القصة



حمّل النسخة الورقية


بيانو الخيمة

 

 

يضرب عُمر بكفَّيه الفتيّتَين على مفاتيح البيانو المتغيّرة ألوانها وفق نسقٍ متكرّر لا يغيّر من إيقاعه، شأنه شأن النغمات الصوتية المتكرّرة، والتي تزداد عمقاً مع كلّ مفتاحٍ يُضرَب إلى اليسار من مفاتيح البيانو السوداء والبيضاء. يقلّب أصابعه بين المفاتيح المتمازجة، وعيناه تتبعان الورقة المليئة بلغةٍ لا يفهمها إلا مَن تعلّم أبجديّتها. فأحرف هجائها لا تتجاوز الثمانية أحرفٍ، يشكّل جمعها مؤلّفاتٍ يستمتع عُمر بعزفها. فيحرِّك شفتيه الرقيقتين وهو يردّد الأحرف الموسيقية في جوفه، حسبما تتبع عيناه الواسعتان والمنفتحتان على بؤبؤَين أسودَين ينعكس منهما الضوء، فتبدوان للناظر كما لو أن الفضاء استقرّ بجمعه في هاتين العينين، بين ورقة “النوتة” وأماكن العزف.

لم يكن عُمر قد تجاوز أعوامه الثمانية إلا ببضعة أشهر. ولكنّه أتقن من العزف ما قضى غيره في تعلُّمه أعواماً من العزف والتدرّب. لكن عُمر كان يسكن على موهبةٍ جليّةٍ من العزف الانفرادي “السولو”، برزت منذ أول مرّةٍ لمست يداه مفاتيح البيانو. ومنذ ذلك الوقت، لم يغادر المقعد المرتفع عن الأرض أعلى قليلاً عن المألوف، لقصر قامته، وهو يعيد تكرار المعزوفات الشهيرة التي لا يدري أسماءها ولا أسماء مؤلّفيها. تململ عُمر في مكانه وهو يطلق تنهيدةً تنمّ عن شعورٍ بالحرّ وعدم الارتياح، فأطلق إحدى يديه وحرّك بها قمّة ياقة قميصه الأبيض وهو يحرص على أن تستكمل يده الأخرى ما خلّفته اليد الأولى. لكن ذلك لم يبعث بالقدر المرجوّ من الراحة، بل شعر أن الحرّ يتملّك وجهه، بينما تنتشر برودةٌ قاسيةٌ في قدميه. فبدأ يحكّ أصابع قدميه اليمنى باليُسرى، ثم وجها قدميه أيضاً، لكن ذلك لم يكن ليوقف البرودة التي أرجفت جسده وحملته على التوقف عن العزف. وكما يميلُ الإنسان إلى الفطرة الإنسانية وإلى ردود الأفعال المحفورة فينا كبشرٍ على اختلاف ألسنتنا ومنابع ثقافتنا، عمد عُمر إلى الصراخ باسم والدته، لأنها أول ما خطر على باله، وذاك أيضاً من الفطرة البشرية في الطفولة.

استمرّ عُمر بالصراخ حتى شعر أنه قطع كلّ حباله الصوتية، وكاد يستسلم للخوف الذي عظم أمامه، لكن صوت أمه أسعفه وهو يشهق شهقة الغريق إذا وصل اليابسة. كان أول ما شعر به راحة كفّ والدته وهي تنتقل بين خصال شعره البنية، التي زاد ضوء السراج من لمعانها. جال بنظره إلى أسفل ساقيه، حيث البرد قد تسلّل، فوجد الغطاء الرثّ وقد كشف عن قدميه وتركهما عرضةً للبرد القارس. أمّا أخوه الذي يكبره سنّاً بعامٍ ونصف، فكان ينفث في وجهه زفيره الساخن ذا الرائحة غير المحبّبة. قبضت أم عمر على يد ابنها زارعةً إياها تحت الغطاء، مستعيذةً بالله من كلّ أذىً وحاملةً عُمر على النوم من جديد.

لم يكن عُمر ليستلقي مجدّداً حتى شعر بضرورة تحسّس أكفّه من أثر العزف غير المنقطع. لكنّه سرعان ما أدرك بوعيه اليافع أنّ ما كان لم يكن إلا حلماً يكاد لا يكون من واقعه شيء حقيقي إلا شعور البرد المتسلّل إلى الخيمة، التي عانت أشدّ المعاناة من أحوال الطقس. إلا أن شعور الخيبة أيقظ في نفس عُمر سيلاً من الدموع حاول إخفاءه ما استطاع، فلم يكن لذاك الحلم أن يمرّ، إلا وذكرى البيانو تنهض في ذاكرته لتزيد من حزنه وأساه على ما ملك يوماً.

فعُمر كان كسائر أطفال مخيم “أبو طَعُّوم” يستقبل الحياة بذائقةٍ ساذجةٍ متواضعةٍ في متطلباتها. فمن لم يدرك الكثير، يمكن أن يرضى بما أُتيح له من القليل. وعمر لم يكن ليدرك أكثر من ملمس الطين الأحمر وعديد ظلال شجر الزيتون الذي تشتهر به محافظة إدلب في الشمال الغربي من سورية. فكان ذاك بعض تسليته هو وأقرانه. فكما كان الطين مادة الإنسان الأولى في تشكيل ما أراد من الأدوات، كان كذلك لعُمر، لصقل بعض الأشكال التي سرعان ما تتراخى وتسقط إلى الأرض التي قدمت منها. وعلى بساطة ما كان، كانت تلك من أحبّ ما أدرك عُمر من أساليب اللعب. فالجمال والمتعة هما أمرٌ موضوعي لا يتفق عليه سائر البشر، بل هما في عين الرائي لا في حقيقة المرئي. وكذلك كان لعُمر الذي كان يستغلّ أشهر الربيع، حيث الطين طريٌّ ليّنٌ وصالحٌ للّهو، رغم ما يحمله عقباه من تقريع والدته على شدّة اتساخه.

إلا أن أمراً جللاً ذهب بعمر وبعديد أهل المخيم إلى التجمّع والتجمهر أمام الزوار القادمين بعرباتهم العالية وبأدواتهم عديدة الأنواع والأشكال. فبعضها يُحمَل على الأكتاف فيما يلحق حاملها بأحدهم، كما لو أنه لا يستطيع مغادرته. وأخرى طويلةٌ تنتهي بريشٍ تُقرَّب ما أمكن إلى فم المتكلم، وغيرها العديد. لكن التجمهر الأعظم كان حول سيّدةٍ تُقْبِل على الناس بحذر وحيطة. وأمام هذا الجمع الغفير من الناس، استطاع عُمر أن يسلك طريقه إلى المقدمة، مستعيناً بصغر حجمه وقدرته على التسلل بين الأقدام. حتى وصل إلى المرأة التي عمدت إلى التربيت على كتفه والتحدث معه بلغةٍ لم يفهمها. حتى علا صوتٌ من خلفها يُفهِمُه بصوتٍ أجشّ أن السيدة تسأل عن حاله. فلم يكن ردّ عُمر سريعاً وهو لا يزال يحرك عينيه بين المرأة والرجل خلفها، حتى فتح فاه على “الحمد لله!”، ثم استقبل بين يديه كيساً شفافاً يصدر صوتاً عند تحريكه، كانت المرأة صاحبة اللغة غير المفهومة قد أخرجته من علبة كبيرة من الألعاب. حمل عُمر اللعبة وأطلق ساقَيه للريح يحاول النجاة بلعبته التي لا يدرك بعد ماهيّتها من أعين المتطفّلين وأيديهم. حتى إذا وصل إلى الخيمة، حدّق بالمستطيل الموزّع قسمه الأدنى بمستطيلات أصغر ذات لون أبيضٍ وأسود. نقر على أحدها، فأصدرت صوتاً فاجأ عُمر وأسعده. فارتسمت بسمةٌ بريئةٌ متشوّقةٌ وهو ما يزال يمسك البيانو اللعبة بحذرٍ شديد.

قضى عُمر بعض الساعة التالية يضغط على المستطيلات الصغيرة مستمتعاً وهو ما يزال يعجب للصوت الصادر عنها. حتى أقبلت والدته وهي تستهدي إلى جهة الصوت، فقصّ عليها عُمر طريقة حصوله عليها وهو ما يزال يحمل اللعبة بين يديه، راجياً أمه ألا تجبره على أن يشارك أخاه وأختيه بها.

قضى عُمر جلّ صيفه في الخيمة مبتعداً عن الطين وهو يحاول فكّ شيفرة الأصوات وترتيب خروجها، بعد أن سمع من والديه وبعض أقرانه الأكبر سناً عن ماهية البيانو، وكيف أ ن له أحجاماً ضخمة يجلس العازف إليها ليعزف بالساعات.

وكيف أن الصوت يخرج من أثر ارتطام رأسٍ نحاسي على جمعٍ من الأوتار. ليس كالبيانو اللعبة الذي يحمله والذي يعمل بالبطاريات، ولا يكون لصوته نقاوة بدرجة نقاوة صوت البيانو الأصلي. إلا أن ذلك لم يكن ليثبّط من عزيمة عُمر الذي أخذ يحلم مراراً وتكراراً بأنه يعزف بنفسه على بيانو الأوتار الضخم.

إلا أن وقت الصيف قد مضى، وضراوة الشتاء قد أقبلت على سكان المخيّم العُزّل من أيّ بناءٍ حجريّ أو أسمنتيّ يقيهم هول الأمطار وشدّة الريح. فلم يكد يمضي ما يزيد قليلاً عن أربعة أشهرٍ منذ يوم البيانو، حتى استيقظ عُمر على صراخ والدته وهي تصرخ وتحمل سكان الخيمة على مغادرتها قبل سقوطها وسحبها إياهم إلى مجرى الفيضان. كان الأولاد وقد قذفهم أبواهم أول من خرج يجولون بنظرهم إلى الخيام المجاورة، وقد فعل سكانها فعلهم. فكانت الصرخات تعلو عند من انتبه متأخراً للمياه وهي تملأ الأرض وحلاً، ثم فيضاناً يسحب بصاحبه إلى مجرىً يصعب إخراجه منه. وما إن خرج أبوَا عُمر وهما ما يزالان في طور الرعب والدهشة، حتى صرخ عمر كمن يشعر بأضلاعه تتكسر مُحيلةً إيّاه إلى كتلةٍ من ألم، إلا أن الألم لم يكن من أضلاعه، بل من شعور الأسى وقد نسي لعبته في الداخل. حاول عُمر حمل والديه على أن يُحضراها له، ببراءةٍ طفولية لا تستطيع إدراك كارثتين معاً: كارثة الخيمة التي يسكنون، وكارثة البيانو اللعبة.

استسلم عُمر في آخر الأمر لأمر والدته ولطلب النوم على أجفانه الفتية، واستلقى الآن حيث اعتاد من زمنٍ أن يستلقي، فكان مكانه يتوسّط أخاه الأكبر سناً، الذي يجاور أختين أكبر سناً. أما الجهة الأخرى من عُمر، فكان مكان والدته التي التحفت ببعض اللحاف هي وزوجها، تاركين الجزء الأكبر للأطفال.
 


   

 

لطفا إشترك في الصفحات التالية   

 

المزيد من قصص العدد 54