|
(1)
عندما تنتهي من القطعة الكتابية التي بين يديك أياً كان نوعها، أركِن المكتوب برهةً
أو ساعةً أو عدة أيامٍ هناك في مكانٍ ما من طاولتك أو حجرتك، وقِف بعد العودة إليها
موقف الغريب عنها، وانظر إليها وكأنك آخرٌ صادف الذي رتقته للتو أو في الأمسِ بنسغ
أفكارك، فإن لم يأخذك المحتوى بعيداً، وإن لم يصعد بك نحو الروابي والجبال، وإن لم
يقربك في النزولِ من المنحدرات ووادي المواجع، وإن لم يذكّرك بحادثةٍ أو بموقفٍ أو
بأشخاصٍ معينين أو بأماكن محفورة رسومها في جدران الذاكرة، وإن مضيت على المكتوبِ
كما تعبر المياه مجرىً من الاسمنت المسلح والمدعم بمواد عازلة لا تسمح بأيّ تفاعل
مع التربة، ولم تترك المياه أيّ أثرٍ خلفها، حينها يمكنك بكل سهولة التخلي عن فكرة
نشر المدّون وأنت غير نادم، لأنك بذلك القرار ستكون قد احترمت ذاتك والقارئ معاً.
(2)
بقيتُ زمناً لا بأس به أفكر بالذي يدعم حُجتي مع أهل الغرور ومدعي امتلاك الإرادة
والكمال، إذ كنتُ في كل مرةٍ أقول فيها بيني وبين نفسي كلما صادفت أحد المبتلين
بذلك الادعاء: إن على واحدنا أن لا يبالغ بشأن العزيمة الذاتية وفهمه للعالم، طالما
أنه فاشل في معرفة وظيفة وكنه أصغر عضوٍ في بدنه، إلاّ أن الاكتشاف الداعم لتصوري
كان مبهجاً يوم عثرتُ على جملة للفيلسوف اميل سيوران في كتابه "اعترافات ولعنات"
وحيث يقول فيها: الإنسان حر إلاّ حين يتعلق الأمر بما هو عميق فيه؛ على السطح هو
يصنع ما يريد، أما في طبقاته المعتمة فإن الإرادة لفظٌ خالٍ من أيّ معنى.
(3)
ثلاثةُ أشخاصٍ يجدون ضالتهم في الببلوغرافيا:
أحدهم لا جلادة له على تتبع وقراءة المتون، فيكتفي بالمعلومات المتعلقة بالكاتب أو
الشخص الذي خُصّص المكتوب عنه.
والثاني هو ذلك الذي لا يجد ضالته في المتون، ولكيلا يخرج خالي الوفاض يعود إلى
الببلوغرافيا مرةً أخرى قبل أن يغلق باب الأوراق ويضع المحتوى برمته من يده.
والثالث لا يقرأ المتن أصلاً إنما تهمه فقط التواريخ والحوادث ونشأة ذلك الذي جاء
في سياق الببلوغرافيا عالماً كان أم فناناً أم كاتب.
(4)
يقول أحدهم إن بعض النقاد في بلادنا يكون لدى واحدهم وظيفة مزدوجة؛ إحداها التطبيل
للكبار مهما كان نتاجهم عادياً، والثانية: نهش أطراف الصغار حتى ولو كانوا مبدعين
بحق، إلَّا أللهم إذا كان الصغير ابن مسؤول أو ابن رجل أعمال أو ابن مؤسسة يقعي ذلك
الناقد على بابها؛ أما عن الشاعر فيقول إنه بدعوى التصعيد اللغوي والحفاظ على شعرية
الكلمة يخبئ الكثير من الشعراء مواقفهم مِن الهلعِ خلف الغموض المطبق والسريالية،
بحيث يستحيل على الراصدِ مهما كان حاذقاً الدخول إلى قاع مكتوبٍ مطلسمٍ يصل تخوم
الاستغلاق التام.
(5)
من الأخطاء التي يرتكبها قارئ ما لا على التعيين، هو تطبيق كل ما قرأه في كتابٍ ما
على أرض الواقع، وذلك من دون إعمال العقل وتقدير الموقف ومعرفة مدى انسجام الذي
تعلمه من الكتب مع مجريات الحياة، وعلى سبيل المثال: فإن معرفة متى نقول "لا" مهمة
للغاية ومفيدة لأنها ستخفِّف عنا الكثير من الواجبات والالتزامات التي ألزمنا
أنفسنا بها، أو الكثير من الطلبات التي إن قلنا حينها "لا" بدل "نعم" لارتحنا من هم
تحمل المسؤولية، كما أن قول شيء في غير مكانه قد يقودنا إلى ما لا يُحمد عقباه،
مثلاً أن يقوم عسكري ما بتطبيق ما جاء في كتاب "كيف تقول لا" للكاتبة سوزان نيومان
في الجيش فحينها لا شك سيلقى نصيبه من العقوبات القاسية، وستكون المعرفة التي نهلها
من الكتاب نقمة عليه، وسيندم على الساعة التي تعلم فيها كلمة "لا"، علماً أن
المشكلة ليست لدى الكاتبة ولا هي في الكتاب، إنما فيه هو وفي طريقة تلقفه للمعارف،
باعتبار أنه قال "لا" في المكان الذي كان عليه أن يقول حاضر أي "نعم".
(6)
في دنيا القراءة التقليدية كمشرب رئيسي من مشارب العلم والمعرفة إلى جانب طرق كسب
المعارف عبر الأدوات المسموعة والمرئية يبقى رأيي فرنسيس بيكون قريب جداً مما أميل
إليه وحيث يقول: "اقرأ لا من أجل المعارضة والنقض، ولا من أجل الإيمان والتسليح،
ولا من أجل السعي والمجادلة والحوار، ولكن لكي تزن الأمور وتمعن النظر فيها".
(7)
القراءة لها علاقة مباشرة بالمزاج والميول إن لم تتحول إلى عادة، إلاَّ أن أسوأ
أنواع القراءة هي التي نفرضها على أنفسنا أو تُفرض علينا، لأن المقروء عندها يكون
حاله حالة طبخة لا نودها إطلاقاً، ولأننا لا نرغب بتناولها يحدث بعد تناولها
إشكاليات هضمية، والقراءة المفروضة مثل الطعام الغير قابل للهضم، فعدا عن أن الوقت
ضائع معها، فإن الفائدة منها عادةً ما تكون في أدنى مستوياتها، إلاَّ اللهم إذا كان
المقروء المكره من قِبلنا كان الغرض منه مثل تقديم الامتحانات، فعندها تكون
المقروءات موضوعة في الذاكرة المؤقتة لنا، ولمجرد أن ننتهي من الامتحان تتبخر
المعلومات المتعلقة بها من الذاكرة من تلقاء ذاتها، لأن حفظها كان مؤقتاً؛ وحيال
القراءة الشخصية يبقى من أغرب ما مر معي هذا العام أي 2021 هو أنني في شهر رمضان لم
أقرأ إلاَّ سورة واحدة من القرآن، في الوقت الذي رأيتني فيه مندمج في قراءة كتابين
آخرين بالتتابع يخصان الدين المسيحي وليس الإسلامي، وهما كتاب أقوال الآباء
المصريين، وكتاب بستان الرهبان!
!.
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |