابد ان يخرج كل مرة يتم فيها القضاء على "متمرد ثائر" في وجه النظام الأبوي ليبارك "يد العدالة" التي جلبت السلام الى الارض...

ذات الطقوس قيلت سابقًا عند القضاء على البغدادي وقبله بن لادن والرئيس بوش قالها ايضا عن صدام والقذافي وربما كررها رؤساء امريكا السابقون عن كاسترو وعبد الناصر وچي غيڤارا وستالين وهتلر و وووو... هي ذات الفكرة التي قادت امريكا على اساسها حروبها في شرق اسيا ( الفلبين وإندونيسيا وكمبوديا ولاوس وفيتنام وكوريا) لان شيطان الشيوعية كان على وشك الهيمنة على العالم ..

منذ البدايات الاولى للتطور المجتمعي فان النظام الأبوي لا يوفر فرصة حقيقةً لان تكون مختلفا عن بنيته السيكولوجية والتأويلية حتى في داخلك ... اما اذا أعلنت عن رأيك فذلك مؤشر ان الشيطان قد "مسك بضر" .. واذا حاولت ان تغير شيئا فأنت متمرد يستحق القتل ... والقتل .... كان دوما الآلية الاكثر "شرعية" في الحفاظ على النظام الأبوي... !!.. هكذا تعلمنا قيم "السماء "كما يؤلها "الراسخون" في علم السياسة والمتحكمون بالأرض وما عليها...!!..

لكن لماذا لا يريد الله القادر على كل شيء ازاحة الشيطان عن مملكته ... سؤال لم تجد الفلسفة الدينية منذ ظهور الأديان ايجاد جواب له... ولا ندري ان كانت ثنائية "الله والشيطان" هي ضرورة لديمومة الحياة ..؟؟!!..

في محاولة فهم متلازمة "الله والشيطان".. كنت قد كتبت مجموعة مقالات بالاضافة الى كتاب تتناول اشكالية الثنائيات التي تطغى كثيراً في الحياة الاجتماعية بمختلف تقاطعاتها كونها كانت تاريخياً وما زالت تلعب دورا جوهريا في تحديد مفاهيم البشر وتشكل "المنطلق الأساس" وان كان بشكل غير وعيوي في مأسسة التطور الفكري وبناها الفلسفية...

جدلية العلاقة بين الله والشيطان تحولت عبر التاريخ من بنى أسطورية الى نظريات علمية وبالتالي مؤسسات اقتصادية وسياسية ... فكرة الصراع بين الانسان والطبيعة والصراع من اجل البقاء وكذلك فكرة بناء الدولة مقابل المجتمع وكذا سلطتها المطلقة او النسبية مقابل طاعة الشعب او مشاركته المحددة كلها نماذج لديمومة الجدلية وتمظهراتها التطورية ...

التاريخ يعلمنا ان "اشكالية الثنائية" تحولت مع التطور الفكري للانسان وبالتالي التطور السياسي والهياكل التنظيمية للمجتمع وشبكات العلاقات .. الى لعبة سياسية يلعبها اصحاب السلطات في العالم ... والولايات المتحدة التي اصبحت تلعب دور الإله وضعت هذه اللعبة أساس تعاملها مع شعوب الارض ودولها وكياناتها المختلفة ...

وفي ذاكرة العديد من شعوب الارض فان الولايات المتحدة لا تفرق بين "الحق و الباطل" كما يسميها البعض... او العدالة في التوزيع ومكافحة الفقر والتوازن البيئي ... ولا يهمها ان كان الثائر يحمل افكاراً بهذا الاتجاه او تلك... ما يهمها هو ان لا يظهر من يبحث عن بديل ... حتى وان كان هذا "المتمرد" مجرد طفل يصنع خيالات من رمال على شاطئ منعزل ...

قاسم سليماني ... كما قلت عن تشافيز فنزويلا في مقالة سابقة ... لم يكن قديسًا... لكنه كان يمثل محاولة للعب في الجغرافية الهائجة بين "الله والشيطان" حاملًا صليب القدس ... فذهبت ظنون الأمريكيين صوب بعد اخر للصراع "الحضاري" كون المدرسة الإنجيلية في الولايات المتحدة تؤمن بحدث كوني اسمه "نبوءة ترامب" التي ستتحقق لاحقا ويظهر للعالم بان الرئيس ترامب هو "كورش العصر" الذي سيغير العالم ... أو المسيح الذي تنتظره الارض ان يهبط على القدس ... (للمزيد انطر مقالة بعنوان "ما هي النبوءة التي يسعى ترامب لتحقيقها".. BBC العربية)

هكذا قيل ايضا عن دور الرئيس بوش في حربه المقدسة ضد "محور الشر" وتدمير العراق... كما قيل قبل ذلك عن مغامرة الرئيس ريگان المقدسة في تخليص العالم من "شر نورييغا" ... وربما سيقال ذلك يوماً عند القضاء على وكر كوريا الشمالية المحصن...!!..

ربما من الغباء ان نسأل اين يسكن الشيطان ومن هو "اللا شيطان"... لكن لماذا لم يساهم قتل چي غيفارا في حل مشكلة ملايين الفقراء من امريكا اللاتينية في وجه جدار ترامب على الحدود المكسيكية .. ولماذا ظهر البغدادي بعد بن لادن ولماذا طغت داعش بعد صدام..؟؟..ولماذا يكثر أعداد الجوعى والمشردين في العالم ... هل كل هذا من "رجز الشيطان".. ام انها لعبة "الثنائية" التي لا تنتهي ..؟؟..

الان ...لا ندري ان كان ذهاب قاسم سليماني يعني اندحار "للنظام الشيطاني" في ايران وبذا ينعم اهل الارض بالسلام كما يتمنى معارضو "نظام الولي الفقيه" ... ام ان الحضارة التي انجبت كورش التاريخي ستعيد "المستضعفين في الارض" الى حيث يشاؤون ... كما يعتقد "المقاومون"..؟؟..

ما نراه ان سماء العراق حيث خرجت روح قاسم سليماني غدت تمطر نيراناً وأرضه تموج بالعيون الجاحظة بحثاً عن المزيد من القتل ... لكن المشهد الاكثر قتامة هنا وهناك في عالم اليوم ان الصراع اصبح هوية الطامحين للسلطة والفوضى تشل حياة الناس وان البشرية ما تزال "تتعمد" في برك الدماء...

لماذا ولماذا وكيف ووو ..؟؟؟.. انها الدوامة الفكرية والفلسفية امام واقع لا يوفر الكثير من الوقت لندرك تقاطعاته...

أترك مداخلة

Message

شكرا لمداخلتك
سوف يتم نشرها أسفل مادة الكاتب