|
إلى روح الأديب السوري فاضل السباعي
لم يبق للصيف إطلالة. حياة الجد قد أزفتْ، والجد لم يبدأ بعد. الطقس ينذر بالمطر،
والمطر ينذر بانقضاء العطلة الصيفية. مَن جدَّ وجدْ، ومن لا يجدّ قد يجدْ.
في قاعة المطالعة في المركز الثقافي العربي عند الصومعة (حيث كراج الشام القديم لمن
يعرف مدينة إدلب في الشمال السوري في حدود سبعينات القرن العشرين) يحظى طالبان في
المدرسة الثانوية بجوٍ هادئ للدراسة، وقد خلى المركز من زواره في الأسبوع الأول من
العام الدراسي.
غيومٌ خريفية لاحتْ في السماء، لتحجب نورَ الشمس عن النوافذ الزجاجية المطلِّة على
تمثال كبير لإبراهيم هنانو قائد الثورة السورية في الشمال ضد الاحتلال الفرنسي.
رفيقان تعوَّدا ارتياد المركز الثقافي منذ النشأة. نافذةٌ فتحت من جدار المكتبة نحو
قاعة المطالعة لاستعارة الكتب، والطالبان يستهويهما الوقوف أمام طاولةٍ بجانب
النافذة، يقلّبان في بطاقاتٍ مصفرّة من الاهتراء، تحوي عناوين الكتب التي دأبا على
الاستعارة منها، بينما يثيرهما فضولٌ للاطلاع على ما يجري في داخل المكتبة.
على باب المكتبة كُتِبت عبارة "ممنوع دخول الطلاب". كتبها أبو إبراهيم أمين المكتبة
لتصبح الاستعارة حصراً من النافذة. المدير أبو معن تبدو غرفته من نافذة الاستعارة
في آخر المكتبة كونها مفتوحةً عليها.
يقوم على خدمة المبنى رجل طويل القامة يدعى أبو أسعد، تساعده بنيته القوية على
القيام وحدَه بأعمال المركز، وهو المسؤول عن فتح الأبواب في الصباح، وإغلاقها في
المساء بعد صرف الطلاب.
لكنّ هذا اليوم مختلفٌ تماماً، فالحركة في الداخل غير طبيعية. النهار يقارب على
الرحيل. يتأخر الرفيقان منشغلَين بالأحاديث وقد رغبا عن الدراسة، وأبو أسعد لم يقم
بصرفهما كعادته، بل على العكس كان لأول مرةٍ يبتسم لهما ويرحب بهما جيئةً وذهاباً
مردداً: "أهلين وسهلين بالشباب"، بينما كان يقوم بصف كراسي الخيزران في القاعة التي
ملأها بالضجيج. وعلى غير العادة أيضاً، يدعوهما لتناول الشاي داخل المكتبة.
يتبدَّل الجو داخل القاعة، يتلاشى ضوء النهار، الطقس في الخارج ينذر بالمطر ليخيِّم
جوٌ خريفيّ إدلبي الهوى. يشعل أبو أسعد كل المصابيح الكهربائية الصفراء المنتشرة في
السقف. يرفع طاولةً مميزةً على منصةٍ في صدر القاعة. يضع ميكرفوناً فوق غطاءٍ قماشيٍ
مرسومٌ عليه العلم الوطني. يجلس أمام الطاولة يعاير وضعية الميكرفون على مستوى فمه،
يشغل زر مضخم الصوت، فيظهر صوت فرقعةٍ من المكبرات الخشبية، يتبعه صوت خشخشةٍ وصليلٍ
حاد. يدير مفتاح التحكم بالصوت ليخفف من جهارته. ينقر نقرتين متلاحقتين بسبابته على
"الميكرفون"، ويبدأ بإجراء اختبارٍ قصير: " إح إح.. آلـو.. آلو.. واحد .. واحد..
بسم الله الرحمن الرحيم" وحين يطمئن إلى جودة الصوت، يطفئ زر المضخم ويعيد كرسي
المحاضر إلى مكانه.
كان المحاضِر أديباً شهيراً، وسيلقي محاضرةً يروي فيها قصةً قصيرةً عن تجربته
الاجتماعية في فرنسا. هذا ما قرأه الشابان حين علَّق أبو أسعد الإعلان في صدر
القاعة، فقررا البقاء لحضور أول أمسيةٍ قصصيةٍ في حياتهما.
مع انقضاء النهار ساد الهدوء جو القاعة، فلم يعد يُسمع إلا صوتُ حبات المطر على
النوافذ الزجاجية. تبدأ حركةٌ مضطربة. يروح أبو إبراهيم، يعود أبو أسعد، يرن جرس
الهاتف مراراً مخترقاً هدوء القاعة، يرتفع صوت أبو معن وهو يرد على الهاتف منفعلاً
فيُسمَع صوته من نافذة الاستعارة.
يدخل في هذه الأثناء المحاضِر ومعه مرافقه. يهبُّ الجميع لاستقباله، جميع من في
القاعة يتهافتون لاستقبال الأديب الكبير: أبو معن، أبو إبراهيم، أبو أسعد ومعهما
الطالبان والبعض القليل ممن دعاهما أبو معن على الهاتف!
يجلس جميع الحاضرين في الصف الأول: الأديب ومرافقه في الوسط. أبو إبراهيم على يمينه،
وبجانبه أبو أسعد، أما أبو معن فاستلم "الميكرفون" على المنصة. بدا محرجاً والعرق
يسيل على وجنتيه. بدأ حديثَه مرحِّباً بالضيف الكبير، ومعتذراً عن الحضور المتواضع،
محمّلاً المسؤولية للظروف الجوية وبدْء المدارس. يتخيل الكراسي الخالية أمامه
مشغولةً بالمدعوين الذين قضى نهاره في مهاتفتهم، فيرفع صوته متحدثاً بلغة الجموع
كما لو أن القاعة مكتظةٌ بالجمهور:
- وكما تعلمون فإن مدينتنا المتواضعة ذات طابع زراعي، والناس في هذه الأيام،
والشتاء على الأبواب، منهمكون في التحضير لقطاف الزيتون. وكما يقول المثل -يبتسم- "أيلول
ذنَبه مبلول".
-
يقوم أبو معن ليخلي مكانه للضيف على الطاولة المميزة فوق المنصة، يقترب منه الأديب
برفق ويضع فمه في أذنه، فيطأطئ أبو معن رأسه تواضعاً ليسمع ما سيهمس له الأديب
الكبير، ثم يتراجع بحركةٍ خاطفة ليتمكن من النظر في عيني الأديب، سيتأكد مما سمعت
أذناه. يومئ له الأديب برأسه مبتسماً ومؤكداً على طلبه! يتجه نظر أبو معن إلى أبو
أسعد. يطلب الأديب من أبو أسعد إلغاء "الميكرفون" ومساعدته في حمل الطاولة من
المنصة وتنزيلها إلى مستوى كراسي الحضور.
يجلس الأديب في حلقةٍ وديةٍ بين الحضور المتواضع. يحكي قصته بصوت هادئٍ رخيم.
يتحدَّث في القصة عن نموذجٍ من العلاقات الإنسانية عاشَهُ في فرنسا عندما نزل ضيفاً
مؤجراً غرفةً عند أسرةٍ باريسيةٍ يسمونه بالإنكليزية Paying Guest، حيث كانت صاحبة
البيت تقوم على خدمته وغسل ثيابه وإعداد الطعام له وكأنه أحد أبنائها، إلى حد أنها
كانت تشركه في حل مشاكل العائلة وتأخذ رأيه في تغييراتٍ ستجريها على المنزل، وكيف
أنها كانت تقدمه لضيوفها على أنه واحدٌ من الأسرة.
يقدِّم الأديب قصتَه بأسلوب شيّق شد الجميع في أمسيةٍ قصصيةٍ على صوت حبات المطر
تعزف لحناً على النوافذ، في جوٍ حميمي جمع القليل من الحضور والكثير من الإنصات.
ينجذب الطالبان إلى أول قصةٍ يسمعانها من فم كاتبها، ويدور حوارٌ حميمي يشارك فيه
كل الحضور.
تبقى ذكرى هذه الأمسية الجميلة حيةً في ذاكرة الطالبين لسنواتٍ طويلة، وهما الآن
وقد أتمّا دراساتهما، أحدُهما أعجبه موضوع القصة فغاص في أجوائها مأخوذاً بنمطٍ
جديدٍ من الحياة الاجتماعية المنفتحة، فهاجر من بلده واغترب وصار باحثاً في العلوم
الإنسانية. أما الآخر الذي ألهبَ وجدانه سحر الأمسية، واستولى على مشاعره الجو
الحميمي الذي خيَّم على الحضور، فبقي في بلده، يكتب قصةً قصيرةً، يبحث عمّن يقرأها.
|
|
| لطفا إشترك في الصفحات التالية |
| المزيد من قصص العدد 54 |