|
لا ننفي بأن بعض سلوكياتنا كأفراد أو عوائل سواءً أكانت في بلادنا أم في الغربة
هي قائمة على المداراة الاجتماعية، وخاصةً في المجالات التي يتداخل فيها الدين مع
السياسة والاقتصاد، ففي مجال الدين هنالك طائفة لا بأس بها من الناس تمارس الشعائر
الدينية من دون أي اقتناع ضمني بها، إنما يفعلون ذلك كرمى إرضاء المجتمع المحيط بهم،
أو كوسيلة من وسائل إرضاء رب العمل عنهم، أو يُحاكي بعضهم الأكثرية السياسية أو
الدينية في المجتمع وحيث أن خشية التصادم مع الرأي العام هو الذي يدفعهم لاتخاذ
مواقف هم في دخيلة أنفسهم غير مقتنعين بها أو ممنونين منها.
ففي السياسة ياما مِن أناسٍ تراهم يميلون صوب هذا الحزب أو يتقربون من تنظيم سياسي
معين لا للإيمان بأفكار التنظيم، ولا لتطابق الرؤى والتصورات معه، ولا لأن التنظيم
يُحقق أو سيحقق لهم في المستقبل أيَّ شيء من آمالهم، إنما يتوددون لهذا التنظيم أو
ذاك بكونه حزب السلطة والتقرب منه هو تقربٌ من السلطة، ويرون بأنه لتأمين سلامتهم
الشخصية من المستحسن تحاشي الصدام مع أصحاب النفوذ السياسي في أي مجالٍ كان، طالما
أن السلطات العسكرية والأمنية هي عملياً تتبع حزب السلطة، وفي حال كان الحزب
المنتشر أفقياً وعامودياً ليس في مركز القرار والسلطة ولكن تأثيره الجماهيري كبير،
فهنا أيضاً تحاول فئة من الذين لا يقتنعون لا به ولا بأفكاره ولا بمبادئه مداراة
قادته والتقرب منهم فقط من أجل ألا يظهروا أمام الرعية بأنهم مختلفون أو مخالفون،
لأن الاختلاف في حالات الشحن السياسي والزكام الأمني يعني دفع ضرائب باهظة يشعر
المواطن في بلادنا المبتلاة بداء العنف والسطوة والشمولية بأنه بغنى عنها، أو يدنو
من الحزب ظاهرياً طالما كان منتسبو ذلك الحزب هم ممن كانوا مصدر رزقه، هذا في حال
كان الفرد يعمل وسطهم في مؤسسةٍ أو محلٍ أو مشغل.
وفي المجال الاقتصادي نفس الشيء فالتحكم بلقمة الناس يجعل الكائن المسؤول أو صاحب
السلطان يغرس تدريجياً أفكاره السياسية أو العقائدية في أذهان من يعملون لديه أو
تحت أمرته، وهذا ما لمسته شخصياً في مكانين متناقضين، إذ في الجامعة كان بعضهم
يتصنع العلمانية ويحاول بشتى السبل أن يُظهر بأنه متحرر من المذاهب والأديان كرمى
التقرب ممن كانوا على علاقة وثيقة بمسؤولي المؤسسات الإعلامية والثقافية أو أصحاب
النفوذ في الجامعة، بينما في عدة معامل بمدينة حلب السورية ممن كان أصحابها من
المتدينين، لاحظتُ بأن هناك العشرات ممن يؤدون الصلاة في وقتها ويصومون شهر رمضان
بأكمله، ويُظهرون التقوى والإيمان في تلك المصانع والمعامل بهدف إرضاء رب العمل
عنهم فحسب ولا شأن لرب السماء وإله الأديان السماوية بأدائهم للشعائر الدينية، إذ
في المجتمعات ذات الصبغة الدينية الشعبية مع شيء من اللاتسامح مع مُخترق المحظورات
المجتمعية، سترى الكثير ممن لا يصومون أصلاً ولا يؤمنون بالصيام ولا لديهم الرغبة
بأن يكون الصيام جزء من مدخراتهم للأيام الحالكة إبان المحاكمة الكبرى، ولكنهم
يصومون لإرضاء المحيطين بهم، يصومون لتجنب كلام الناس، فيصوم النفر لكي لا يسقط من
عيون البرية، يصوم لكي يُسكتهم ويتخلص من شر تدخلهم في الأمور الشخصية للمحيطين
بهم.
وفي بعض الأحيان يقتنع الواحد منا بشيءٍ ما كامل الاقتناع ولكن الذي كان مقتنعاً به
يدعه لنفسه وحده، ويُظهر للمجتمع ما كان بخلاف ما يؤمن أو يعمل به بينه وبين نفسه،
ليس من باب الأنانية، إنما من باب تجنب الاصطدام مع المحيط القريب، وتجنب القيل
والقال الذي يزيد من الشروخ ولا يعمل على التقرب بيننا وبين غيرنا في بعض الأمور
الصحية أو المتعلقة بذائقة المجتمع.
ومنها على سبيل الذكر وليس الحصر حين وجودي في البلد صادفت طبيباً في سوق حي
الأشرفية بمدينة حلب يوماً وهو يشتري الخضرة والفاكهة وبعد السير معاً فترة لا بأس
بها ونحن نتجول في السوق وننتقل من بسطة بياع إلى آخر، لاحظتُ بأنه يشترى نوعين من
التفاح، نوع عادي وحبته صغيرة ممن يشتريه عادة المنتمين مثلنا لطبقة البروليتاريا
بكونه أرخص الأنواع في السوق، وفي نفس الوقت رأيته يشترى نوع ممتاز فاخر وحبته
كبيرة جداً ووجه الحبة ممتلئ ويلمع، فتشعر بها وكأنها وجه ممثلة من ممثلات الدراما
في بلادنا، وبعد الخروج من السوق والانتهاء من جولة الشراء، قلتُ له أتسمح لي
بسؤالٍ حيال ما اشتريته قال تفضل:
قلتُ لماذا اشتريتَ نوعين مختلفين جداً من التفاح؟
قال بصرحة هذا التفاح الناعم والصغير هو لي أنا ولأسرتي، أما التفاح الكبير والملمع
والمغطى بورقٍ راقٍ فهو للضيوف.
فقلتُ ولماذا تفضِّل ضيوفك على نفسك؟
قال لا أفضلهم علي، ولا أفضل نفسي عليهم.
إنما كل ما في الأمر أنني أخشى من انتقادهم اللامبرر وكلامهم عني عقب الزيارة، فإن
قدمتُ لهم التفاح الناعم الذي أشتريه لي أعرفُ بأنهم سينظرون إليَّ نظرة الاتهام
بالبخل والتقتير، وأردف قائلاً: أنا مقتنع بأن التفاح الناعم من الناحية الصحية
أفضل من الكبير، ولكن يلزمني الكثير لأقنع ضيوفي بذلك، ولكي أتجنب ذلك الجدال أشتري
لهم ما يُرضي غرورهم ومزاجهم، وأتناول أنا مع أسرتي ما أعرف بأنه الأقرب إلى نفسي
وأضمن لصحتي؛ فالتفاح الصغير الذي لا يُعجب الكثير من المتفاخرين بما يشترونه أو
يتناولونه هو من جهة القيمة الغذائية والصحية أعلى مقاماً من قرينه الكبير المليء
بالهرمونات التي تضخم الحبة كما تقوم الفنانة بتضخيم شفاهها، ولكن إن حاولتُ إقناع
ضيفي بأن التفاح الصغير صحي سيقول بأنه يحاول أن يُخفي شُحه بنظرياته الصحية،
وبالتالي أبدو في نظره شخص بخيل، لذا وتجنباً لكل ذلك أُقدِّم للضيوف ما يناسب
نظرتهم ومقامهم، وأتناول أنا ما أرتاح لوجوده في بطني.
عموماً فهذه الإشكالية مع الضيوف كان يعيشها الكثير ممن حولنا في ما يتعلق بعموم
الأطعمة، فمثلاً بخصوص حلوى العيد فعادةً ما تكون الأنواع الممتازة لدى بعض الأسر
مخصصة للضيوف والأنواع العادية يتناولها أفراد الأسرة، وحتى اللحومات التي كانت
غالية الثمن وفق مرتبهم الشهري، فكان بعضهم يحرم أولاده منها مع الغصةِ فيما
يُقدمها بكامل الحبور للضيف، وذلك ليس دائماً من باب إكرام الضيفِ، إنما ربما كانوا
بسبب الخشية من لسان الضيفِ يحرمون أنفسهم لكي يخرج الزائرُ من لدنهم وهو راضٍ وغير
ناقم عليهم.
عموماً فبخلاف عادة البحث الدائم عن إرضاء الآخر هناك مَن يتحايل على من حوله لكي
يتخلص من تطفلهم عليه، وهي الحالة المعاكسة تماماً لحالة الطبيب الآنف الذكر، إذ
يذكر أحدهم بأن ثمة قريب له عاش سنوات طوال وهو يخدع الذين حوله، مضيفاً بأن ذلك
الشخص كان يحوي في جيبه على الدوام نوعين من السجائر، نوع وطني ونوع أجنبي، وبما
أنه كان يكره الدخان الوطني ليس لأنه شخص لاوطني، إنما بكونه كان ثقيلاً على حنجرته
وخياشيمه، فيما الأجنبي كان خفيف ولا يُزعج خرطومه أثناء التنفيخ وإطلاق السخام من
الجوف نحو الطبقات العليا، ولكن كانت ثمة مشكلة اقتصادية تعترضه، بما أن الأجنبي
سعره مضاعف بينما الشخص نفسه غير ميسور، فبداية الأمر كان يضع علبتي سجائر في جيبه،
فإن طُلب منه سيجارة أخرج النوع الوطني وأعطاه للطالِب، وعندما يُدخن هو يسحب
السيجارة من العلبة الأجنبية، ولكن بعد فترة من الزمن كل معارفه علموا بقصته وصاروا
يقولون له إنك شخص أناني وبخيل فتشرب من الأجنبي بينما تعطي أصدقاءك من العلبة
الوطنية، وليتخلص من هذه الإشكالية قرر حمل علبة واحدة في جيبه، ألا وهي باكيت
"الحمراء" الطويلة، ولكنه عند الخروج من البيت كان يُفرغ العلبة ويضع ثلاثة أرباعها
من النوع الأجنبي المسمى بـ: البولمول" ويضع بضعة سجائر من نوع "حمراء" طويلة على
الفوهة، فإن طلبوا منه سيجارة ناولهم على الفور النوع الوطني، وإن أراد أن يُدخن هو
كان يُخرج من العلبة النوع الأجنبي، وهكذا بقي على هذه العادة سنوات وهو يُرضي نفسه
ومَن حوله بذات الوقت.
وبما أن الكثير من عاداتنا حملناها معنا أينما حطينا رحالنا في المغتربات، لذا فبعد
انتقالنا إلى تركيا وبعد أن غزت البضائع السورية سوق المستهلكات في هذا البلد، غدت
بعض المواد التي نستهلكها في تركيا هي سورية الهيئة أو الطعم، منها ما له علاقة
بميولنا في تناول الأطعمة، ومنها ما له علاقة بالتعود ولا شأن للجودة البتة
باختيارتنا، ومن بين تلك المفارقات أننا صرنا نشتري نوعين من الشاي ونوعين من
القهوة، فالنوع التركي نشربه نحن في البيت لوحدنا، والنوع السوري نشتريه للأصحاب
والمعارف والجيران من السوريين، لأنهم كانوا يُظهرون تذمرهم كل مرة لمن يُقدم لهم
في بيته القهوة التركية أو الشاي التركي الذي يرونه دون مستوى وطعم النوع السوري،
وهكذا وجدنا أنفسنا كأصحاب المطاعم نبحث عن راحة الضيف أكثر من راحتنا فيما يتعلق
بالشاي والقهوة المقدمة له، على مبدأ أن الضيف بمثابة زائر مؤقت كحال الزبون في
المطاعم، وبما أن الزبون دائماً على حق في عرف أهل المطاعم هكذا رحنا ندلل ضيوفنا
ونجلب من أجلهم القهوة السورية والشاي السوري حتى يكونوا ممنونين منا إلى حين
انتهاء الزيارة.
هي لا شك من العادات الاجتماعية السيّئة التي جررناها معنا إلى المغتربات والمنافي،
ولكن ليس من السهولة بمكان التخلص من كل السيئات خلال ثورةٍ واحدة، إذ الوقائع بعد
عشر سنوات تشير إلى أننا نحتاج لعدة ضرباتٍ بركانية أُخرى حتى نتخلص من المثالب
الجوفية من دون التخلي طبعاً عن المعادن الثمينة الغافية بجانب المعادن الزهيدة.
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |
| مقالات أخرى في العدد 74 |