الأخيرة



حمّل النسخة الورقية


مزاحمة المطبوع

 

 

كشخصٍ يحاول قدر المستطاع أن يقتطع من يومه بضعُ ساعاتٍ للقراءة، فلا أخفي بأني ما زلتُ أميل للكتاب المطبوع، ومن كل بد ليس لأن الكتاب الورقي يزيد من جمالية البيت كما قد يرى ذلك المهتم جداً بموضوع الزينة المنزلية، إنما لسهولة وملاءمة الكتاب الورقي للوضعيات القراءاتية، سواء في سرير النوم أو على الكنبة أو في المطبخ أو على الشرفة أو على الطريق أو في الحديقة أو في وسائط النقل، هذا عدا عن حريتنا في تلوين ما يعنينا من الصفحات المقروءة، وما يلزمنا في الفترات اللاحقة للعودة إليها، أو كتابة ملاحظاتنا مباشرةً على نفس الصفحة أو الفقرة التي أثارت مشاعر ما لدينا، أو ذكّرتنا بمواقف معينة، أو أعادتنا إلى فترات مهمة من مسيرتنا الوجودية.

ومع كل تلك الأسباب التي تجعلنا متعلقين بالكتاب الورقي، إلاَّ أننا لا ننفي في الوقت ذاته بأن الظروف كثيراً ما تتحكم باختياراتنا وتملي شروطها الخارجية علينا، ومن تلك الأسباب: الاِزدحام الشديد الذي كان مراراً ما يُعيق عملية القراءة في وسائط النقل، إضافة إلى سبب آخر جوهري وهو ضعف الإنارة في الباص أو المركبة، مضافاً إليهما حالة المناخ السياسي وما يتداوله الإعلام التركي كل فترة عن السوريين، فإن كان هناك اِحتقان في الشارع التركي ضد اللاجئين السوريين لخطبٍ ما، كنتُ كالكثيرين مثلي أتحاشى إظهار الكتاب العربي في المواصلات من باب الاحتياط حتى لا يسألني أحدهم بامتعاضٍ ملحوظ "مملكت نرسه" أي من أين أنت؟ وأنا الفاشل عادةً في التنكر لانتمائي، فلا أستطيع أن أقول بأني من هذا البلد أو ذاك غير البلد الذي ولدتُ فيه؛ إذ أن تلك الأسباب مجتمعةً كانت كافية لمنعي من الاستمتاع بالكتاب المطبوع، وبما أنني نوعاً ما مولَّعٌ بالقراءة، ولأن ثمة حرص بألا يضيع هذا الوقت الذي أقطعه في المواصلات هدراً، لذا كنتُ أعرض عن الكتاب المطبوع الذي بحوزتي وألجأ إلى تلفوني وما يحتويه من الملفات، فأنهي كتاباً تلو الآخر من تلك الملفات الإلكترونية، بينما كتابي المطبوع يبقى رهين الإنتظار بسبب الظروف الخارجية المتحكمة بالذي سيتشرف بقراءته، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإن بعض دور النشر والمكتبات على وجهٍ خاص يُنفِّرون القارئ بدلاً من جذبه وتشجيعه، وذلك رغم معرفتهم بوجود منافسٍ قوي لهم، ألا وهو الكتاب الإلكتروني، والاستغلال على ما يبدو سببه الرئيس هو لإدراكهم بأن ثمة قُرّاء يُفضلون القراءة من الكتاب الورقي على الالكتروني، مع معرفتهم بكل تأكيد بأن ملفات الـ: PDF مجانية ومتوفرة بكثرة على الأنترنت، إلاّ أنهم رغم تلك الأسباب المذكورة يعملون على استغلال شغف أولئك القراء الحريصين على نهل العلوم والمعارف والآداب من الكتب الورقية، وكمثال شخصي سألتُ في النصف الثاني من سنة 2019 إحدى المكتبات في مدينة اسطنبول عن سعر الأعمال الكاملة للشاعر اللبناني بسام حجار الصادرة عن دار الرافدين للطباعة والنشر، فكان السعر حسب إدارة المكتبة 163 ليرة تركية، وباعتبار أن المبلغ المذكور لا يأتي بالأمر الهين في تركيا، لذا استبعدت فكرة اقتناء الكتاب الورقي رغم أني أحب قراءة ما تبقى من إنتاج الشاعر الراحل، ورحتُ بعدها أبحث عنه في الأنترنت، وقد حظيت بعد فترة قصيرة بنفس النسخة من الأعمال الكاملة مجاناً وبدون أي متليك أدفعه لأحد، وفي السياق ذاته ففي الاسبوع الأول من الشهر السابع من هذا العام أي 2020 سألت إحدى المكتبات باسطنبول عن سعر رواية راوية الأفلام للكاتب التشيلي إيرنان ليبيرا لتيلير، فقال بأن سعرها 65 ليرة تركية علماً أن الرواية صغيرة الحجم والصفحات، فعندها ومن باب الفضول بحثت عنها في النت فرأيتها متوفرة بالمجان فحمّلتها وقرأتها في نفس الليلة بجلسة واحدة من دون أن أدفع أي ليرة.

على كل حال صحيحٌ أنه ليس من حقنا توجيه النصح أو الإرشاد لأحد، ولكننا مع ذلك نقول لئلا يتخلى القراء عن فكرة اقتناء الكتاب المطبوع من المكتبات، نصيحتنا لأصحاب تلك المكتبات هي أن المحافظة على القارئ أو الزبون تبقى في كل الأحوال أفضل من نفوره، ومن ثم خسارته للأبد، وذلك من خلال بحثه تالي النفور عن البدائل المتاحة في الأنترنت وبالمجان.

وبالإضافة إلى الفارق الكبير بين الكتاب المجاني والمدفوع الثمن هناك أسباب أخرى تدفع الكثير من مرتادي الحافلات المزدحمة إلى تفضيل القراءة من على التلفون أكثر من الكتاب الورقي، طالما أن صُغر حجم الجهاز غير ملبِّك، ولا يضايق الآخرين باعتبار أنه لا يأخذ مساحات إضافية من فضاء القطار أو الاتوبيس، كما أن الحالة النفسية لها دور في تفضيل هذا النوع أو ذاك، وبما أننا لا نقرأ عادةً إلاّ ما نشعر بميلٍ جارف إليه، لذا فإن الكتاب الالكتروني المحمول في الموبايل قد يلبي بشدة مزاج المرء حيال ذلك الخيار النفسي المهم، وذلك باعتبار أننا في الجهاز الصغير قادرين على تحميل عشرات الكتب، تلك الملفات التي قد يخطر على بالنا في لحظةٍ ما اختيار أي ملف منها من بين مجموع الكتب، بينما في حقائبنا الصغيرة فلا نحمل أكثر من 3 كتب ورقية، وكمثال واقعي بسيط على ذلك، فإنني على ما أذكر اقتنيت المجلد الأول من المجموعة الكاملة للشاعر الكردي عبدالله بشيوا منذ ما يزيد عن عامٍ ونصف من تاريخ كتابة هذه المادة، ولكن طوال تلك الفترة لم تسنح لي الفرصة لقراءته والكتاب ما يزال مركوناً في البيت، بينما وخلال هذا الاسبوع حظيت بكتابٍ للشاعر نفسه منقول إلى الحرف اللاتيني من لدن الناقل حسين محمد، فقرأت العمل كله من خلال تلفوني وأنا في وسائط النقل، بينما الديوان الورقي للشاعر ما يزال مستمتعاً بصمته في الخزانة، هذا فكانت الأسباب المذكورة أعلاه وراء مزاحمة الكتاب الالكتورني للكتاب المطبوع، إضافةً إلى ما أشرت إليه في الأعلى بخصوص مخاوف ظهور أشخاصٍ عنصريين في الباص أو المترو أو الدولمش، وحيث أن تلك الأسباب مجتمعةً أثّرت بشكلٍ مباشر على القراءة الورقية بالنسبة لي في مدينة اسطنبول التركية على امتداد عامي 2018/ 2019 وكذلك ما مضى من العام الحالي 2020.