ثأر الجدائل
 

 

شعرتُ باستمرار بنظرات حادّة تنبعث إليّ مِن كيس دقّ الزعتر والحنّاء والزّيوت المرصوصة على رفُوفِ الخزانة، ترمقني بالنظرة عينها التي ترمقني بها أمّي إذا ما عزمتُ على البوح بسر الخلطة السّحرية. حينما أواجه السّؤال المعهود يُداهمني من إحدى رفيقاتي أو صديقات أمي: ماذا تصنعين بشعرك؟ أرى تهديد أمّي يحاصرني، تَعقِد السبّابة والإبهام لتكوّن شكلا يُشبه الصّفر لكنه يعني التحذير الصّارِم المتبوع قطعاً بعقوبة، أما التنبيه فيأتي فقط عبر نظرةٍ حادّة. كلّ هذا وأنا أفكّر أحيانا في قصّ تلك الجديلة التي تعِبت أمّي في العناية بها سنوات كثيرة، استغرَقَت فيها وقتها وتعبها لتجعلَ مِنها جديلة ساحِرة تتباها ىبها أمامَ صديقاتِها، وأرى الفخر بعينيها كلّما سمعت عبارات المديح والمجاملة والإعجاب التي حظيَتْ بها خصلات شعري أكثر مِمّا حظيتُ بهِ أنا.

كان الأمر مُرهقا بالنّسبة لي، هذه الجديلة السّوداء الطويلة باتت عِبئا ثقيلا على كتِفي، أصابنِي منها من الضّجر والاستياء ما لَم أعُد أحتمِله، اتّجهتُ فورا إلى مِقصّ غير آبِهة بنظرات كيس دق الزعتر ولا عتَبِ الحِنّاء ولا حتّى توعُّد أمي نفسها لِي، اقتربتُ من المِقصّ الذي كنتُ أتوق دوما إلى التحلي بقُوّة وشجاعة خارٍقة تجعلني أفكّرُ في مُجرّد لمسه، كان دوما مُخبئا في حقيبة أمي القرمزية، يتّكِئ بين جيوبِها في شكلٍ مهيب.

كانت يدايَ ترتعِشان من خوفٍ يُعزى لأسباب كثيرة غامضة، ليست عندي القدرة على تحديد ماهيتها! فجأةً سقطت الحقيبة من يدِي التي لم يعد باستطاعتها الإمساك بشيء بعد تعاظم شعوري بالخوف، سقَط المِقصّ مستقيما إلى الأرض، وتطايرت ورقَة كانت مُخزَّنة في جيبٍ خفيّ لم أرها لحظة حملي للمِقصّ.

داخل هذه الحقيبة وجدتُ كُتيّبا صغيرا تبين لي أنه ديوانُ مُذكّرات أمّي، وهل لأمّي مُذكرات؟ متى كتبتها وكيفَ يكتُب مُذكّرات من يُشْبه أمي؟ ويمتلِك شخصية جبارة وقوّية كأمّي؟

في الصّفحات الأولى كتبتْ عن صديقة دراستها وذكرياتهما معا، ثمّ بضعُ صفحات فارِغة، قلوب بِسهام رُسِمت بقلم لبَدي، ثمّ بعضًا من تفاصيل لِقائها الأول مع أبي. كما توقّعت تماما وكما ارتبط بمُخيلتي منذ زمَن؛ المُذكرات واليوميات يكتُبها شخص هشّ مثلي، كتومٌ لا يقوى على البوحِ والمواجهة، إنها ليست لشخص كأمّي... في ورقة وسط الكتيِّب تفصِلها عن مذكرات أمّي التي قرَأت، الكثير من الصّفحات الفارغة حتى أني كدتُ أن لا أنتبه إليها، وجدتُ اعترافا لَها! بَوْحٌ لا يُشبهها أبداً!!! لكنّه هو وجهها الحقيقي الذي أخفته عنّي، دوّنت هناك أحاسيسها المُتعبة، تعبُها الخفي ووَجعها ومِن بين كل تلك الأوجاع والآلام وحتّى الأحلامِ الصغيرة، كانت الكلمة الأكثر إيلاما لها هي التي قالتها سيّدة لا أعرِف مَن هي ولا أتذكر حتى بُكائي الشديد الذي كتبتْ عنه أمي بحرقة. وهي تصف حزنها وقت جِئتها باكية عندما استهزأت بي وسخرت مِن خصلات شعري الرّقيقة التي تُشبه الخيط الرّفيع كما وصفته والذي يصلُح للإبرة والتطّريز أكثر من كونِه شَعراً يُزيَّن بمشابِك لا تُمسك منه شيئا، جاءت هذه الأسطر هادئة بنبرةٍ حزينة ثمّ أتبعَتها أمّي بتوعّد ظريف، وجدتُ فيه أخيرا ما يُشبه أمّي التي أعرِفها لا التي تعرفت عليها منذ دقائق في هذه المذكرات.

حقّقت أمّي بالفعل ذلِك التوعُّد الغرِيب، الكدمة التي تحمّلتها عنّي طوال هذه السنوات وضمّدتها بالزّعتر والحناء وخلطة الزّيوت بدون أن أُحِسّ. لملمتُ أدمُعي وأعدتُ المُذكّرة والمِقص إلى الحقيبة القرمزية الملكية بهدوء يلِيقُ بأشياءِ أمّي الثمينة، ثم أرخيتُ جديلتي ومضيت.