|
لا أتذكر أنني مت..
لكن أمي أخرجتني من قبرها الألفينيِّ ، هكذا أخبرتني..
ثم..
وضعتني في قبري الواحد والعشرين وغادرتني..
كان الفصل صيفا حينها..
ووحدي كنت لا أحد..
***
الريح السافية التي غطت جسدي برمالها..
كانت تظنني عنترة العبسي..
لكن يديَّ كانتا فارغتين مني..
كتفاي أيضا لم تكونا لي...
لا سيوف، لا رماح، لا أقواس، لا جراب ولا ترس..
لا حصان..
ولا شنفرة..
حافي القدمين كنت..
وعيناي على بعيدهما كانتا مطفأتين..
ولا هدهد يدل الطريق عليَّ..
***
حين استيقظت مني رأيت علاماتها:
هذا عشبها، قلت لي، وسقيته بي..
فاخضرتْ..
وكنتُ نوارها..
هذا شجرها..أورق..
فأمطرتُني..
وكنت أزهارها..
هذه حديقتها اتسعتْ بي..
فتَحتُني سواقي..
وكنت ورودها..
هذا سهلها امتد بعيدا..سرت ليله..
وكنت قريبها..
هذا جبلها علا..صعدته..
وكنت قمتها..
لكنني لم أسمع وقع خطاها في قدميَّ..
ولا صوتها خرج من فمي..
ولا شهيقها عانقني..
لم أر تلويحة ذراعيها في البعيد..
ولا في القريب..
وحدي كنت..
في هذا الرمل الكثيف الكفيف..
***
تعالي يا قبرتي، ناديت عليها..
خذي شراع يديَّ إليها هناك..
سأحرس بيضك..
وإذا لم تعودي سريعا سأربي فراخك..
سأسرح بها في عشبي..
وأطعمها ديداني..
سأحضنها بكفيَّ سعيدا بها..
وحين تطير سأهديها أغصان أشجاري..
لا تنسي..عودي إلي بشراع يديها..
بخطاها عودي..وبصوتها..
وشهيقها..
***
...
..
.
انتظرتها ..
ولم تعد حتى الآن..
طارت الفراخ وهاجرتني..
ماذا سأقول لك أيتها القبرة حين تعودين؟..
اعرف انك ستعودين..ماذا سأقول لي؟..
ماذا سأقول أنا الذي سأبكي كثيرا حزنا على جنونك وأنت تحومين فوق عشك الذي صار
فراغا رهيبا؟..
***
كانت الريح التي توقفت بي هنا قد عادت إلي غبارا غبارا..
ها أنذا أحملني فيها..وأرحل بي..
إلى البعيد..
إلى البعيد..
ولا أراك..
ولا أراني..
***
أغادرك مثلما ألفت دائما..
أنت لي..لكن هراواتهم زرَّقت المكان، كل المكان..
شوارع وأزقة وطرقات..
موانئ ومحطات ومطارات..
نوما ويقظة..
ولم يبق لي في هذا القفر الوطني إلا رملك الذي سأحتمي به حتى تعود قبرتي..
وتعانقني سيوفي ورماحي وأقواسي..
وكتبي..ورؤاي..
وحصاني..
وبيض عطش مسافاتي..
وحتى تعودي أنت التي ، مثل موسى بن علي بن السعيد جد أمي، ترذرذين ريقك بين الحقول
لترتوي وتخصب أكثر أكثر..
وحينها سأعود إليك..
سنعود إليك كلنا..
أمطارا..
وأمطارا..
أعشابا..
وأزهارا..
قمحا وشعيرا وأشعارا..
يا أنتِ..
يا أنا
--------
موسى بن علي بن السعيد درويش، يقال حين ينقطع المطر عن الحضنة يمشي بين حقول القمح والشعير وينثر ريقه فترتوي وتخصب ويكون العام خيرا وفيرا.
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |
| المزيد من قصائد العدد 60 |