قراءات نقدية



حمّل النسخة الورقية


فيلم -سنونوات كابول
دعوة إلى نشر الحب والحرية في مواجهة
النزعة الظلامية والتشدد الطالباني

 

 

تصنَّف أفغانستان الآن كأخطر بلد بالنسبة للنساء، وتشير حقيقة حديثة إلى درجة تخلف هؤلاء الأصوليين المهيمنين حاليًا على السلطة في كابول ،على سبيل المثال، حين أقترح بعض النواب مؤخرًا، قانوناً لمعاقبة العنف ضد المرأة. لكنهم أجبِروا على سحب نصهم الذي اعتبره "مجاهدي طالبان" مؤثرات غربية تنتهك "الشريعة الإسلامية". رغم حالات تعرضت فيها شابات متزوجات قسرًا للتشويه الجسدي، بينما تعرّض البعض الآخر منهنّ للاغتصاب أو للتشويه والاغتصاب معًا.

وفقًا لتعاليم طالبان التعسفية، ليس للمرأة دور آخر تلعبه سوى الإنجاب أو تلبية احتياجات الرجال أو القيام بالمهام المنزلية. وتشمل قيود ووحشية طالبان، الحظر التام لعمل المرأة خارج منزلها، بما في ذلك المدرسات والمهندسات ومعظم المهن، كذالك حظر الالتحاق بالمدرسة أو الجامعة أو أي مؤسسة تعليمية أخرى، ومنع المرأة من التعامل مع التجار الذكور، منع المرأة من العلاج بواسطة طبيب ذكر، الالتزام بارتداء حجاب طويل يغطي المرأة من الرأس إلى القدم، حظر ارتداء الأحذية ذات الكعب وعدم الإزعاج أثناء المشي. (يجب ألا يَسمع الرجل خُطى المرأة). حظر التحدث أو مصافحة رجال غير محرم، حظر وضع الماكياج. (لقد قاموا بتقطيع أصابع العديد من النساء بسبب طلاء الأظافر)، الفصل بين الرجل والمرأة في وسائل النقل العام. وملاحظة الحافلات تحمل إشارة "للرجال فقط" أو "للنساء فقط".

بالإضافة إلى هذه القيود المفروضة على النساء، قامت طالبان أيضًا بـمنع الاستماع إلى الموسيقى، لكل من الرجال والنساء ومنع مشاهدة الأفلام والتلفزيون ومقاطع الفيديو، ويشمل المنع أيضًا الاحتفال بالعام الجديد التقليدي (النوروز) في 21 آذار (مارس)، الذي أعلن عطلة غير إسلامية، و كذالك إلغاء يوم عيد العمال 1 أيار والذي أطلقوا عليه "العيد الشيوعي" والعديد من القوانين والقيود الصارمة. رواية "سنونوات كابول"، تأليف"ياسمينة خضرا" والذي صدرت ترجمته العربية عن دار الفارابي للنشر والتوزيع، طيور السنونو ترمز للحرية ولا تتنفس إلَّا الحرية وتلك كانت رؤية الكاتب الجزائرى "ياسمينة خضرا"، الضابط السابق في الجيش الوطنى، والمطلوب من الجماعات المتطرفة فى الجزائر الذي لجأ لاستعارة اسم زوجته بدلًا من اسمه الحقيقى "محمد لمسهول" ليظل قادًرا على الإبداع بعيدًا عن ملاحقات من المتطرفين، وكذالك لتفادي الرقابة العسكرية في فترة عمله في الجيش.

تكشف الرواية جوانب كثيرة من الواقع المزري للمرأة الافغانية. "سنونوات كابول" هي رواية عمَّا يحدث في أفغانستان في ظل حكم طالبان، حاول من خلالها خضرا فضح ممارسات المتاجرين بالدين وقمعهم للحريات وفي صورة سوداوية فيها مشاهد صادمة خصوصًا ما تعلق بعقاب المرأة واستبداد الرجل. تحولت الرواية إلى فيلم من الرسوم المتحركة (كارتوني) وبنفس الاسم ومن إنتاج مشترك بين فرنسا وسويسرا واللوكسمبورغ. وقام بتنفيذ وإخراج الفيلم كل من المخرجتين "زابو بريتمان" و"إيليا غوبي-ميفيلتش".

الفيلم يسرد قصة زوجان يعيشان في كابول ويعشقان الموسيقي والفن والثقافة إلَّا أَّن نظام طالبان الذي يحرم مثل تلك الفعاليات لن يرحموهما بل بطشوا بهما، من خلال هذين الزوجين نشهد كيف يمكن أن ينزلق مجتمع بأكمله في مستنقع الإرهاب في ليلة وضحاها بفضل تجار الدين وقمعهم للحريات. تدور أحداث الفيلم في كابول عام 1998 - بعد وقت قصير من وصول حركة طالبان الأصولية المتشددة إلى السلطة - يدخلنا هذا الفيلم على الفور من خلال الرسوم المتحركة الطبيعية الرائعة إلى المعالم السياحية - وكذلك الأصوات – لحركة الناس والحياة في شوارع مدينة حية بشكل غريب، نراها في البداية وقد تحوّلت إلى خرائب وأطلال ومبان مهدمة بفعل الحرب الأهلية الطويلة.

يفتتح الفيلم بمشهد رجم أمراة وهو ذات المشهد المكرر في الفيلم الايراني "رجم ثريا"، يسلط الفيلم الضوء على أسرتيتن وهما اسرة محسن وزوجته زونيرة اللذان يحلمان في عيش حياة كريمة لا قيود ولا قهر وكبت على حريتهما، محسن (سوان أرلاود) و زونيرة (زيتا هانروت) زوجان شابان متزوجان يتوقان للعودة لتدريس التاريخ والفن، لكن طالبان تحرمهما بالقوة من حريتهما في تدريس المواد الخاصة بهما.

زونيرة زوجة محسن أصبحت حبيسة بين جدران المنزل كونها ترفض ارتداء البرقع، وقد فقدت وظيفتها السابقة كقاضية، لأن فتاوي طالبان لا تسمح للنساء بتولي مثل هذه المناصب، ولكنها أيضًا رسامة موهوبة تمارس الرسم سرًا على جدران منزلها الجميل. الزوجه الجميلة زونيرة تتطلع وتأمل في استمرارالحياة الجميلة مع زوجها محسن الذي تحبه ويبادلها الحب، وهناك مشاهد تصوّر الانسجام في علاقتهما. لكن ما يثقل على محسن عجزه عن العثور على عمل مناسب.

يلتقي بشيخ كان أستاذه في الجامعة ثم تحول إلى أحد المتعصبين دينيًا، لكنه استفاق من الخدعة وأدرك أن بلاده أصبحت تعيش كابوسًا يقضي على تاريخها ويختصره في هذه الحقبة المظلمة وهو الشيخ "عراش" الذي افتتح الآن مدرسة سرية لتعليم الفتية العلوم والآداب بعيدًا عن قيود طالبان التي تحرم التعليم كما تحظر ذهاب البنات إلى المدارس، أما الاسرة الثانية فهي أسرة "عتيق" حارس السجن بصوت "سيمون أبكاريان" وزوجته مسرات بصوت "هيام عباس" والذي أصبح مسؤولًا عن سجن النساء، و"مسرات" التي تعيش المراحل الأخيرة من مرض السرطان، وتشعر بالذنب بسبب عدم قدرتها على القيام بالواجبات المنزلية كما تدرك أنَّ زوجها انصرف عنها ولم يعد يبادلها الحديث. لكن عتيق ممزق بين شعوره بالمسؤولية تجاه زوجته في مرضها، وهي الإنسانة التي وقفت معه طويلًا، وبين رغبته في إرضاء شهوته، كما يتطلع إلى الانجاب الذي عجزت زوجته عن تحقيقه له التي تحتضر بسبب السرطان.

عتيق له أسلوب صارم ورزين، ويعاني من إصابة في قدمة خلال مشاركته في الحرب ضد الجيش السوفييتي عند دخوله أفغانستان. وفي ظل جو يسوده الرعب والنفاق والعنف ضد المرأة، تكافح الأسرتان من أجل إضفاء جو من الحب والوئام على حياتهما لكن مسار الأحداث يشهد منعطفًا مثيرًا، ذات يوم عندما يعترف محسن لزوجته زونيرة بمشاركته في رجم امرأة. عندئذ تقوم زونيرة بدفع زوجها فيقع على رأسه على إثر ذلك ويموت بعد إرتطام رأسه بحجر.

شاهد عتيق زونيرة المحبوسة في سجنه، دون برقع، فأغرم بها على الفور، كما بدأ يشعر أيضًا بانجذاب نحوها بعد أن رأى وجهها مكشوفًا، يذهب إلى زميله القديم "قاسم" الذي أصبح مسؤولًا كبيرًا في نظام طالبان، والمتشدد في تطبيق الشريعة، في نفس الوقت يتردد على بيوت الدعارة في المدينة، وينصح عتيق بتطليق زوجته، لكن عتيق متردد، وبنفس الوقت تدفعه قوة إلى رؤية زونيرة والحديث معها، بل ويحاول أيضًا دفعها إلى الهرب من السجن. لكن زوجته مسرات الموشكة على الموت لاحظت تغير سلوك زوجها، فطلبت منه أنْ تعدم بدل زونيرة لأنها تتمنى السعادة له. وبالفعل يتم إعدام مسرات بدلًا من زونيرة، وعندما يكشف قاسم عن وجهها يكتشف أنه تعرض إلى خدعة من قبل عتيق، فيقتل زوجها عتيق بطلقتين ناريتين وفي قمة هيجانه يبدأ بكشف البرقع الأزرق عن النساء وكل شهود الإعدام من النساء المنتقبات، في حين زونيرة تذهب إلى الشيخ "عراش" الذي افتتح الآن مدرسة سرية لتعليم الفتية العلوم والآداب بعيدًا عن قيود طالبان.

وفي صورة جدًا جميلة وفي المشهد الختامي تتحول كل أمرأة إلى طائر سنونو يحلق في سماء كابول، وحين نرى مجموعة من طيور السنونو السوداء تحلق في السماء وبهذا المعنى، يعمل الفيلم كشخصية متناقضة للسجن والحبس وكمشبه للرغبة في حرية المرأة. في التصوف يمكن للأسير أنْ يتحول إلى طائر، هكذا يرويها الفيلسوف ابن عربي، وهو أحد أهم أركان المذهب الصوفي، في قصة فيها سجين يعتقد أنه يستطيع التحول إلى طائر مذكور ليرى أهله. وبهذه الطريقة، يحمل فيلم (سنونوات كابول) مشاهد مؤثرة وجميلة ومختارة بذكاء حين يصوّر جميع معالم الحياة تحت نظام طالبان في كابول، النساء اللاتي يرتدين البراقع المنسدلة على وجوههنّ ويغطين أجسادهنّ تمامًا يسرن في الشوارع كما لو كن خيامًا متحركة، مجموعة منهنّ يعملن في الشرطة النسائية، يعتقلن النساء ويزججن بهنّ في السجن الذي يشرف عليه عتيق، ودار السينما التي أصبحت مهدمة وكانت في الماضي تعرض أفلامًا أميركية من أفلام المغامرات كما نلمح من آثار ملصق قديم لأحد الأفلام، يقف أمامها محسن وهو يستذكر عندما كان يتردد عليها مع زونيرة ويمسك بيدها قبل أنْ تحل عليهم سلطة القهر وعمليات الإعدام التي تتم في الملعب الرياضي الكبير في احتفالات رسمية يحضرها كبار رجال الدين والذين يحكمون البلاد.

اكتسبت المخرجة المشاركة وإيليا غوبي-ميفيليك، المسؤولة أيضًا عن التصميم العام للشخصية والتصميم الجرافيكي، خطوطها كرسامة رسوم متحركة على خبرات فرنسية شهيرة مثل مشاركتها في فيلم الرسوم المتحركة الفرنسي "إرنست وسلستين" وكذلك فيلم السويسري "القط الحاخام" عام 2011، تتميز الرسومات المائية الدقيقة للفيلم ببساطة ووضوح، حتى أثناء استحضار مدينة مهجورة ومدمرة بالحرب حيث يتسابق رجال يرتدون العمامة في شاحنات تويوتا بيك آب، ويضربون المشاة ويطلقون النار من البنادق لمجرد أنَّ لديهم القدرة على القيام بذلك.

لا يمكن إنكار أنَّ الفيلم يتضمن مشاهد قاسية عديدة وفي منتهى الوحشية، ويكفي أن تبدأ الرواية بوصف تفصيلي لرجم امرأة. ومشاهد قطع الرأس وحملة الإعدامات في ملعب رياضي، و كيف تحولت الأهداف في ذالك الملعب إلى مشانق للمعارضين لحكم طلبان وقوانينهم الجائرة.

أخذني هذا الفيلم إلى دهاليز مظلمة جدًا في النفس البشرية. أعجبتني حيادية الكاتب والمخرج في تقديم صورة حية عن واقع المرأة في نظام طالبان المتخلف، لقد شدني الفيلم من بدايته وتألمت للواقع المرير للمرأة بسبب التأويلات الخاطئة والمختلفة للدين، نساء مقهورات ومقموعات يحيين تحت ظلم الدين والشادور وعقوبات بالرجم وقطع اليد والرأس.

فيلم الرسوم المتحركة ثنائية الأبعاد والغنية بالرسومات والمصممة بالألوان المائية (سنونوات كابول)، للمخرجتين الفرنستين "زابو بريتمان" و "إيليا غوبي-ميفيليك" ، اقتباسًا من رواية ياسمينة خضرة الأدبية الأنيقة. وهي الرواية الأكثر مبيعًا حول العالم والتي تكشف جانب من الحياة تحت سيطرة طالبان في كابول، وتسلط الضوء على فعل إنساني خطير خلال وقت كئيب وعنيف من خلال قصص زوجين تتشابك مصائرهما من خلال الموت والسجن والتضحية بالنفس بشكل ملحوظ.

هذا يوفر الحبكة الأساسية للفيلم، وهي أنَّ السنونوات التي طارت في سماء كابول، لم تكنَ إلا نساء من المجتمع الأفغاني المغلق يعشن بعيدًا عن الحرية التي تُسلّب منهن غصبًا في تفصيل حياتهن وتحديدها بقياس ثوبٍ واحد ولو لم يكن يتسعهن، ومن هنا جاء تركيز الفيلم على الفن كعنصر أساسي في التغير والتعبير عن طبيعة المجتمع، وبالتالي كأداة سياسية، لذا نشاهد كيف خبأت "زونيرة" خلف ستائر منزلها رسومات تتميز بها. وبهذه الطريقة، طرح الفيلم مواجهة الرسم للقهر والاستلاب الروحي، فيلم يدعو إلى استحضار الجمال باستخدام الألوان المائية، واستذكار دور السينما في الماضي. خلاصة الفيلم هو الإجابة على السؤال: ما مدى تأثير السلطة الدينية ورجالها على النفوس؟
القهر والاستعباد تحت ظل العمامة، وحتمًا سيحل الدمار وتحدث تغيرات نفسية على روح الإنسان وانكسارها.