|
العمل بمخيم الزعتري كان التحدي الذي جعلتني اشعر بقيمة واهمية العمل التطوعي
فلقد شكل النقطة الفاصلة بحياتي وحياة الكثيرين ممن شاركوا اول فصول المأساة
السورية واثارها الاليمة بصور اشخاص نجو من الموت بموت اشد. شهدنا بعيون دامعة
احساس الالم بكل بشاعته وهو يتجسد كيانا حقيقيا في كل الالوان التي يمكن ان تصنع
صور التشرد والقهر. تلمسنا صورة الزمن حين يكشر عن انيابه. ما اقسى حياة البؤس حين
تصبح أمرا واقعا من غير رتوش جمالية. الحزن يتضاعف والجسد يأن حاجتة الى جدار صلب
يحمل ظهره المتعب ولا يجده، او لأن يقف منتصب القامة ولا يستطيع. ما كان اشد الحاجة
لنسمة هواء في هذا المكان القابض على حرارته بقوة وحرص. ما اشد ان ترى التشابه بين
صفار تراب الصحراء ولون الوجوه وعقولهم على لون واحد، لن ترى في محياهم كبارا
وصغارا الا الحزن والالم. الخيمة وان كانت تستر من بداخلها الا انها تعلم الانحناء
والقلق لانها من غير باب يمكن غلقه او قفله وهذا فيض من غيض لما كان في هذا المكان
الموحش الذي اقيم على عجل وقد خلا من كل شيء الا ترابه الناعم الذي عادة ما يثور
بدوامات.
اشاعة الفرح ومحو كل ما هو بائس نتيجة الحرب والتهجير كان الهدف الذي بذلنا من اجله
اقصى الجهود كفريق متكامل بالعمل والسهر على راحة اللاجئين واستقبالهم من هول
الطريق واخطارها وتأمينهم بما يلزمهم من الحاجات الاساسية وذلك من خلال عملنا في
احدى المنظمات الانسانية التي تعنى بالطفولة. كنا نرى عيون زائغة اخطأتها سهام
الموت والحياة معا. كثير من اللاجئين كانوا بحالة ذهول لا يعرفون ان كانوا ما زالوا
على قيد الحياة لذلك كانت المهمة شاقة فأن تتجاوز حياتك اليومية بما فيها من ضحك
ولعب وحزن على مدار اليوم او ساعات العمل الى حياة الاخرين فقدوا جنة اوطانهم، فأنك
تحتاج الى روح فينيق تولد فيها كل دقيقة. الحياة اوالموت سيان لمن ترك بيته قسرا
ولمن اضاع بوصلة الامل بالعودة. لقد كان عملنا بمثابة محاولة لبعث الحياة والبحث عن
مخرج لمساعدة هؤلاء اللاجئين على رؤية كافة الالوان التي كانت قد تجسدت بلون واحد
وهو الاسود. ايمانا بتحقيق الكرامة الانسانية التي ما كانت لتكون قائمة والنفوس
معذبة. حين شاركناهم الوجع بالخضوع الى ذات الظروف الجغرافية الصعبة كان حلمنا
تغيير حيوات اناس غامروا بأرواحهم وحملوها هونا على هون للنجاة، استطيع ان اقول
بأننا نجحنا في محطات كثيرة في مسيرة من قاسوا اللجوء خاصة مع الاطفال الذين كان
عملنا الحقيقي لهم ومن اجلهم في تجاوز عوزهم وحبهم لمكان ميلادهم سواء أكان قرية او
مدينة في وطنهم الام سوريا. اتذكر احد الاطفال حين سألته عن حلمه؟ قال لي الذهاب
الى طفس! وعندما سألت متطوعة سورية كانت تعمل معنا قالت انها اسم قريته. دهشت من
اجابته وهو الصغير الذي لم يكن يتجاوز عمره خمس سنوات. حصدنا من خلال كل من تطوع في
هذا العمل العظيم الى تحويل المخيم من ارض ترابية صفراء وزوابع ترابية دون وجود
لاشجار تخشخش وعصفور يغرد الى شوارع معبدة وبنية تحتية كبيرة، استحق فيها المخيم
ومن خلال كافة الانجازات بأن يصبح المحافظة الرابعة في الاردن في العدد والخدمات
بوقت قياسي بتضافر الجهود.
ان مخيم الزعتري الذي انشئ على الاراضي الاردنية منذ العام 2012 لاستقبال اللاجئين
السوريين الهاربين من نير الحرب كان وما يزال البقعة التي تمثل بؤس الانسان للانسان
والوجهة التي تهوي اليها النفوس بقبس الرحمة لرفع العذاب عن نفس ساكنيه.
حتى اللحظة الراهنة تطورت الحرب وازهقت العديد من الارواح وافضت بهم الى تحت الارض
وفوق الارض موتى! لان الاحياء منهم اموات بفقدان كرامتهم وبأغلال الظلم التي تلتف
حول اعناقهم حسرة وكمدا. فالانسان الذي يكبر خارج وطنه يمضي حياته من غير روح لانه
ينمو ويكبر ولديه شعور بأنه ضيف ثقيل على مضيفة والطرف الاخر الذي بقي مرابطا في
وطنه يبقى رهين الحزن والدمار والموت الذي لا يخطئ احدا.
عبرت الى تلك الوظيفة وانا لا اجيد ركوب المخاطر لكنني مع ذلك واجهت قرار الرفض في
التحاقي بمثل هذا العمل الذي ينطوي على احتمالات عديدة بأصرار كبير. وكنت آمل أن
يكون قراري هذا صحيحا وليس تحديا! كوني كنت عاطلة عن العمل مثل الكثير من الخريجين.
العراقيل والتحديات التي وضعها الاهل والاصدقاء في طريقي كانت جديرة بالانحياز الى
رأيهم والبحث عن وظيفة اخرى. الا ان اصراري كان اكبر من الاذعان الى رغبة الخوف
التي كانوا يحوطني بها كلما قلت نعم سأذهب!. كنت كأنني اسكت عاصفة قوية تصفّر
بداخلي فاللجوء والنزوح معاني نشات معهما وسمعت عن مرارتهما ما لا يصدق!. احداث
النكبة والنكسة والحزن الفلسطيني والوجع الذي سطره من غادروا ارضهم قسرا بأمل
الرجوع ما يزال ماثلا وجرحا نازفا في قلوب كل الفلسطينين. اما تفصيلات كيف وقعت
النكبة والنكسة وحصول الفلسطيني على لقب النازح او اللاجئ فهذا وضع تتحمل تبعاته
المواثيق الدولية وتواطؤ من شارك في ترسيخ الوجع الفلسطيني والوجع العربي عموما
فيما بعد.
|
|
| لطفاً إشترك في الصفحات التالية |