|
تجلس (سلوى) أمام التلفزيون ... تتسقط اخبار المعارك، والخوف والقلق يملآن قلبها،
فلا أحد يدري بما ستأتي به الأيام.
يرن الهاتف ... تنتفض واقفة كمن لسعتها نار ... قلبها يدق، واطرافها ترتعش ...!
ترفع السماعة بيد مرتبكة ...
انه زوجها ... الحمد لله ... تسمع صوته الملئ القوي ... يشرق وجهها بفرحته ...
يخبرها بأنه قادم لساعتين فقط، ثم يعود الى الجبهة ... عند سماعها صوته، لم تستطع
ان تمنع قلبها من أن يدق، ولا روحها من أن تهفو ...!
لا تدري ما الذي يمكن أن تفعله بهاتين الساعتين ...
لكنها الحرب، وفي الحرب لا يوجد فائض من وقت، ولا مجال لأسترخاء أو لنوم محايد ...
بل يقظة دائمة لا تنتهي.
تبدأ بتهيئة الطعام، واعداد الحمام ...
تخطو الى غرفتها ... تمرر المشط بسرعة على شعرها، وتضع لمسة من الزينة على وجهها
... وتتعطر ... ثم ترتدي ثوب النوم الشفاف، والحلم باللقاء لا يفارقها ... تعلو
وجهها حمرة الانفعال والإثارة، فتكسبه فتنة من نوع نادر...
يتلوى قلبها بين الفرحة بمجيئه، والخوف من عودته.
يدق جرس الباب محدثا رنينا متصلا، فيدق قلبها معه دقات سريعة متلاحقة ...!
تفتح الباب، فتراه واقفا أمامها ... منتصب القامة ... مفرود الصدر ... تُضفي البدلة
العسكرية عليه ظلا رجوليا ملفتاً ... يتأمل وجهها باسماً كأنه ينهل منه ... ليثمل
... تنتفض ملامحها، وتصهل بابتسامة مشرقة كشعاع من نور ...! يشدها اليه ، فتسقط في
أحضانه ... يضمها بحرارة الى صدره، ويلثم جبينها.
يدخل الى البيت ، وهو يتطلع حوله كأنه يرى الجدران ، وقطع الاثاث لأول مرة ..
فالغياب أصبح عادة ، وامتد لسنين ، وأي سنين .. كلها عذاب وقلق وخوف وفراق !
سقط على مقعد قريب كأنه يلهث ... ثم لانت ملامحه ... وأراح وجهه من قناع الصرامة
العسكرية، ووقارها المزيف ... خلع (البسطال) من قدميه، ثم نزع بدلته العسكرية
المعفرة بأتربة الخنادق، وكان الحمام جاهزاً، فدخل واستحم وارتدى البجاما.
أعدت له اصناف الطعام التي يحبها ... التفا حول المائدة ... تشاركه الأكل لكن بعقل
شارد.
ثم استلقى على الاريكة ... تمددت بجانبه، والتصقت به، والقت برأسها على صدره ...
بدأت أصابعه تعبث بشعرها ... ثم أخذ يحدثها عن المآسي التي تحدث كل يوم في الحرب،
وعن احساس الفراق الذي يعذبه ... على أعزاء طحنتهم آلة الحرب الغبية، فرحلوا قبل
أوانهم مغدورين ... اغرورقت عيناها بالدموع، وقال لها أيضاً ... بأن كل شئ في الحرب
... أي حرب ... يبدو طائشاً ... متهوراً، ولا معنى له، ثم انقطع حديثه فجأةً، وبدأت
حركة يده تتراخى، وتوقف عن مداعبة شعرها!
لقد غلبه سلطان النوم ... فنام، واستغرق في نومه ... كأنه لم ينم في حياته ...!
انسلت في هدوء من بين ذراعيه ... ثم وقفت أمامه تنظر اليه، واحساس بالحب والحنان
يعتمل في صدرها، كأنها أم تُشفق على ابنها، والابتسامة الطيبة على شفتيها تتسع ...
ثم خطت نحو الغرفة، وأتت ببطانية، وغطته ...!
عادت وشغلت نفسها بغسل الصحون، وتنظيف المطبخ، وأعادة ترتيب مائدة الطعام كأنها
تهرب من نفسها، وعقلها لا يكف عن التفكير، والوقت يجري مسرعا.
لقد مرت عليه ساعة، وهو نائم ...!
سمعت طرقا خفيفا على الباب ... تُلقي بالروب على جسدها ... تفتح الباب، فترى سائق
زوجها ... واقفا محبوس الأنفاس ... يرفع يده بحكم العادة بالتحية العسكرية بمجرد أن
شاهدها أمامه ... فهمت أن وقت العودة قد حان ...!
وما كادت تلمس كتف زوجها حتى هب من نومه مفزوعاً، ونظر مباشرةً الى ساعته ... احتلت
وجهه علامات الضيق، وخيبة الأمل ... زفر في نفاذ صبر، وتسائل بصوت يمزقه الأسى
والتثاؤب:
- لم لم توقظيني ...؟
اقتربت منه، وهي تغتصب ابتسامة اعتذار حزينة، ثم انحنت عليه، وقبلته، وقالت بصوت
ليس فيه فرح:
- صح النوم، حبيبي ...!
ثم خطت بسرعة نحو المطبخ ... ملأت حافظة بأنواع الطعام ، وأسرعت بها الى الجندي
الذي لا يزال واقفا عند الباب ... استقبلها بفرح كأنها آخر زاده ... رفع يده ثانية
بالتحية العسكرية ... وانصرف!
أسرع زوجها الى الحمام، والقى برشقة من ماء بارد على وجهه، ثم ارتدى بدلته
العسكرية، ودس قدميه في البسطال ... عدّل من هيئته، وصلب عوده، ثم تمنطق بسلاحه،
ووضع الخوذة على رأسه ... تقدم منها، واحتضنها كأنه يريد أن يحملها بين ضلوعه،
ويغلق عليها ... بقيت متعلقة به لا تريد أن تتركه ... ظلا متلاصقين كحمامتين
جميلتين، ثم أبعدها عنه بحنان، وأخذ يتأملها باعجاب واشتهاء ... تنهد في حزن، ثم
مسح قطرات من دموعها بظهر يده، وهو يردد:
— اعتني بنفسك ، حبيبتي ..
ردت عليه في صوت كالبكاء ... كأنها تتوسله:
- عد أليَّ سالما ... أرجوك ... أنا بانتظارك ...!
وأجهشت في البكاء ...
قال في يأس أو ما يشبه اليأس:
- خليها على الله ... المقدر ... لا يمكن الهروب منه...!
نظر الى ساعته، ثم قبلها قبلة سريعة خاطفة كرفة جناح ...
وغادر مسرعاً كأنه يعدو ...!!
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |