الأنانيّة السويّة
أخلاق الكائن البشري الطبيعية

 

 

الإنسان حيوان أناني بطبعه والأنانيّة توجد فيه ويتّسم بها بالفطرة مثلها مثل بقيّة السمات الطبيعيّة الّتي تولد معه فالإنسان الطبيعي لا يمكن أن يحيا حياة طبيعيّة بيولوجيّة نفسيّة إلاّ إذا كان أنانيا وغير ذلك سيكون عدم ذلك أنّ الأنانيّة أصل البقاء الّذي بدوره يعبّر عن ضرب من الأنانيّة فحبّ البقاء هو حبّ الذات أو الأنانة الّتي بها يصبح الأنا أنا ومن يحارب ويقاوم من أجل البقاء هو أناني يحبّ الأنا الّتي بها يحيا ويبقى ويحبّ ذاته التي بها يحب الحياة.

فالأنانية قائمة إذن على أخلاق الحبّ ليكون الحبّ هنا ايتيقا الوجود المثبت والمقبل على الحياة لكنه ضرب من الحب مختلف نوعي غريزي طبيعي في استعدادات الكائن البشري الطبيعية ربّما هو ذلك الكوناتوس بعبارة الفيلسوف سبينوزا لأنّه الجهد الذي يبذله الكائن من أجل الحفاظ على بقائه ومن ثمّ الرغبة الواعية التي تسعى إلى الإشباع أو الشهوة الواعية بذاتها في البقاء وحسن البقاء أو الوجود الأسمى. فالأناني من أجل نفسه يتعامل مع هذا الواقع والمحيط على أساس نرجسي أناني.

لكنّ الأنانية أنواع وضروب منها الأخلاقية ومنها اللاّ- أخلاقية, منها الإيجابية ومنها السلبية, منها الفاضلة ومنها الفاسدة وبالتالي السويّة والغير سويّة.

الأنانيّة السويّة

من المتفق عليه عاميا أن لفظ "الأنانية" أخلاقيا واجتماعيا وعبر كل مراحل التاريخ البشري، لفظ سلبي من الناحية الأخلاقية وهو مجرّد اعتقاد شائع لا مشروعية له إذا ما فكرنا فيه منطقيا لأنّ الإنسان عموما يميل لنصرة ذاته الذوات الأخرى. أي مصلحته الخاصة بما هي الـتي تقوم على اعتبار أن الدافع الأساسي وراء الأفعال والسلوكات والتصرفات هو المصلحة الشخصية، حتى في الأفعال التي يبدو عليها طابع الإيثار والكرم. فكلّ فعل هو من أجل الأنا أي الذات, سواء كانت نتائجه مباشرة أم غير مباشرة لكنّ هذا الضرب من الذاتية الأنانية ليس فعلا منبوذًا بل هو فعل صحي من الإنسان تجاه ذاته إذا كان المنتفع هو النفس بشرط عدم إلحاق الضرّ ببقية الكائنات.

وعليه فإنّ الأنانية السوية هي الأنانيّة الصحيّة والأنانية الإيجابية، فالإنسان مخلوق مفطور على حبّ نفسه ووجوده، وحسن وسلامة وجوده، ومن ثم استمراره وكماله وليس حبه للآخر أحيانا والخوف والحذر منه أحيانا أخرى سوى ضرب من حبّ النفس ورغبة منه في الاستمرار والوجود الأرفع. فالنفس أمانة صاحبها لنفس قال تعالى: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"(21) (الذاريات).

فالله تعالى قد رفع الإنسان منزلة عليا دون بقية الكائنات "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (70) (الإسراء). ربّما قد يكون هذا دافع قوي لكي يفخر الإنسان بذاته ويزداد ارتباطه بها. يقول تعالى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ(المائدة 105 ).

يحدد علم النفس الأنانية السوية (حبّ الذات) بما هي أمر فطري ومقوم من المقومات الأساسية للشخص السوي نفسياً، وذلك لأنه يجعل الفرد واعيا بإمكانياته الداخلية, وبالتالي يحاول دائما الدفاع عنها وتحسينها من أجل أن يصبح الشخص الأفضل بين أغياره دون التعالي على الآخرين. وهذا ما يتفق مع ضوابط الدين الإسلامي العظيم باعتباره يوصي بأن يكون الشخص دوماً ساعياً لجلب النفع لنفسه وليس أدلّ على ذلك من قول النبى صل الله عليه و سلم (..واحرص على ما ينفعك ..) وذلك دون أن يضر بمصالح ومعنويات من حوله وفقا لما ينصّ عليه الحديث "لا ضرر ولا ضرار".

الأنانية و الفضيلة

هناك اعتقاد أخلاقي سائد يذهب إلى أنّ الأنانية رذيلة وتتنافى مع ما هو أخلاقي، لكنّ الأنانية المقصودة هنا هي تلك الّتي تكون فيها الأفعال والتصرّفات على حساب الآخرين ولصالح "الأنا" أو "الذات"، لكنّ الأنانية حين تكون إيجابية وصحيّة أي سويّة هي الطريق نحو الفضيلة وبالتالي الخير الأسمى لصالح الذات دون الشرّ للآخرين, وهذه هي الأنانية الفاضلة والمحمودة الّتي تبلغ مرضاة الله والنفس.

إنّ معرفة وحب النفس هو معرفة وحب الله وهذا هو الفضل الأعظم والفضيلة الأسمى ذلك أن الإنسان إذا أحب نفسه وأكرمها وارتقى بها نحو العلو والسمو، وجنبها الفساد والخزي وسعى إلى تطهيرها من كل شر ورذيلة.

ليست الفضيلة فقط هي حبّ الآخرين كما هو سائد أخلاقيا لكنّ الفضيلة الحقيقية هي في حبّ الذات. والأنانية المعتدلة هي التي لا إفراط ولا تفريط في محبة النفس وهي الأنانية الصحية بها يسعى المخلوق إلى تطوير ذاته ورفعة شأنه تجعل الإنسان يغير من عاداته الطالحة إلى الصالحة بما انه لا يود لها لها سوى الأفضل. وهنا سوف يتصالح مع نفسه الأنانية المعتدلة تجعله شاكرا حامدا لنعم ربه عليه وبالتالي يغنم حب الله وحب عباده: إنّ حب الذات غريزة متجذّرة في أعماق الطبيعة الإنسانية، وهذا الحب والاعتناء أمر مشروع فمن حق الإنسان أن يحبّ ويتمنى الخير لنفسه، ويدفع الألم والضرر عنها يقول تعالى : "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا. ("النساء:29).

فحب الذات, تحقيق اللّذة والإحسان لها وتوفير الحماية، الهدف إسعادها الإخلاص, الوفاء كلها فضائل يأمر به الله تعالى ومن هنا فإنّ الأناني هو الفاضل لأنّ المبدأ الّذي يحكم الأنانيّة هو مبدأ اللذة، الّذي يقوم على أنّ الدافع الأساسي لجميع الأفعال البشرية هو الميل إلى تحصيل اللذة وتفادي الألم وبالتالي فتفادي الألم والحرمان هو إحسان للنفس يقول تعالى: "وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"(البقرة:195).

يعتبر الفيلسوف اليوناني أبيقور بأن الإنسان يعيش كي يزيد من طمأنينته و سعادته؛ حيث أن السعي وراء اللذة تتحقق في حياة الإنسان من طفولته حتى بلوغه الرشد، وحتى قيامه بالأفعال ذات الطبيعة الغيرية والفاضلة ليس من أجل الآخرين أو بدافع قانون أخلاقي متعالي، إنما لأجل زيادة الأتراكسيا (طمأنينة النفس) للذات وهذا واقع البشر قديما وحديثا.

إنّ السلوك البشري محكوم بالحاجة إلى زيادة السعادة وإنقاص الألم, وبالتالي فإنّ البشر والحيوانات كائنات تبحث بشكل دائم عن البقاء والمحافظة على حسن وكل فعل لا يراعي هذه الغاية يعدّ فعلا لا أخلاقيا. فجميع الأنواع تحاول أن تزيد من فرص بقائها، ورفاهيتها. فالسعادة الأنانية إذن هي غاية الإنسان وهي أن يتمكن من إشباع هدفه الشخصي بالبقاء، وسوف تبقى السعادة دائماً ملاحقة ما دامت الإنسان كائن الحياة بامتياز وينزع دائما إلى البقاء والاستمرار في هذا الوجود.

ومن هنا فالأنانية ليست جريمة، مثلما تعتقد بعض المثاليات الأخلاقية بل إنّ الإنسان بطبعه كائن أناني يقدم نفسه على الآخرين، وأنانيته محمودة وليست مذمومة غير أنّ المشكلة هي عندما لا نعي أن التودد واللطف ومساعدة الآخرين أو مجاملتهم هي من أذكى أنواع الأنانية لأن الإنسان الّذي يحب نفسه حبا جما لا يمكن أن يبخل عليها برصيد من اللين والتضامن من الآخر بالنظر إلى أنّه يعود له عاجلا أم آجلا.

فواضح أنّ الدافع الأعلى والأعظم لهذه الأفعال، هو الأنانية السويّة والإنسان هنا يفكر بأنانية، ويتصرف بأنانية وليس له هدف محدد إلا عشقه لنفسه ومصلحته مهما تقنـّـع ومهما حاول أن يكون محبا لغيره أو أن يدعي ذلك أخلاقيا يبقى دائما مخلصا لذاته فقط.

لا يحب الإنسان إلا نفسه، ونفسه فحسب، وكل ما يتبع بعد ذلك هو ضرب من الأخلاقية المزيفة التي يتسلى بها أمام الآخرين ولكنّه باطنيا لا يرى سوى صورته الأنانية. فالإنسان الحقيقي، الحقيقي وليس الواقعي هو الأناني بالطبع. لأنّ الأنانية من السمات النبيلة الّتي بها يسعى الإنسان لفعل الخير في حق الذات وهي الأنانية الإيجابية وليست تلك الأنانية المفرطة في حب النفس على حساب الآخرين الّتي تصل حدّ التعصّب والدغمائيّة.
 


   

 

لطفاً إشترك في الصفحات التالية