المقال
"نُصاب بالهوس النحوي وبالتدريج نرى أنفسنا نَعُدُّ ضبط النحو بديلاً
عن ضعف المضمون"
*عارف حجاوي*
في مكانٍ وزمانٍ ما، كثُر التدافع، وازدادت المزاحمات من قِبل الصحفيين والمستكتبين
على المردود الذي كانوا يحصلون عليه من الصحيفة، كما تتزاحم عشرات الأيدي لقطف بعض
حبّات الكرز المتدلية نحو الشارع من فوق سور بيتٍ ظل بابه موصداً بوجه أغلب من مروا
به أو قصدوه، هكذا كان حال المناخ الذي يعيش فيه المستكتب مجاهد، ذلك الصحفي الصلب
المراس بخصوص فرص الحياة وحيال مجمل ما يؤمن به، كما كان الإيمان باحتراف الصنعة
على اصولها قاعدة حياتية لديه يسير على سكتها منذ سنوات، ولكنه رغم امتلاكه تاريخاً
كاملاً من صكوك النزاهة التي قد تجعل بعض ممتلكيها جهمين غليظي الأحكام، كان هو
بخلاف ذلك متسماً بالود والسلاسة في التعامل مع مسؤولي التحرير في المؤسسة التي
تعاقد معها ككاتب صحفي يقدم لها مقالات أسبوعية لقاء ما يجعله يعيش حياة لا بأس بها
مع توفيره كل شهر 200$ لقادمات الليالي.
ولأجل أن يمرِّر مجاهد آراءه كالماء من بين أصابع رئيس التحرير، من دون أن يشعر
المسؤول بدبق المتسرب أو خطورته، ولئلا تُنشر مواده منقوصةً بعد تعرّضها للبتر
وأوامر الحذف من الرئيس، قال في سره: أنا لا أجيد فن التعظيم والإطراء، ولا لي خبرة
في التودُّد من أي شخص لوقتٍ محدّد من الزمن لقاء الحصول على غرضي منه، ومن ثم
الدوس على أوَّل ذيلٍ له يلوّح أمامي.

ولأن مجاهِد لا يمتلك ما يفيض عنه حتى يُغرق الرئيس بالهدايا التي تجعله يتغاضى عما
يراه من تجاوزات فيما يكتبه، ولا لديه واسطة من الأعلى حتى يستخدمها للضغط عليه
كلما أبدى المسؤول انزعاجه من قصةٍ أو زاويةٍ ما من الزوايا التي ينشرها مجاهد كل
أسبوع، ولا لديه صديقة بارعة الجمال ومثيرة لحد انتصاب المسؤول أمامها كعودٍ وحيدٍ
على المنحدر بعد أن أغرى وادي الشهوات رفاقه بالسقوط إلى حوافِ سيقانها واحداً تلو
الآخر! ولأنه لا يمتلك إلاَّ رأسه الذي يطبخ فيه الأفكار، ويقدمها كطبقٍ شهيٍّ
للقراء كل اسبوع، ولأجل أن يمرِّر أفكاره بيسر، ومن دون أن تتعرض للتشويه حين
المرور من أمام مقصلة رئيس التحرير؛ لجأ مجاهد بدايةً مع أحد رؤساء التحرير إلى
استفتاح زاويته بكلماتٍ لها مفعول سحري على قبطان الصحيفة، كلماتٍ تجعل مسؤول
التحرير ثملاً لمجرد أن يتجرع عدة رشفاتٍ من المكتوب، وبعدما يتأكد بأن المقدمة قد
قادته الى مناحى الرضا وهو نشوان، فيدس حينها مجاهد أفكاره في سياق المادة التي
يوافق على نشرها القبطان من دون أن يدري ما تم تمريره من الرؤى والتصورات بعد
انطرابه الثمل.
إلاّ أن ذلك الأمر لم يدم طويلاً مع مجاهد حتى استبُدل رئيسه بآخرٍ على النقيض منه،
وعليه إذن أن يعرف ذائقة المسؤول الجديد وما الذي يحب وما الذي يكره.
ولكن البُشرى لاحت تباشيرها مرةً أخرى في فضاء الصحيفة، ومن حُسن حظ مجاهد أن
الرئيس المستحدث بدا مههوساً باللغة، حيث أن موضوع سلامة المكتوبِ لديه أشبه
بالمقدس، ولا يعنيه من المدوّن إلاّ السلامة اللغوية بادئ ذي بدء، ومن ثم تأتي
المسائل الأخرى كممتمات وهوامش.
ولأن مجاهد كان عارفاً نوعاً ما بطبائع النفوس البشرية بناءً على حفظه غيباً قواعد
بيير داكو الخاصة بانتصارات علم النفس، ولا تفوته معلومة أو فكرة أو إشارة، لذا لم
يجد إلاَّ اللغة نفسها كفخ يُنصب أمام قبطان الصحيفة، وذلك كأفضل وسيلة لتمرير كل
أفكاره المحظورة من قِبل ذلك القبطان، ووفق تلك الثغرة في عقلية وذائقة وميول
المسؤول، وبدلاً من أن يكتب مجاهد بلغة سليمة مئة بالمئة راح يفرغ كل الأفكار التي
يريد نشرها بين الناس، ولكن مع تركه عن عمد خطأ لغوي في المقدمة، وومن ثم أخطاء
مماثلة في المتن الذي حوى مجمل ما يهمه أن يصل للقارئ، وهكذا كان من خلال تلك
الطريقة يقوم بصرف أنظار قبطان الصحيفة عما يود مجاهد تسريبه للقارئ، وذلك عبر
إشغال وإنشغال بطريرك الصحيفة بموضوع اللغة الأثيرة لديه، إذ أن المسؤول من وقتها
راح ينهمك كالمهووس فقط بالسلامة اللغوية، ويقضي جُل وقته في التحري والمراقبة
وتتبع عثرات النحو والصرف، وينسى تماماً معظم الأفكار التي قام الكاتب بكامل الذكاء
إدراجها في سياق النص من دون أن ينتبه إليها المعجب باقتفاء الشوائب، بما أن جمالية
اللغة هي التي كانت في كل مرة تقوم بجذب قائد مركبة الصحيفة من ياقته كلما باشر
بقراءة محتوى الموضوع الذي أمامه.
أترك مداخلة
شكرا لمداخلتك
سوف يتم نشرها أسفل مادة الكاتب
*عارف حجاوي*
في مكانٍ وزمانٍ ما، كثُر التدافع، وازدادت المزاحمات من قِبل الصحفيين والمستكتبين على المردود الذي كانوا يحصلون عليه من الصحيفة، كما تتزاحم عشرات الأيدي لقطف بعض حبّات الكرز المتدلية نحو الشارع من فوق سور بيتٍ ظل بابه موصداً بوجه أغلب من مروا به أو قصدوه، هكذا كان حال المناخ الذي يعيش فيه المستكتب مجاهد، ذلك الصحفي الصلب المراس بخصوص فرص الحياة وحيال مجمل ما يؤمن به، كما كان الإيمان باحتراف الصنعة على اصولها قاعدة حياتية لديه يسير على سكتها منذ سنوات، ولكنه رغم امتلاكه تاريخاً كاملاً من صكوك النزاهة التي قد تجعل بعض ممتلكيها جهمين غليظي الأحكام، كان هو بخلاف ذلك متسماً بالود والسلاسة في التعامل مع مسؤولي التحرير في المؤسسة التي تعاقد معها ككاتب صحفي يقدم لها مقالات أسبوعية لقاء ما يجعله يعيش حياة لا بأس بها مع توفيره كل شهر 200$ لقادمات الليالي.
ولأجل أن يمرِّر مجاهد آراءه كالماء من بين أصابع رئيس التحرير، من دون أن يشعر المسؤول بدبق المتسرب أو خطورته، ولئلا تُنشر مواده منقوصةً بعد تعرّضها للبتر وأوامر الحذف من الرئيس، قال في سره: أنا لا أجيد فن التعظيم والإطراء، ولا لي خبرة في التودُّد من أي شخص لوقتٍ محدّد من الزمن لقاء الحصول على غرضي منه، ومن ثم الدوس على أوَّل ذيلٍ له يلوّح أمامي.

ولأن مجاهِد لا يمتلك ما يفيض عنه حتى يُغرق الرئيس بالهدايا التي تجعله يتغاضى عما يراه من تجاوزات فيما يكتبه، ولا لديه واسطة من الأعلى حتى يستخدمها للضغط عليه كلما أبدى المسؤول انزعاجه من قصةٍ أو زاويةٍ ما من الزوايا التي ينشرها مجاهد كل أسبوع، ولا لديه صديقة بارعة الجمال ومثيرة لحد انتصاب المسؤول أمامها كعودٍ وحيدٍ على المنحدر بعد أن أغرى وادي الشهوات رفاقه بالسقوط إلى حوافِ سيقانها واحداً تلو الآخر! ولأنه لا يمتلك إلاَّ رأسه الذي يطبخ فيه الأفكار، ويقدمها كطبقٍ شهيٍّ للقراء كل اسبوع، ولأجل أن يمرِّر أفكاره بيسر، ومن دون أن تتعرض للتشويه حين المرور من أمام مقصلة رئيس التحرير؛ لجأ مجاهد بدايةً مع أحد رؤساء التحرير إلى استفتاح زاويته بكلماتٍ لها مفعول سحري على قبطان الصحيفة، كلماتٍ تجعل مسؤول التحرير ثملاً لمجرد أن يتجرع عدة رشفاتٍ من المكتوب، وبعدما يتأكد بأن المقدمة قد قادته الى مناحى الرضا وهو نشوان، فيدس حينها مجاهد أفكاره في سياق المادة التي يوافق على نشرها القبطان من دون أن يدري ما تم تمريره من الرؤى والتصورات بعد انطرابه الثمل.
إلاّ أن ذلك الأمر لم يدم طويلاً مع مجاهد حتى استبُدل رئيسه بآخرٍ على النقيض منه، وعليه إذن أن يعرف ذائقة المسؤول الجديد وما الذي يحب وما الذي يكره.
ولكن البُشرى لاحت تباشيرها مرةً أخرى في فضاء الصحيفة، ومن حُسن حظ مجاهد أن الرئيس المستحدث بدا مههوساً باللغة، حيث أن موضوع سلامة المكتوبِ لديه أشبه بالمقدس، ولا يعنيه من المدوّن إلاّ السلامة اللغوية بادئ ذي بدء، ومن ثم تأتي المسائل الأخرى كممتمات وهوامش.
ولأن مجاهد كان عارفاً نوعاً ما بطبائع النفوس البشرية بناءً على حفظه غيباً قواعد بيير داكو الخاصة بانتصارات علم النفس، ولا تفوته معلومة أو فكرة أو إشارة، لذا لم يجد إلاَّ اللغة نفسها كفخ يُنصب أمام قبطان الصحيفة، وذلك كأفضل وسيلة لتمرير كل أفكاره المحظورة من قِبل ذلك القبطان، ووفق تلك الثغرة في عقلية وذائقة وميول المسؤول، وبدلاً من أن يكتب مجاهد بلغة سليمة مئة بالمئة راح يفرغ كل الأفكار التي يريد نشرها بين الناس، ولكن مع تركه عن عمد خطأ لغوي في المقدمة، وومن ثم أخطاء مماثلة في المتن الذي حوى مجمل ما يهمه أن يصل للقارئ، وهكذا كان من خلال تلك الطريقة يقوم بصرف أنظار قبطان الصحيفة عما يود مجاهد تسريبه للقارئ، وذلك عبر إشغال وإنشغال بطريرك الصحيفة بموضوع اللغة الأثيرة لديه، إذ أن المسؤول من وقتها راح ينهمك كالمهووس فقط بالسلامة اللغوية، ويقضي جُل وقته في التحري والمراقبة وتتبع عثرات النحو والصرف، وينسى تماماً معظم الأفكار التي قام الكاتب بكامل الذكاء إدراجها في سياق النص من دون أن ينتبه إليها المعجب باقتفاء الشوائب، بما أن جمالية اللغة هي التي كانت في كل مرة تقوم بجذب قائد مركبة الصحيفة من ياقته كلما باشر بقراءة محتوى الموضوع الذي أمامه.
شكرا لمداخلتك
سوف يتم نشرها أسفل مادة الكاتب

