المقال
ربما مع حلول الذكرى السابعة والثلاثين لخروج منظمة
التحرير الفلسطينية من بيروت والتى شكلت فصلا آخر من فصول دراما مشاهد النزوح
الفلسطيني التى تكررت فصوله منذ عام 1948 وإلى اليوم؛ تستدعينا الذكري للوقوف على
عتبات تلك المرحلة الصعبة والهامة من تاريخ القضية الفلسطينية ، والتى كان لها
الاثر الكبير لما حصل بعدها من أحداث غيرت مجري القضية الفلسطينية، والتي كانت
نتيجة حتمية لما جرى قبلها من أحداث أيضا.
أترك مداخلة
شكرا لمداخلتك، سوف يتم نشرها أسفل مقال الكاتب
لن اتوقف كثيرا عند السرد التاريخي لمجريات الاحداث، وإن كنت على يقين أن جيل
السياسيين المحدثين، والكثيرين من جيل الشباب لا يعلمون الكثير عما حدث، وفي أغلب
الأحيان يغيب عنهم – إما جهلا أو تناسيا – أن حلقات التاريخ ومسيرة الاحداث، هي
حلقة متصلة لا يمكن لنا أن نفصل فيما بينها، لنستطيع تحليل مجريات الأمور في سياقها
التاريخي والسياسي، وأن نتفادي لمسيرة التاريخ أن تعيد نفسها، وان كنا نعلم يقينا
أنها لا يمكن أن تعيد ذاتها، وإنما تنجب مواقف مشوهة وممسوخة، كلما تغافلنا عن
دراستها بشكل اكثر عمقا واكثر واقعية.
وفي اعتقادي أن التواجد المدني للفلسطيني في لبنان والذي بدأ إبان الهجرة عام 1948
، والتواجد العسكري الذي بدأ بعد خروج الثورة الفلسطينية من الأردن، بعد المجازر
الدامية التى ارتكبها نظام الملك بحق المقاتلين الفلسطينيين، والتى أدت الى خروج
المقاتلين الفلسطينيين إلى لبنان في العام 1971، لتعيش الثورة مرحلة شبابها في
الساحة اللبنانية 1971- 1982، من ثم ليصيبها الهرم بعد رحيل قياداتها، ومعظم
كوادرها إلى تونس وغيرها عام 1982، وتشيخ بسرعة بعد العودة للوطن وقيام السلطة
الفلسطينية عام 1994.
وحين نتحدث عن تلك المراحل التى عاشتها الثورة الفلسطينية ومعها الشعب الفلسطيني
بأكمله، لا نستطيع أن نغمض أعيننا عن نجاحاتها، أو اخفاقاتها في اغلب الساحات، كما
لا يمكننا أن نتجاوز الألم والمعاناة التى عانتها مسيرة الثورة في كل تلك الساحات.
وهذه المراحل – وبالأخص دور الثورة الفلسطينية في لبنان - بحاجة إلى مراجعات
موضوعية وشجاعة تفرز الخطأ عن الصواب وتحدد التخوم والفواصل بين ما هو ايجابي وما
هو سلبي، وتميز الأخطاء الاستراتيجية عن الاخطاء التكتيكية، وتفصل بين ما فرضته
الظروف الموضوعية في سياق مرحلة الكفاح المسلح والدفاع عن استقلالية القرار
الفلسطيني، وما صنعته الذات الفلسطينية المقررة. هذه المراجعة لا يجب ان تقف عند حد
الفلسطينيين فقط، وانما أيضا تتطلب مراجعة شاملة أيضا من قبل اللبنانيين والسوريين،
ومن كل من كان له دور في إسعاد أو تعذيب الشعبين الفلسطيني واللبناني.
خرج المقاتلون الفلسطينيون من لبنان، بعد معارك ضارية خاضوها ورفاقهم من القوات
الوطنية اللبنانية ضد الغزو الإسرائيلي، الذي شارك فيه حوالي 150 ألف جندي مدججين
بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، يساندهم القصف الجوي والبحري والبري العنيف،
بغرض اقتلاع الوجود العسكري الفلسطيني من لبنان، وبمباركة ضمنية من أنظمةٍ عربية
إقليمية كانت تشعر بأن الوجود العسكري المسلح للقوى الفلسطينية يهدّد وجودها.
قصفت قوات العدو الصهيوني، قبل الاجتياح بأيام، منشآت للثورة الفلسطينية في بيروت،
كانت تحتوي على مستودعات الأسلحة، الأمر الذي أضعف التصدي عند مقاتلي المقاومة
للقوات الغازية. وعلى الرغم من ذلك، ردت قوات الثورة بقصف مواقع إسرائيلية بصواريخ
الكاتيوشا من الجنوب اللبناني على شمال فلسطين، واتخذته إسرائيل ذريعة للاجتياح.
تمكّنت القوات الإسرائيلية من اجتياح لبنان بسرعة، ووصلت إلى مشارف بيروت في 9
يونيو/ حزيران 1982، اشتبكت مع قوةٍ من الجيش السوري كانت متمركزة هناك، ولم تتمكّن
من التصدّي للغزاة، وخرجت من المعركة مبكراً بذريعة الانسحاب التكتيكي، بحسب ادعاء
النظام السوري آنذاك.
استمرت معارك بيروت 65 يوماً، قطعت فيها القوات الإسرائيلية طريق الشام بيروت،
ودخلت مرحبا بها إلى المنطقة الشرقية منها في 11 حزيران - يونيو، وأطبقت حصاراً
خانقا على بيروت الغربية في 14 منه، وقد تجمع فيها قرابة 13 ألف مقاتل فلسطيني
ولواء من قوات جيش التحرير الفلسطيني، إضافة إلى آلاف من مقاتلي الحركة الوطنية
اللبنانية.
اتخذت منظمة التحرير الفلسطينية قرار الصمود، قدّم فيه المقاتلون الفلسطينيون،
وإخوتهم من المقاتلين في القوى الوطنية اللبنانية، أروع البطولات على مدى شهرين من
الحصار الخانق الذي فرضته عليهم قوات العدو الصهيوني، ومنعت عنهم مقومات الحياة من
غذاء وماء ودواء وكهرباء، بالإضافة إلى القصف الوحشي اليومي من البر و البحر والجو،
حاولت خلاله أيضا القوات الصهيونية اقتحام بيروت الغربية مرات ومرات، وفشلت، ولم
تستطع التقدم شبراً باتجاه المحاصرين في بقعة جغرافية صغيرة.
استشهد وجرح خلال المعارك آلاف من المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين والمدنيين
أيضاً، الأمر الذي يعني أن إسرائيل فشلت في احتلال بيروت الغربية، ما اضطرها إلى
الموافقة على وقف إطلاق النار في 12 أغسطس/ آب 1982، على ضوء الاتفاق بين المبعوث
الأميركي فيليب حبيب، ممثلا عن الجانبين الإسرائيلي والأميركي، وقيادة منظمة
التحرير. وفي 18 آب \ أغسطس، توصل المتفاوضون إلى اتفاق يقضي بخروج المقاتلين
الفلسطينيين من بيروت خلال 15 يوماً، الأمر الذي بدأ بحراً في 21 آب \ أغسطس،
وانتهي في 31 من الشهر بحماية دولية. وقد بلغ عدد المقاتلين المغادرين بيروت 11 ألف
مقاتل، بالإضافة إلى 2600 عنصر من جيش التحرير الفلسطيني، توجهوا إلى مناف جديدة في
سورية والعراق وتونس واليمن والجزائر والسودان، وتوجه ياسر عرفات إلى اليونان،
معلنا أنه سيعود إلى فلسطين من هناك. وظلت مناظر توديع المقاتلين الفلسطينيين في
الملعب البلدي وعلى طول الطريق، جارحة ومؤلمة للجميع.
المغادرون يبكون ويطلقون النار في الهواء لسبب غير معروف ويلوحون للمودعين والودعات
بإشارات الاعتزاز والافتخار بخروجهم بسلاحهم، والمودعون والمودعات يبكون ويلوحون
بشارات الحزن على الفراق. وكلا الطرفين كان قلقا على نفسه وعلى من يودع من الأهل
والأحبة والأصدقاء. المغادرون قلقون من المصير المجهول الذي ينتظرهم في بلدان
المهاجر والشتات المتكررين، وقلقون على من تركوا خلفهم من الأحبة، خاصة أنهم يعرفون
أن القوات الإسرائيلية وحليفتها الإنعزالية لن ترحم من تبقى من المدنيين
الفلسطينيين العزل من السلاح. والمودعون قلقون على من رحلوا وعلى أنفسهم هم الذين
كانوا على يقين أن المنتصرين في الحرب سوف ينتقمون منهم. ولم تكذب الأحداث إحساسهم،
فقد تعرض مخيما صبرا وشاتيلا إلى المجزرة الشهيرة.
نعلم جيدا وعبر هذه العجالة أننا لا نستطيع اعادة التاريخ إلى الوراء، وإلا لكان
لنا شأن آخر مع كافة الأحداث المفصلية التى عصفت بالمنطقة العربية وبالفلسطينيين
على وجه الخصوص، ولكان لنا شأن آخر مع نكبة عام 48 وتهجير الفلسطينيين عن ارضهم،
ولكان لنا شأن آخر مع هزيمة عام 67 وسيطرة الاحتلال على باقي فلسطين ... وغيرها من
المحطات التاريخية الأخرى.
واليوم ونحن نعاقر كأس الخروج من بيروت حين كانت المقاومة الفلسطينية في قمة قوتها
العسكرية قبل قرار المغادرة يثور لدينا التساؤل:
• لماذا غادرت الثورة بيروت وهل كان قرار الانسحاب – الذي ترك المخيمات الفلسطينية
من دون وسائل دفاع ذاتي – صائبا؟
قلنا إنه من الصعب إعادة رسم مسار التاريخ بعد حدوثه ، فالإغراق في سيناريوهات
إعادة كتابة التاريخ لها اغراء مميز في ساعات الهزيمة والإحباط والفشل. لكن مما لا
شك فيه أن قرار الرئيس الراحل عرفات بمغادرة بيروت، التى كانت خير من احتضن الثورة
الفلسطينية ورجالها، قد أثر على تاريخ الصراع العربي مع الاحتلال، وعلى تاريخ
المنطقة برمتها. فالوضع اللبناني لم يعد كسابق عهده، وقد تسرب إليه الخطاب الطائفي
والمذهبي، وتدهورت الحالة الاقتصادية العامة في لبنان، بعد أن كانت تشهد حالة
انتعاش قبل خروج المقاومة، وتشكلت قوى جديدة طائفية أدخلت إلى القاموس اللبناني
مصطلح "خطر التوطين"؛ لاستعمالها ضد الثورة، والضغط مبكرا لخروجها من لبنان؛ حتى
ولو كان ذلك على حساب القضية الفلسطينية، أو مصلحة لبنان، بالإضافة إلى اصطفاف بعض
من القوات اللبنانية مع الاحتلال بشكل مباشر، واسهمت معه في تضيق الخناق على
العاصمة بيروت.
لكننا قبل المضي في التخيل السياسي الطوباوي، علينا ان نقر بالعديد من الضوابط
والضغوط التى اثرت في قرار القيادة الفلسطينية على الخروج من بيروت، فقد كان من
الصعب عليها المماطلة، أو الإصرار على البقاء بفعل تراكمات كثيرة - ربما من ابرزها
التصرفات المشينة والتجاوزات من بعض فصائل الثورة، ومن بعض دكاكين القيادة
الفلسطينية، والتى نفَّرت قطاعا كبيرا من الشعب اللبناني الذي كان متعاطفا مع
الثورة الفلسطينية، حيث فقدت سمكة الثورة ماءها (بحسب تعبير ماو تسي تونغ).
ناهيك عن القصف الوحشي لقوات الجيش الصهيوني، المعزز بالرؤية اليمينية الحاقدة من
قيادته، والتى كان على رأسها اليميني المتطرف "مناحم بيغن" ، ووزير حربه -عدو العرب
الأول – " ارون"، وتعمده المس بالمدنيين والمنشآت الحيوية تحت غطاء الدعم الامريكي
المطلق، وهو ما أفقد المقاومة المقدرة على اقناع السكان بضرورة الصمود إلى ما لا
نهاية.
ولا يمكن أن نتغافل أيضا عن أن قوي اليسار الثوري الفلسطيني لم تكن في حالة تسمح
لها بتشكيل لوبي ضاغط للبقاء، حيث كانت في وضع ضعيف وممزق، وأن ما تبقى مما كان
يُعرف حينها بجبهة الرفض، وزعيمها السابق جورج حبش كان دورها محدودا للغاية، فقد
كانت هي وما تبقى من عناصر قوتها مرتهنة في أيدي بعض الأنظمة التى لم تكن تُعير
لصمود الفلسطيني أية أهمية.
العالم العربي غائبا عن الحسابات السياسية ومغيب ولم يحرك ساكنا وهو يتابع مجريات
كأس العالم وبيروت تحاصر ويموت من فيها، وأنظمة الحكم العربي الرسمية متواطئا ضد
منظمة التحرير. والاتحاد السوفيتي كان في وضع متضعضع لم يمكنه من فرض أجنده ضاغطة
لصالح منظمة التحرير. والشعب الفلسطيني في الداخل تحت الاحتلال لم يستطع ان يشكل
عنصرا ضاغطا على العدو لافتقاره لأدنى مقومات الصمود وتركه من فترة طويلة على هامش
اهتمامات المنظمة.
كما ان منظمة التحرير نفسها، وقيادتها المتمثلة في شخص ياسر عرفات لم تكن تأخذ
المقاومة من داخل لبنان على محمل الجد، ولم يكن عرفات رغم تنبؤاته بالاجتياح،
ومحاولة تغيير الخارطة السياسية في لبنان، والضغط على المنظمة، يستجيب لطلب قيادات
عسكرية بارزة في المنظمة من أجل الاستعداد لذلك، وحتى أثناء المعركة لم يشكل غرفة
عمليات مركزية، أو لا مركزية لقيادة عمليات المقاومة في الاراضي التى تقع تحت
الاحتلال، وترك الأمور على غاربها.
لكل ذلك وغيره الكثير صار الخروج امرا واقعيا، ولا يمكن لمنظمة التحرير تحمل
عواقبه، وليس بعيدا عن هذا السياق، حرص العدو على ترتيب أمور البيت اللبناني
بالتزامن مع الخروج، وتنصيب الجميل رئيسا، وخروج القيادة الفلسطينية من لبنان.
كان يمكن لعرفات على الرغم من كل ذلك أن يرفض الخروج، وأن يصمد كما كان يَعِدُ
جمهوره بالصمود ( الستالينغرادي)، لكنه وافق سرا على قرار الخروج لأن الوجود
الفلسطيني العسكري في لبنان من منظوره لم يكن إلا وجودا تفاوضيا محضا، ولو لم يخرج،
ولأسباب كثيرة يطول حصرها، لكان استطاع استجلاب فوائد سياسية تفوق تلك التى حصل
عليها، ولما وصل به الحال لقبول اوسلو، ولما اصبحت منظمة التحرير ممثلة بسلطتها،
تنوب مناب الاحتلال وتتحمل عنه ضريبة احتلاله، وهذا ما لم يدركه عرفات إلا متأخرا،
وعندما أدرك قيمة القوة العسكرية والمقاومة قتله العدو.
ان قرار الصمود حتى لو انتهى بهزيمة عسكرية، ما كان ليجر مثل تلك التبعات التى جرها
الخروج، فحجم الويلات التى جرها خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، أثبت لدى كل
متأمل وواقعي، حجم الخطأ التاريخي الذي وقعت فيه منظمة التحرير الفلسطينية، من
استفراد بها وتشتيتها، واغتيال قادتها واعترافها بالاحتلال، وتنصيب من تبقى منهم في
مناصب وهمية تحت سيطرة بساطير الاحتلال، محصورين في مقاطعة رام الله، لتشكل لها
درعا واقيا بحجة الحفاظ على ما تبقى من المصالح الفلسطينية.
هذا كله - وغيره من الاسباب - يدفعنا إلى إعادة قراءة التاريخ لنحدد كيف سندير عجلة
المستقبل لمحاولة استدراك بعض ما فات والعمل على تصحيح المسيرة برؤية أوسع يؤخذ
فيها بالحسبان عدم اهمال كافة اشكال الفعل النضالي التى من شأنها تعزيز المطالبة
بالحقوق المهدورة وحماية الاجيال القادمة من تبعات ما اجترته أيدينا من أخطاء
جعلتهم يكفرون بكل المبادئ التى صممنا آذنهم بها.
![]()

