|
الأرض عطشى، والأولاد جياعْ، وزوجتي لا تكف عن الطلباتْ. تلك هي حياتي التي قررتُ
تغييرها، هل أنا خُلقت في هذا العالم لأكون آلةً تستخدمها زوجتي لبناء أسرةٍ
تقليديةٍ على الطراز الذي تفضله لها زميلاتها المعلمات؟ وهل عليّ أن أكون كما تبتغي
تلك الزميلات؟
منذ أن تركت وظيفتي لأعمل مزارعاً في الأرض الوحيدة التي ورثْتُها عن والدي، بدأتْ
تلاحقني لعنة انسلاخي عن حياة المظاهر والرسميات، فأنا أحبُّ الزراعة والطبيعة وكل
ما تُنبت الأرض. أحبُّ أرضي، أحبُّ هواءها النقي، أحبُّ ترابها الأحمر، أحبُّ
أشجارها وزيتونها وعنبها وتينها، أحبُّ أسراب الحمام والزرازير، أحبُّ أن أراقبها
تحلّق وترسم أشكالاً في السماء. وزوجتي، تحب في المنزل الأدوات، تحب التلفاز
والمسلسلات، تقدّس غرفة الضيوف، تقدس بلاطها في الصيف وسجادها في الشتاء وتحب أن
تراها دوماً نظيفةً وشاغرة.
تحب زوجتي كثيراً شراء الأدوات المنزلية. وغالباً ما أشعر أني إحدى أدواتها الكثيرة
التي اشترتها في حياتها. أعمل طوال اليوم حتى أوفّر لها طلباتها، فزوجتي تحب كل ما
تعرضه الإعلانات في الفضائيات من أدواتٍ مبتكَرة ومأكولاتٍ مصنَّعة، فأنشأتْ
أولادَها على حُب هذه المصنَّعات، وأنا أحِب القمح والجوز والرمان والحمُّص البلديّ،
وأموت في تينةٍ أكل منها العصفور، أقطفها بيدي من أشجار حقلي المتواضعة وأضعها في
فمي بقشرتها.
حينما تدعو زوجتي زميلاتها لزيارتها، تعلن حالة الطوارئ في المنزل. فتأمر الأولاد
بالالتزام بغرفة الجلوس والتسمُّر أمام التلفاز، وتأمرني بالخروج من المنزل باكراً،
إذ عليها أن تغسل وتُلمّع وتُعزّل وتغضب وتصرخ وتأمر وتتذمر. ثم تتفنن في تحضير
أطباق الجيليه والكاستارد والبيتزا والتبولة والحلويات، حتى يفيض المنزل بالمأكولات
ولكي يَبيض وجهها أمام زميلاتها.
ولدى عودتي من الحقل، لا يُسمح لي بتخطي عتبة الباب. تسلّمني زوجتي قائمةً طويلةً
للشراء، وترسلني على عجلٍ إلى متجرها المفضل لديها ولدى زميلاتها. يشمئِزَّ مني
صاحبُها البائع إذ يراني غير مناسبٍ لأدخل متجره المؤنَّق. ثيابي مغْبرة، وشعري
منكوش، وحذائي قد بدَّدَ الطينُ لونَه، وألفُّ الكوفية حول رقبتي دون أدنى اهتمامٍ
بمظهري. أسلِّمه القائمة وأنتظر طويلاً ريثما يوضب لي أكياساً مغلَّفةً مطبوعٌ
عليها كلماتٌ مزيفة، علبٌ كرتونية وزجاجاتٌ تحوي عصائرَ ملونة مكتوبٌ عليها "طبيعية".
يُسلّمنيها البائع مبتسماً ملء وجهه بعد أن أدفع له قيمة فاتورةٍ طويلةٍ عن حاجاتٍ
لا أفهمها.
بدأتُ أشعر بأولادي يخجلون من مظهري أمام رفاقهم، فأنا في نظرهم فلاحٌ غير حضاري.
يَصِمونني بأنني "قادمٌ من القرن الماضي". كنت أهددهم مراراً فيسخرون من تهديدي: "إنني
قادمٌ من القرن الماضي، وسأغادركم إلى القرن القادم، إلى بلادٍ يعرفون بها قيمتي.
سأجد فيها من يحبني ويفهمني، فأرتاح منكم ومن قيود أمكم لأعيش الحضارة على حقيقتها"
لم أعُدْ أطيق تلك القيود التي تسمى شرقاً، فقررت الرحيل إلى الغرب. بعتُ أرضي
ودفعتُ ثمنها عمولةً لمن تعهَّدَ بترحيلي على متن سفينة الأحلام. أبحرتُ من ميناء
الشرقْ. رسمتُ خيالاً واسعاً. كانت السفينة مهترئةً تنوء بالمهاجرين المزدحمين على
سطحها. لأول مرةٍ في حياتي أقابل أشخاصاً من جنسياتٍ أخرى، أفريقية وأفغانية
وباكستانية. يتحدثون لغاتٍ مختلفة، لكن وجوههم على تباينها كانت ترسم حلُماً واحداً
مشوباً بقلقٍ مبهَم. همومٌ تكاد ترهق أجساداً فتيةً تتأهبُ للشقاء وكسب الدولارات
والتمتع بالسيارات ومفاتن النساء. لم يكن أي شيء من ذلك يستهويني، فأنا غادرتُ بلدي
لأعيش حياةً اجتماعيةً مختلفة، حياة لا يسودها مظاهر "التخلف العصري" التي سادت في
مجتمعي، وتقمصتها زوجتي في منزلي.
قابلتُ شخصاً على ظهر السفينة، اقترب مني ليسبر غوري، فلم أكن أبدو له مناسباً
للاغتراب في هذا العمر مع تلك الرحلة الشاقة المشوبة بالمخاطر. حذَّرني من القراصنة
ومن وحوش آدميةٍ قد تسرق متاعي وترميني في البحر. لم أكن آبه لكلامه، فلن تخيفني
المخاطر، إذ كان فكري مشغولاً في تخيُّل شاطئٍ أرسو إليه وأرمي في البحر همومي.
في تلك الليلة المظلمة توقف المحرك عن الدوران. ساد صمتٌ ينذر بالموت غرقاً ونهاية
رحلة الحياة. رُفِعت الأشرعة وأُنزلت المرساة، وبدأت السفينة تتمايل كأرجوحةً تهزها
الأمواج. حين يعلو مطال اهتزازها، تتعالى أصوات الهلع بين الركاب. كنت أقف متسمراً
مستسلماً لقدَري، متمسكاً بعارضةٍ خشبيةٍ وسط السفينة، لن أفارقها حتى أفارق
الحياة. ظهر نيزكٌ يعبر السماء، ربما أنه كان نذيراً بالإعصار. راح الركاب يتلون
صلواتِهم ويبتهلون. وفي آخر الليل تمكَّن الإعصار من السفينة فقلبها، ووجدت نفسي
وسط البحر عائماً على قطعةٍ خشبيةٍ من حطامها.
بقيتُ ملقىً على خشبتي في الليلة المرعبة إلى أن أشرقتْ عليّ الشمس. لاح لي البَـر
من بعـيد. لوّحتُ بيديّ فلم ينتبه أحدٌ لندائي. خلعت قميصي، وجعلت من جسدي الصاري
ومن قميصي الشراع. وقادتني الريح باتجاه الـبر. بقيت واقفاً أمسك كالصليب بالشراع
إلى أن خارت قواي فسقطت مغمىً عليّ.
وجدتُ نفسي على الشاطئ ينقذني عمال في فريق إنقاذ من الأجانب، يتكلمون لغةً أجهلها!
حمَلوني إلى المستشفى وقاموا بخدمتي على أتمّ وجه. وعندما تأكدوا من شفائي ساقوني
إلى مديرة المشفى، قابلتني المديرة بلباقة واحترام دون أي اعتبارٍ لمظهري. رسمتْ
ابتسامةً عريضةً على شفتيها وقدمتْ لي فاتورةً طويلةً تشبه فاتورة بائع المتجر صاحب
زوجتي، فيها تفاصيلُ كثيرةٌ عن خدماتٍ قدموها لي، لم أفهم منها شيئاً. قلت لهم
مستخدماً بعض المفردات الإنكليزية التي تعلمتها في المدرسة أنني لا أملك قيمة
الفاتورة بعد أن ضاعت نقودي وأمتعتي في البحر. لم يكترث أحدٌ بأمري، ولم تقم
الموظفة على الصندوق سوى بتكرار كلامها طالبةً مني أن أدفع الفاتورة، فظننت أنها لم
تفهم كلامي. وجدتُ من المارة من يتكلم لغتي، لكن ذلك لم يغير في الأمر شيئاً.
اقتادتني إلى موظف آخر يبدو رئيسها في العمل، فطلب مني أن أوقع على أوراق كثيرةٍ لم
أفهم منها شيئاً، فربما أنه طلب مني التنازل عن كل ممتلكاتي التي لم أعد أمتلكها،
أو ربما أن أوقّع على تنازلٍ عن تعويض الغرق الذي سأحصل عليه من وكالة التأمين
البحري لدى مهربٍ مجهول الهوية.
وهكذا وقّعت طوعاً ومكرهاً على كل ما طلبه مني! ثم أمرني بمغادرة المشفى. التفت
إليه وأنا أغادر في باب مكتبه وقلت له أن ليس لي مأوىً أنام فيه، فأغلق باب مكتبه
دون أن يكترث بما قلت. حاولتُ أن أشكو أمري للمارة كي يساعدوني، لكنني لم أجد من
يصغي إلي. صرتُ أمشي هلعاً بين الزحام وأبكي لعل أحدهم يكترث بي، لكن لم أجد من
يهتم لهلعي أو حتى من ينظر إلي. هذه الكائنات لا تندهش ولا تهلع ولا تتحمس ولا
تكترث. وتساءلت بيني وبين نفسي: إن كانت الناس هنا هكذا تعيش، فكيف سيكون حالها عند
الموت؟ الكل يبدو في انشغالٍ أو في عجلةٍ من أمره، لا أحد يهتم هنا لمظهري الغريب
أو لثيابي الرثة. أصابني شعورٌ بأنني مخفي أو شفاف، فصرت أتلمس جسدي لأتأكد من
وجودي. وأعياني التعب، فخارت قواي من جديد، وسقطتُ على الرصيف بين أرجل المارة تخطو
من حولي، غريقاً هذه المرة من غير بحر أو قطعةٍ خشبيةٍ تطوف بي. حملوني في سيارة
المشرّدين ورموني عند أكواخٍ من الصفيح.
في أكواخ الصفيح عشتُ حالة التشرُّد بين المشردين وكلابهم الشاردة معهم وثيابهم
الممزقة ونعالهم المهترئة ولحاهم الكثة، فوجدت أخيراً من هم أقل مني اهتماماً
بمظهرهم. المشردون وحدهم من رأوني واقتربوا مني محاولين فهم قصتي. وجدَتني فتاة
نحيلةٌ من أكواخ التشرد، أشفقت عليّ وأطعمتني. جلبت لي معطفاً ووشاحاً كي أتقي برد
الليل. استلقيتُ على الرصيف وسط ضوضاء الشوارع في مركز المدينة، وأودعتُ رأسي
أمانةً في حضن فتاة الأكواخ. كانت تدعوني بسيدي وكنت أرد عليها بسيدتي. وجدتُ عندها
الحنان الذي افتقدتُه منذ طفولتي. حكيت لها قصتي مع المشفى، فتعاطفت معي وقالت وهي
تربت على كتفي:
- يا سيدي، في هذه البلاد كل شخصٍ مسؤولٌ عن نفسه. كان ينبغي عليك توكيل محامٍ قبل
التوقيع على أي ورقة.
- وما ذنبي أنا ياسيدتي؟ لم ينبهني أحدٌ لذلك؟
- للأسف يا سيدي، القانون هنا لا يحمي المغفلين.
- إذا كان القانون لا يحمي المغفلّين، فمن سيحمي إذاً؟ وأنتم من يحميكم؟ من ينفق
عليكم؟ وكيف تكسبون رزقكم؟
- بعض الشبان يقومون بالسطو والسرقات ليقدموا الطعام لجماعة الأكواخ!
- هؤلاء الصعاليك، هم الشرفاء الحقيقيون يا سيدتي.
رحت أبكي ندماً، أستعطف سيدتي فتاة الأكواخ وأذرف الدموع عندها:
- يا لخيبتي، فقدتُ أرضي، خسرتُ مالي وهجرتُ أهلي وأطفالي لأضيع في بلادٍ غريبةٍ لا
تعرف الرحمة.
- لا تندم على شيء يا سيدي، كان لا بد لك كي تدرك كينونتك، أن تخرج من حاضنَتك! لقد
كُتب عليك أن تسمع أخبارك من أفواه غيرك، وأن تكتشف ذاتك في بلادٍ غريبةٍ عنك.
كانت كلماتها بلسماً لجروحي، إنها الوحيدة التي أصغت إلي، حنونةً تهتم بي كأمي.
احتوتني وضمدت جروحي، أطعمتني واعتنت بثيابي. تلك سيدة خيالي التي أبحث عنها. هي
عوضي عن كل ما خسرته في حياتي.
نمتُ ليلتي على الرصيف مطمئناً، على كلمات سيدتي فتاة الأكواخ تربت على كتفي، وتمسح
على رأسي، لأستيقظ في سريري على صوت زوجتي، تلكزني بيدها: "انهضْ وأحضِر لنا الخبز
والحاجياتِ من السوق" أمسكتُ يد زوجتي وقبَّلتها، ثم عانقتُها باكياً وقلت لها
صاغراً: "أنـتِ ســيّدتـي الحـقـيقـية!"
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |
| المزيد من قصص العدد 58 |